ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 27)/ د. مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 27)/ د. مصطفى كبها

فظائع الانجليز : بعد ازدياد الاعمال الحربية التي حقق فيها الثوار بعض المكاسب في حرب الكر والفر التي خاضوها ضد القوات البريطانية ، تصاعدت وتيرة أعمال القمع وفظائع التنكيل التي ارتكبها البريطانيون بحق المواطنين الفلسطينيين . فبعد أن تلخصت ردات الفعل البريطانية في البداية بالتضييق على المواطنين والعبث ببيوتهم وممتلكاتهم ، تطوت أساليب العمل البريطانية على شكل أنماط مختلفة من التنكيل والتعذيب كجمع جميع رجال قرية معينة واجبارهم على نقل الحجارة الثقيلة على ظهورهم لمسافة بضعة كيلومترات دون توقف أو السير حفاة على ألواح من الصبر يقطعونها بانفسهم أوالسير على جمر نيران يجمعون ، هم بانفسهم، حطبها وبعد أن يشعلوه في الميادين العامة كان جنود قوات الانتداب يجبرونهم على دوس جمر النار وهم حفاة وهكذا ....

وقد وصل تمادي الجنود البريطانين بالتنكيل بالأهالي حد إلصاق تهم بابرياء كانت تقود لإعدامهم كأن يقوموا بدس الذخيرة والمسدسات أو بعض الرصاصات في متاعهم وهي تهمة كافية بأن تقود المتهم بها إلى حبل المشنقة . ولعل المذكرات التابعة لشرطي بريطاني من تلك الفترة والتي وقع عليها بالاسم المستعار A.Goy وتم نشرها في فصلية إرشيف الهاجاناة "داف مهاسليك" (شباط2000 ، ص 4-6 ) تجسد هذا التوجه لدى البريطانيين . فقد انتمى الشرطي المذكور لوحدة بوليس بريطاني كانت تطارد فصيل للثوار في قرية حلحول في صيف 1938 .

لما فشل أفراد الوحدة بالعثور على أفراد من ذلك الفصيل حاولوا الاستعانة بكلاب قص الأثر التي قادتهم بدورها إلى أحد كروم العنب في طرف القرية حيث كان يعمل هناك أحد الفلاحين بتقليم الشجيرات . ثم يكمل الشرطي القصة فيقول : " كان الكرم بعيداً لمسافة خمسين ياردة (متراً ) عن البيت الذي جرى تفتيشه . بين شجيرات العنب عمل رجل سارع للهروب عندما رأى رجال الشرطة وسمعهم ينادونه مطالبين إياه بالتوقف . تمت مطاردة الرجل وتم القبض عليه على مسافة الميل (كيلومتر ونصف تقريباً ) من مكان العثور عليه في البداية .

الجدير ذكره هنا أن رجال الشرطة لم يقوموا باطلاق النار على الرجل وإنما تم الادعاء فيما بعد ، عند محاكمته ، أنه تم ضبط ذخيرة بيديه وأن ذخيرة أخرى وجدت في ملابسه . ولكني كنت هناك ورأيت أن ما ضبط مع الرجل كان مقص شجر وليس ذخيرة . قام بعض رجال الشرطة بالشهادة ، تحت القسم ، بأنهم رأوا الرجل العربي يتخذ له موقعاً لإطلاق الرصاص وراء جدران من الحجر بل أن بعضهم اقسم أنه رأى النيران خارجة من فوهة بندقيته . ذلك على الرغم من أنه لم يجر التبليغ عن إيجاد أية قطعة سلاح في المنطقة التي تم تفتيشها بعناية فائقة .... في نهاية المحاكمة تم تجريم الرجل ب"جريمة" إطلاق النار على الجنود وتم الحكم عليه بالإعدام ".

بعد كل هذه التفاصيل يقوم ذلك الشرطي البريطاني بتأمل ما جرى ثم يطلق حكمه عليه قائلاً : " ما من شك أن شهادات تتعلق بسياقات الاعتقال (هروب الشخص من كرم العنب ) تم ربطها بشهادات كاذبة ، قادت في النهاية إلى تجريم الفلاح عديم الحظ لقد شعرت بخجل عميق عندما أدركت أن بامكان الانجليز أن يفعلوا عملاً بالغ القذارة كهذا . في المستقبل ، من المؤكد أن قرية واحدة على الأقل (حلحول ) ستسخر من "أخلاقيات العدل" البريطاني . بعد ذلك اكتشفت في إحدى المحادثات في مطعم المركز الذي كنت أعمل فيه بأن أعضاء الوحدة الخاصة لشرطة القدس اعتادوا على حمل ذخيرة من أنواع مختلفة في جيوبهم من أجل استخدامها في حالات كهذه ط حيث كانت تدس في امتعة متهمين أبرياء أعتقد رجال البوليس أن عليهم تجريم هؤلاء بأي ثمن".

وفي رسالة بعثها صبحي الخضرا ،الذي اعتقلته السلطات البريطانية في هذه المرحلة وأودعته سجن عكا ، إلى صديقه أكرم زعيتر ، عضو لجنة الجهاد المركزية في دمشق ، وصف لصنوف التعذيب المختلفة في هذا السجن الذي اشتهر سجانوه وضباطه بالقسوة الشديدة حيث قال : " من أنواع التعذيب الضرب بقبضات الأيدي وبالأحذية أي بالأيدي والأرجل . ومنها الضرب والجلد بالعصي حتى درجة الموت . ومنها الخوازيق وهي إدخال العصي في أدبار الضحايا وتحريكها يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً . ومنها فرك الخصيتين بالأيدي ودردكتهما وعصرهما حتى يغشى على صاحبهما من الألم والعذاب حتى يضطر الرجل إلى نقل رجليه نقلاً عند المشي والحركة . ومنها ربط الخصيتين بخيطان مصيص (قنب ) وجذبهما .... ومنها تلبيس القدمين (وذلك بعد طول التعذيب ) بأكياس القش وظروفه يأخذونها من قناني البيرة ثم يأتون بعيدان الكبريت ويشعلون القش فوق الرجلين وصاحبهما يصرخ من الألم والعذاب والجلادون يجيبونه بسب دينه وشتم نبيّه وإظهار الشماتة بحركته الوطنية وبملوك العرب . ومنها تجويع الكلاب وتهييجها ودفعها لتنهش من لحمه وأفخاذه . ومنها التبويل على وجه الضحايا أو إشهار المسدسات فوق رؤوسهم أو الخناجر وتقريبها من رقابهم والطعن حول الرقبة . ومنها تعليق الإنسان من رجليه ، وجسمه مدلى إلى أسفل ويداه مقيدتان إلى خلف . ومنها تجربة وضع الحبل بالرقبة وشنق الرجل إلى درجة الخطر . ومنها (ما جرى في حيفا ) إركاب الضحية في لانش وربطه بالحبال وإلقاؤه في البحر لدرجة الغرق والخطر ثم انتشاله بعد أن يرى الموت ألواناً ، وقد جرى هذا مع أبناء الجبال الذين لا يعرفون السباحة وهم مقيدون من أيديهم وأرجلهم ".
جعلت هذه الممارسات الفظيعة بعض الجنود والضباط البريطانيين يتمردون على آمريهم ، فقد نشر في العشرين من آب 1938 أنه تم محاكمة سبعة جنود بريطانيين محاكمة تأديبية بسبب ميلهم إلى عدم تنفيذ هذه الفظائع . كما وأعلن في الوقت ذاته عن محاكمة ضابطين بريطانيين ثبت تعاونهما مع الثوار . وقد سحبت منهما درجاتهم العسكرية وأعيدا إلى بريطانيا كي يبعثا للخدمة العسكرية في أماكن أخرى .

ليس بوسع هذين المثالين أن يدلاعلى توجه عام للتمرد لدى الجنود البريطانيين ، ولكنهما يمكن أن يشيرا إلى فظاعة التعذيب الذي لم يحتمل رؤيته بعض من يقومون به . كما لم تفت مثل هذه الحوادث بإصرار القادة العسكريين البريطانيين الكبار في فلسطين على إخضاع الثورة الفلسطينية بكافة السبل والطرق الممكنة .
يتبع ....


















ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018