عبد الرحمن منيف: تأملات في "بيانه الروائي"/ أنطوان شلحت

عبد الرحمن منيف: تأملات في "بيانه الروائي"/ أنطوان شلحت

أتى عبد الرحمن منيف (1933-2003) الى حقل الكتابة الروائية من الواقع المعاش، فلا غرو إن وظّف "الوقائع" توظيفاً ندَّ عن بصمة مخصوصة. وفي الوقت الذي كتب فيه الكثير بعد رحيله، كما في حياته، عن مُنجزه الروائي، بل والأدبي عموماً، يكرثني الآن وهنا أن أتوقف عند ما جرى التواضع على تسميته بـ "بيانه الروائي"، بمعنى مكمّل أن أتوقف عند جملة المفاهيم النظرية التي شكلت معين منيف وخلفيته في نتاجه الثرّ، والتي لم يكن هو نفسه ضنيناً في تعريضنا لمداليلها على أساس من الإستحصال الذاتي، لا بدّ من تثمين صدقيته.

ولعل ما يغري بقراءة هذا الجانب حصرًا، كون منيف قطع شوطاً بعيداً في كتابة الرواية، قبل أن يسترعيه الاهتمام بضرورة "البيان"، جريًا على طريقة معظم المبدعين.

وتشير السيرورات الخاصة بحياته، في الحياة، الى أن الأبحاث الأساس، في رؤيته للرواية العربية المشتهاة، أنجزها منيف في رواياته نفسها قبل أي شيء... ومن ثمّ أفصح عن ملامح من مشروعه في كتابه "الكاتب والمنفى/ هموم وآفاق الرواية العربية" (بيروت 1992) الذي اعتبره محمد دكروب، لدى تقديمه له، "بيانه الروائي الأول".
في هذا الكتاب يتراءى المؤلف مهموما، في صورة أرأس، بهاجس "تأسيس رواية عربية". إن العنصر الأهم في هذا الهمّ، الذي يبدو ظاهرياً ثلاثي الأضلاع، يكمن في سؤال "عروبة الرواية" وما يترتب عليه. وبطبيعة الحال لديه الشيء الكثير مما يقوله في هذا المضمار، لنفسه بدايةً ولنا كمتلقين، على شاكلة ما يلي مثلاً:

"إن هم تأسيس رواية عربية، وتطويرها وتجديدها، يجب أن ينبع ويعتمد على تقاليد محلية، مع الاستفادة من التراث العالمي. أما أن يكون هم الرواية العربية: مخاطبة العقل الغربي، بالقفز عن القارىء العربي وتجاوزه، وبالتالي تصوير الواقع العربي فولكلورياً، لإرضاء الغرب وإظهار البراعة واتقان الصنعة، حسب مقاييسهم... فلن يؤدي الى قيام رواية عربية. يجب على الرواية العربية أن تستلهم موروثاً وأن تمدّ جذوراً، وأن تكتسب طرائق وصيغاً من الأرض والناس، وأن تتوجه إليهم في نفس الوقت".

بدهي أن يكون الهجس السالف يشفّ، بقدر معيّن، عما هو متعلق ومنطلق من الخاص في تجربة الكاتب. بيد أن ميراث منيف، في هذا الصدد، على ندرته، لا يقفز في الآن ذاته عن التجربة العامة المعاصرة في كتابة الرواية العربية. ولقد كان هو نفسه من الذاهبين الى أن الرواية تحديداً في الإبداع الأدبي العربي هي جنس حديث، يفترض بحداثتها حتى تنأى عن الهجانة أن تتجنب صيرورة "يافطة ترفع أو كلمة تطلق" كي تقترب من "شيء يصنع" ومن "وقائع تتحقق بالإنجاز الفعلي".

بعد "الكاتب والمنفى" صدر لمنيف كتاب بعنوان "بين الثقافة والسياسة" (بيروت، الدار البيضاء- 1999) واشتمل على مزيد من تلك الرؤى والمفاهيم. وفي إستقطار عام لما إحتوى عليه هذان الكتابان، فضلاً عن مقالات أخرى منشورة هنا وهناك، يمكن إدراج "بيانه" الروائي تحت عناوين عريضة عدة.

مهما تكن هذه العناوين، فان ثلاثة منها تنطوي على مقولات جديرة بالتأمل.

نبدأ بمقولة، قد تكون هي آخر ما صدر عنه، توضّح ملامح الرابطة بين الثقافة والسياسة، وردت في مقالة أشبه بـ "مانفيستو" كتبها منيف سوية مع زميله المفكر والناقد الفلسطيني فيصل درّاج خلال الحرب الأمريكية على العراق قبل حوالي السنة تحت عنوان :" الهوامش العربية في النظام الأمريكي الجديد".

تستهل المقالة منطوقها بما يلي :" أدرج المثقف العربي الحديث، في أزمنة متعددة، ثقافته الخاصة في مشروع إجتماعي، متطلعاً الى بديل إجتماعي أكثر إرتقاء. ومن أجل البديل المحتمل أنتج معرفةً، صحيحة او مجزوءة الخطأ، نقد بها السلب الاجتماعي وبشر بأفق مغاير. ولعل نقد السلب، كما النظر الى الأرقى، هو ما جعل السلطة السياسية موضوعاً لإجتهاده، في الأدب وخارجه أيضاً. كان، في الحالين، يمارس الثقافة من وجهة نظر وطنية يحوّل فيها الثقافة الى فعل أخلاقي ينفتح على المجموع وأسئلته، وذلك في إيقاع متواتر، لا يفصل بين الثقافة والوقائع الوطنية"( جريدة "السفير"، بيروت، 28/3/2003).

تضعنا هذه المقالة برمتها، التي ليس من المجازفة إعتبارها بمنزلة حوصلة ذاتية لتجربته الأدبية، أمام مفاتيح نصّ منيف، وأولها ذلك المفتاح الذي كان نتاجه في الرواية، مثلما في مضامير أدبية أخرى، بمثابة تزكية موازية له، وهو أن الكاتب "يفنن" الواقع، إذا جاز التعبير، إنما من غير وهم بأن التفنين هو غاية في حدّ ذاته. ومن هنا أساساً تتولد حاجة الكاتب الى أن يتسلح بالسياسة ناهيك عن فن الكتابة. وليست السياسة في معناها الذي يحيل الى الالتباس، ولا في دلالتها المرآوية، ولا في تصورها المبتذل الشائع في أفواه السياسيين وفي ممارستهم، وإنما السياسة في معناها الذي يحيل الى الصراع المفتوح من أجل المعرفة.

والفيصل بين سياسة السياسيين وبين إسهام الرواية في السياسة سبق أن توصل إليه منيف على أساس من التجربة الشخصية الممضة.

"بعد أن جربت العمل السياسي - يقول- وبعد أن حرثت في أراضي الآخرين، تبين لي أن مكاني المناسب هو أن أكون روائياً وأن أحرث في الأرض التي أعرفها أكثر من غيرها خاصة أن الرواية- في هذه المرحلة وفي منطقة مثل منطقتنا- لا تزال بكراً ويمكن أن تساهم في المعرفة والتعرّف وفي إكتشاف إحتمالات غير تلك التي قدمها السياسيون والمنظرون سابقاً".

لقد دخل منيف معترك الكتابة الروائية مدفوعًا برؤية كون الرواية "عبارة عن صيغة من صيغ إكتشاف العالم ومعرفته بشكل أفضل من أجل التعامل معه ضمن قوانينه الحقيقية وأيضًا لكي نراه دون عمليات تجميل". غير أن هذه الرؤية، التي جاءت رواياته كافة مستبطنة لها عاكسة لملامحها، لم تبق مكتفية بذاتها، على ما يمكن أن يستثيره ذلك من تقدير قارّ، وإنما تشظّت لناحية التأشير إلى الدلالات المضادة داخل ذلك العالم. وهو ما ينقلنا الى الثاني من العناوين العريضة لبيان منيف الروائي.
يتفق معظم نقاد عبد الرحمن منيف على أن روايته هي أداة جميلة للمعرفة والمتعة، في شبه تماه مع ما باح به هو نفسه في هذا الشأن. في هذه الحالة ينسحب إكساب المعرفة والمتعة، وأيضًا إكتسابهما، على الكاتب والقارىء معًا. لدى قراءة روايات منيف تتوالد حالة ينضفر فيها الوعي بالعالم مع الجوهر المرغوب للعلاقة بالمجتمع، علاقة تتمثل آيتها في أنك منبثق من هذا المجتمع لا في أنك مجرّد مضاف إليه. وبذا يتم إختزال الطريق، في مسار مخاطبة الوعي، بين ما هو قائم وبين الدلالات المضادة التي تستدعي من يتشبث بها.

وعند التبحّر في الصيغ المختلفة التي تشكل تكأة الكاتب في استيلاد الحالة السالفة ينبغي عرض المفاصل التالية:

(*) أولا- ينطلق منيف في إشتغاله على مسألة الحوار بين الثقافة والسياسة وفي تسويغه لضرورته وحاجته في آن معا من كون ذلك الحوار شرطًا لتحديث الوعي الاجتماعي. بيد أن انتصاره لهذا الشرط يتأتى، أيضًا وأيضًا، من تعريته لما يتضاد معه والمحدّد، وفقما يقول، في سياسة ثقافية مغايرة تتمظهر في مناح عديدة حاليًا، تعيّن السوق مرجعا للثقافة وترى السياسة في ضبط علاقة المثقف بالسوق، بما يوطد اسمه المفرد ويؤمّن انتشار سلعته الثقافية.
ويزيد: لا يقوم الاشكال، بداهة، في التسليع الثقافي ذاته، فهو ظاهرة موضوعية، بل يقوم في نقل التسليع من الموضوع الثقافي إلى شخص المثقف، عن طريق الانسحاب من "الموقف" أو الدخول الى مواقف متضاربة، لا موقف فيها. ولعل هذا الانتقال من تسليع المنتوج الثقافي الى تسويق المنتج الثقافي ذاته هو في أساس انحلال المفاهيم النظرية الأساسية، مثل السلطة والنقد والدمقراطية والتنوير والقضية الفلسطينية، وصولا الى انحلال القيم الثقافية العملية، التي لا تقوم الثقافة إلا بها.

(*) ثانيا- إذا كان القول السالف يمسّ ، في جانبه الأشد إثارة، المثقف العربي ضمن صيرورة طاغية لهذا الكائن الاشكالي في الزمن الراهن، فإنه لا يقفز عن الواقع الذي يعيش المثقف العربي في ظله ويتأثر به ويتلمس سبيل التأثير فيه. في هذا السياق التقط منيف الواقع العربي العام من زاوية إجتهاده الشديدة الخصوصية، حسبما شفّت عن ذلك بصورة صافية روايته الأشهر "مدن الملح". وعندما سئل، ذات مرة، عن دلالة أن معظم رواياته تدور على محورين متصلين، في المبنى والمعنى، هما النفط والقمع، اللذان تدور عليهما أساسًا "مدن الملح"، أجاب بأنه لا يعد ذلك "تهمة" تؤرقه. فإن النفط والقمع عنوانان لعصرنا العربي الراهن. ورغم ما بينهما من ترابط إلا أن كل واحد منهما يحاول منافسة الآخر على الموقع الأول.

ونقرأ لمنيف أيضًا في هذا الخصوص ما يلي، مع قليل من الايجاز:
(...) المجتمع العربي، في معظم الأقطار، قائم على موارد النفط وليس على النفط، لأن هذه المادة في أماكن أخرى عنصر من عناصر البناء والاقتصاد بينما هي في البلاد العربية مجرد عائدات مالية يتم التصرف بها دون رقابة حقيقية ودون محاسبة.. وإذا كانت الصناعة النفطية في أماكن كثيرة من العالم جزءًا من البنية الصناعية والاقتصادية لتلك البلدان فإنها في المنطقة العربية عبارة عن جزيرة غير متجانسة مع الوسط العربي الذي وجدت فيه.
(...) لم يقتصر النفط بآثاره ونتائجه على قطاع واحد، وإنما امتد وشمل جميع مناحي الحياة، ولأن استثماره قام منذ البداية إستنادًا إلى صيغة التبعية واستمر من خلال الأنظمة فقد أصبح الهدف حماية هذه الصيغة وحماية الذين يحمونها، وبهذه الطريقة توسعت آلة القمع وتطورت وتعددت وسائلها وأساليبها للدفاع عن النفس والقيم السائدة والمصالح المرتبطة بها، ثم التصدي لأي صوت أو فكر أو صيغة يمكن أن يتولد منها خطر يهدد ما هو قائم.
(...) النفط والقمع يشكلان هاجسًا مستمرًا بالنسبة لي ليس باعتباري من أبناء المنطقة النفطية فقط، وإنما لأن نتائج الموضوعين من الاتساع والخطورة ومن الشمول بحيث لا تترك إنسانًا بعيدًا أو محايدًا. ولا شك أن القمع اتسع وأخذ أشكالا ومظاهر متزايدة وخفية، إضافة إلى تخريب البنية العامة للمجتمع وأيضًا تخريب القيم السائدة وتفتيت العلاقات التي كانت تعتمد على التضامن والتكافل والحماية المشتركة.
(...) نلاحظ علاقة، وأغلب الأحيان علاقة قوية، بين النفط والقمع وأن أحدهما يساند الآخر ويكمله، وهذا ما دعاني لأن ألتفت إلى النفط والقمع باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، وكان هدفي أن نلتفت في الوقت المناسب إلى الآثار المترتبة على استمرار هذه الصيغة ومحاولة عمل شيء قبل فوات الآوان وإلا تحولنا جميعًا الى ضحايا، وقد لا ينجو أحد حتى الحكام.

(*) ثالثًا- في كل ما تقدم لم يكن منيف دون كيشوت عربيًا فهو، المدرك للقوانين والظواهر الموضوعية، حسبما أسلفت الاشارة، واع في الوقت ذاته بأن عوامل التجاوز لا تهبط من السماء ولا يمكنها أن تكون من فعل عصا سحرية أو تطبيقًا لوصفة جاهزة.

في المقالة المشتركة مع درّاج ثمة تناول لمسألة الدمقراطية وما يحفّ بها الآن من عبث ثقافي يحولها، أحيانًا، إلى كلمات متقاطعة. وقد أشير إليها باعتبارها واحدة من نقطتين جوهريتين لا يجوز العبث بهما ولا تحتملان الترخيص والاستسهال ( النقطة الثانية: الصراع العربي- الاسرائيلي). وهذه فرصة للاشارة إلى أن منيف أصدر، في 1992، كتابا بعنوان "الدمقراطية أولاً .. الدمقراطية دائمًا". وظل يرى في الدمقراطية حلا للواقع العربي بشروط هذا الواقع، التي تحددها على الوجه الآتي:

(*) ليست ذات مفهوم واحد، وهي بالدرجة الأساسية إعتراف بالآخر وبأن الحقيقة ليست ملك أحد بعينه أو لها شكل ثابت ودائم، ولذا لا بد من وجود الآخر ومن مشاركته ومن التطور والتغير تبعًا لتغير الظروف وموازين القوى، وهي عبارة عن تراكم مستمر وعن إضافات يسهم فيها الجميع.
(*) الدمقراطية مناخ وعقد اجتماعي، فإن التعدد والاعتراف بالآخر وبالتطور والتكافؤ والاحتكام إلى القانون والمساواة بين المواطنين والحق في التعبير والتنظيم والرقابة هي من جملة الأمور التي يجب أن تقرّ وأن يعترف بها كحقوق غير قابلة للنقض أو لاعادة النظر.
(*) الدمقراطية طريقة للتعامل تستند الى المساواة والعقلانية والاحتكام الى رأي الأغلبية، وهي تحكم النظام والقانون دون تمييز، وهي الحقوق والواجبات بالمقدار نفسه.
(*) الدمقراطية هي القانون ودولة المؤسسات، أي يجب أن يتمتع الانسان بحق التعبير والمشاركة والاعتراض ضمن صيغة واضحة ودائمة، وهي حق الانسان في الرقابة على السلطة وفي تبديلها وفي نقدها، دون أن يدفع ثمنًا استثنائيًا للرأي الذي يبديه أو الموقف الذي يتخذه.

وربّ سائل : ما علاقة كل ذلك بالثقافة؟
ويقودنا ذلك إلى السؤال: ما هي الثقافة؟
إذا ما انطلقنا، في معرض الإجابة عن هذا السؤال، من أن الثقافة هي، في أحد جوانبها الرئيسة والأكثر إثارة، مقاربة للواقع- لناحية المواجهة أو المفارقة- فإننا نقترب كثيرًا من نتيجة علاقة كل ما ذكرناه بالثقافة. كما أننا نقترب من النتيجة نفسها لدى تتبع الكيفية التي كان منيف يكتب بواسطتها روايته. وهي ثالث العناوين العريضة في "بيانه الروائي".

في تناوله لموضوع الكيفية، التي يتعين إتباعها لكتابة الرواية، يتطرق عبد الرحمن منيف إلى جملة من المواضيع التي تستحق التأمل، ويؤلف كل منها آصرة عضوية في الجسد المتكامل للكتابة نفسها.

لقد رأى منيف أن الرواية، في المرحلة التي عاش فيها، هي "إحدى أهم وسائل التعبير، سواء بالنسبة لنا كعرب أو بالنسبة للعالم"، لأن من مجمل خصائصها "أنها تستطيع ملامسة القضايا الأساسية التي يحتاج الكثيرون إلى التعرف عليها والتفاعل معها، لكي يروا أنفسهم وما حولهم بشكل أفضل، وربما أعمق مما تبدو للوهلة الأولى". وفي هذا السياق إنطلق يخوض غمار الكتابة الروائية وفي وعيه التام "نموذج" للروائي العربي الذي يريد.

تتجلى ركائز "النموذج المنيفي" في العناصر البارزة التالية:

(*) اللغة: اللغة أهم أداة في يد الروائي، برأي منيف. ويتعين عليه ألاّ يضنّ بجهوده في هذا المضمار. ويجدر في هذا الخصوص التنويه بأن منيف لم يتوصل إلى "قرار حاسم" بشأن طابع اللغة التي يتوجب استعمالها. وقد ظل يدعو الى الاشتغال على اللغة تبعًا لتغير المنطق بين رواية وأخرى. مع ذلك فقد أكثر من الانحياز إلى "اللغة الوسطى"، مؤكدًا أنه يفهم بها "تلك التي تتوالد بين المثقفين العرب، والتي يمكنها- روائيًا- أن تقرّب الفصحى من الحياة ومن العصر، وتستفيد من العامية وتراكيبها لإعطاء الصنيع الفني ظلالاً إبداعية تحمل نكهة شعبية حياتية.. ثم، الشغل على الحوار بحيث لا يتجمد في الفصحى ولا يدفع به إلى الغرق في بحر العامية". "وإني- يتابع منيف- لا أحبذّ بتاتًا استعمال العامية المطلق ولا اللجوء إلى الفصحى "القاموسية"، فبيت القصيد هو التوصل إلى لغة تزخر بالحياة وتنقل ما ينبغي تبليغه مسكوبًا في قالب جميل وجليّ".

(*) الكاتب هو الأسلوب: يعتبر منيف الأسلوب الروائي "أحد أهم العناصر في البناء الروائي" وهو "الذي يشكل جسرًا بين الكاتب والقارىء". والكاتب، في عرفه، لا يصل إلى الأسلوب دفعة واحدة "وإنما من خلال المعاناة والتجريب الدائم، وأيضًا من خلال التعلم ومعرفة ردود الأفعال ومواطن القوة والضعف في عمله وأسلوبه، وكيفية التعامل مع الشخصيات والمناخات المتنوعة والمختلفة". ولا يستطيع الكاتب أن يعتبر البناء الروائي مجرد عمل فني أو حرفة، إذ بالاضافة إلى المعرفة فإن عنصري الصدق والانفعال أساسيان. وفي هذه اللحظات يكون الكاتب في حالة إندماج في العملية الروائية، بحيث يجد نفسه محمولاً أو مدفوعًا للتعامل مع الشخصيات بطريقة وكأنهم كائنات حية من لحم ودم. وهذه الشخصيات لها أفكارها وعواطفها ورؤيتها للعالم، ولذا لا بدّ من ترك الأمور تأخذ مجراها ضمن هذه الانفعالات والتوترات إلى أن تكتسب ملامح خاصة بها، فإذا جاءت الصياغة الثانية، وربما الثالثة، وبعد أن يزول الانفعال يبدأ العقل البارد بالعمل فيملأ الفجوات ويصلح أمر الشخصيات ويشدّها، بحيث تصبح أكثر إقناعًا وأبعد دلالة.

(*) الرواية عمل يحتاج إلى استعداد، ويحتاج أكثر إلى مثابرة وصبر وشعور عال بالمسؤولية، إضافة إلى الصدق وشيء من الشجاعة.
"إذا كانت القصيدة- يقول منيف- لحظة إشراق والقصة القصيرة اقتناص الومضة والمفارقة والمسرحية تتطلب مناخًا دمقراطيًا، فإن الرواية أكثر ما تحتاجه الجلوس يوميًا وراء الطاولة لساعات متواصلة من أجل التفكير العميق ثم لكتابة صفحتين إلى ثلاث صفحات، إذا فتح الله ويسّر. الرواية تحتاج تحضيرًا طويلاً وفضولاً لمعرفة الأشياء: أسماؤها ومواعيدها وتفاصيل التفاصيل عن دورتها في هذه الحياة.

تحيل هذه الأقوال إلى سؤال التجنيس في الأدب عمومًا والعربي خصوصًا. وارتباطًا بالرواية العربية يسجل منيف ملاحظتين:

الأولى، أن عمر الرواية العربية ما زال في أول الشباب، وبالتالي لم تتكوّن فيها، بشكل كامل وصارم حسبما يشدّد، الأساليب والمدارس بحيث يمكن التصنيف باطمئنان أن هذا كلاسيكي وذاك حداثي.. وهكذا.

الثانية، أن الرواية العربية بحاجة إلى تراكم وإلى إضافات متعددة ومتنوعة. ولذا فإن المطلوب بقاء مناخ الرواية دمقراطيًا ومفتوحًا، ما يكفل كتابة روايات جيدة ومتنوعة تبرر القول بوجود هذا الجنس الأدبي ورسوخه وأيضًا باحتمالاته الايجابية القادمة. إن الروائي، طبقًا لذلك، لا يكبر على جثة آخر، خاصة إذا كان روائيًا مثله أو سابقًا عليه، وربما العكس هو الأكثر صحة، لأن الأول يمهد للآخر، يفتح له الطريق، يساعده في بلورة صيغ وأساليب جديدة، وبهذه الطريقة وحدها يتولد مناخ روائي يؤدي إلى التفاعل وتبادل الخبرات وتطوير الأساليب.

ولا شك في أني أظلم "موتيف" المكان عند منيف، الذي قد لا تفيه دراسة منفردة ويظل موضوعًا يغوي دارسي أدبه. فلقد تميز منيف بالتنقل الدائب بين عدة أمكنة.

"أنا واحد من الناس محروم من الوطن، إذا صحّ التعبير- قال منيف ذات مرة- وعشت في كل الأقطار العربية تقريبًا".

وأردف:".. وشعرت أن الفارق بين مكان وآخر هو فارق- إذا كان هناك فارق موجود- في النسبة وليس في النوع. وقد أكون واحدًا من القلائل الذين تجوٌلوا في هذا الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، وتعرٌفت عن قرب على كثير من الأوضاع والحالات والأشخاص والمعاناة، وبالتالي من حقي أن أسبح في هذه البحيرة كلها دون حدود، وأن أعكس إلى حدٍ ما همومها. ولأني أيضًا بدون هوية بمعنى أنني غير منتسب لمكان محدد... أرى أن هذا الإنسان الذي بهذه المواصفات، له حق أن ينظر ويتعامل مع القضايا ضمن هذا المنظور. ربما يكون بعض الآخرين قد عاش في أماكن محددة ضمن ظروف مختلفة، وبالتالي يتعامل مع الكتابة ومع المادة بشكل مختلف عن تعاملي، ولكن كلا التعاملين مشروع ومقبول..".

( نفتح هنا قوسًا لكي نشير إلى أن عبد الرحمن منيف ولد في عمان، الأردن. والده من نجد في السعودية. أمه عراقية. درس في عمان، وانتسب إلى كلية الحقوق في بغداد. بعد توقيع حلف بغداد طرد من العراق. واصل الدراسة في جامعة القاهرة. تخصّص في إقتصاديات النفط. عمل في الشركة السورية للنفط في دمشق. عمل في الصحافة في بيروت عدة سنوات. غادر إلى العراق، ثم غادر العراق.. وهام في بلدان مختلفة. في 1986 عاد إلى دمشق وبقي مقيمًا فيها إلى حين وفاته).

وقد انعكست الأمكنة العربية المختلفة في كتاباته الروائية التي حمل معظمها أسماء تحيل إلى أمكنة (شرق المتوسط، مدن الملح، الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى، أرض السواد، سيرة مدينة- عمان في الأربعينات.. إلخ).

وأكثر من مرّة إعترف منيف بأنه حمل على كاهله وزر التأسيس لرواية عربية، واحيانًا جاء إعترافه حاملاً الإلماح إلى أن مثل هذه الكينونة فيها من الإبهاظ أكثر مما من "الترف".

وربما يكون في براءة لجنة التحكيم لجائزة القاهرة للإبداع الروائي، التي منحت فور إنشائها لمنيف، ما يختصر المساهمة الإستحصالية لهذا الكاتب حيث قيل فيه إنه "كاتب عربي جمع بين الإبداع والالتزام القومي والإنساني، وحوّل الالتزام إلى قضية فنية، قبل أن تكون شيئًا آخر. وفي وحدة الالتزام والإبداع أعطى نصّا أدبيًا واسعًا متعدد المرجعيات يتضمن السيرة الفردية والسيرة الجماعية وسيرة المكان الطويل والأمكنة الضيقة والمغتصبة وسيرة الزمن العربي الحديث المنفتح على النور مرة وعلى الظلمات مرات أخرى، وأدرج الحكاية في البنية الروائية وسرد مصائر من غيّبت مصائرهم، ومزج بين المتخيل الطليق والتوثيق التاريخي. وأعطى لهذا كله أشكاله الفنية الموافقة له، والتي هي إقتراح فني مستقل بذاته، واقتراح مفتوح للرواية العربية. وذلك في لغة حديثة تلبّي خصوصية الجنس الروائي ومتطلبات القارىء العربي الذي يتعامل مع نص حديث. والمبدع المحتفى به، في هذا كله، يوحّد الزمن العربي، المفتّت والمتنوّع، في زمن روائي، يوحّد ما تعدد ويحتفظ بتعدديته، كما لو كان يكتب عن كل بلد عربي على حدة ويكتب عن الأماكن العربية كلها في آن".


أولا- حاولت أن أقدم قراءة تأملية لبيان عبد الرحمن منيف الروائي. وعندما أقول قراءة تأملية فلكي أحدّد (من حدّة) ما تعنيه قراءة كهذه من إلتزام بمواصفات تجانب، حتمًا، أية قراءة نقدية يمكنها، فقط هي، أن تملأ الفجوات، فيما لو وجدت، بين المقولات النظرية التي وردت أعلاه وبين النصّ المكتوب كما ظهر على صفحات الكتب المختلفة. غير أني داخل قراءتي هذه تقصّدت، على نحو عامد، مقاربة بعض المفاهيم والرؤى التي تحتفظ بقيمة مجدية في توسيع دائرة النقاش وتعميقها حيال هواجس الإبداع الروائي، دون التنائي عن هموم المرحلة الراهنة.

ثانيًا- في كثير من رؤاه، مما عرضناه ومما لم نتطرق إليه، اقتحم منيف أيضًا حقل الاستشراف، متسلحًا بمواقفه السالفة، وخلال هذا الاقتحام خلّف لنا ما في المقدور إحتسابه بمثابة وصية. وقد كان الجانب الأشد وضوحًا وربما مباشرة، في صلب تلك "الوصية"، من نصيب توجهه إلى الجيل الجديد من الروائيين العرب.

" إذا كان لابد من كلمة لأبناء الجيل الجديد- كتب منيف- فأقول: لقد حاول الجيل الذي سبقكم. صحيح أنه لم يحقق الكثير، لكنه واجه ظروفًا صعبة ورياحًا غير مؤاتية، وهذا ما جعل الحصيلة متواضعة، وإن كان في محاولته صادقًا ومليئًا بالنوايا، لكنه افتقر إلى الدأب، وبعض الأحيان الوعي. والآن ، وبعد أن بدأ يخلي ذلك الجيل الأمكنة، فإن الرهان على الجيل الجديد، والذي يجب أن يكون أكثر وعيًا وأكثر استعدادًا، خاصة وأن دروس الخيبات تعلم الكثير، وهذا يقتضي أن نتمعن بالتجربة السابقة لمعرفة أخطائها ونواقصها، ولمحاولة تجاوزها".

وأضاف:" إن الرهان الحقيقي على الجيل الجديد، فهو الآن يتقدم ليحتل مواقع "المحاربين القدامى"، ولذلك عليه أن يتسلح بالوعي والشجاعة، خاصة وأن أعداءنا لا يريدون فقط أرضنا والنفط والمياه، بل ويريدون أن نتحول إلى عبيد لحراثة الأرض، وإلى خدم نحمل لهم النفط والمياه. أو أن نتحول إلى ما سمّي أحذية السادة، كما يقول تشومسكي (نوعام). وأعتقد أن الجيل الجديد سيحقق الكثير رغم الصعوبات والتحديات، وسنفخر أننا كنا الآباء، وأنه جاء من يأخذ بثأرنا".

من يدري.. لعل وعسى.

(بالتعاون مع مجلة "مشارف" الثقافية الفصلية، حيفا)