عزمي بشارة: السوسن الجليلي / صقر أبو فخر

عزمي بشارة: السوسن الجليلي / صقر أبو فخر

ربما لا أتخطى حدود التحفظ المنهجي حينما اعبّر دائماً عن افتتاني المعرفي بأفكار عزمي بشارة.
وربما يحق لي أن أتبنى بعض مواقفه وآرائه ولا سيما ما كان منها موصولاً بفهم إسرائيل واكتشاف هذه الدولة التي أذاقتنا من المرارة ما علمتم. وفوق ذلك أجاهر بالقول إنني احب عزمي بشارة حقاً.

لماذا؟
لأنه آت إلينا من الناصرة في الجليل العربي، ولأنه مفكر ومثقف وسياسي ومناضل ومشاكس وشجاع ويساري وديموقراطي معاً.

إنه بالفعل ظاهرة متفردة بين فلسطينيي 1948؛ فلم يسبق ان شهد الوسط العربي شخصية سياسية متصادمة مع الدولة الإسرائيلية ومثيرة للجدل ومناوئة للركود العربي معاً مثل عزمي بشارة.

وهو، في هذا كله، لم يستند في حضوره السياسي وتألقه الفكري إلى أي إرث عائلي او سند طائفي أو غير ذلك من عناصر الارتكاز التقليدية، بل اختار المراكب الصعبة والمسالك الخطرة والدروب العسيرة، وما انفكَّ عن هذا النهج قط.

? ? ?
البارحة جاء عزمي بشارة من الناصرة، بلد يسوع المسيح، الى الجامعة التي سُمِّيت باسم المسيح، أي الجامعة اليسوعية، ليُعلِّم بالكلام كمن له سلطان.

قال كلاماً ثاقباً عن فلسطين الأسيرة وعن الحرية الموءودة وعن الديموقراطية الموعودة. واسترسل في الكلام على الليبرالية الجديدة وعلى الدولة الريعية والمواطن العربي الذي يعتاش على ريع دولته.

وأمام الطلاب وبعض المثقفين اللبنانيين والسوريين والمصريين الذين احتشدوا في احدى قاعات الجامعة، ظهر عزمي بشارة كأنه مفكر نقدي من عيار مفكري عصر النهضة الذين انهمكوا في التصدي لتغيير العالم بذخيرة العلم والقانون والأفكار الثورية.

عزمي بشارة ليس مجرد مواطن فلسطيني أو قومي عربي ديموقراطي فحسب، إنما هو، بالفعل، ناصري في الكنيست وقومي عربي في الجليل، ويساري يدافع عن العدالة الاجتماعية الغائبة، وديموقراطي يدافع عن الحرية المطاردة، ومناضل في سبيل الحقوق العربية الضائعة، وفي سبيل المستقبل الحر للشعب الفلسطيني.

ولعل هذا الطراز المتآلف والمنسجم والمركب هو ما يثير حنق بعض "المثقفين" اللبنانيين والعرب الذين تستهويهم خصلة "التفلسف" وهواية "النق" (ومنها النقيق) حينما يتعلق الأمر بخيارات الفلسطينيين حيال العالم العربي.

هنا، في هذا الحقل من السجال، كان عزمي بشارة صريحاً وقاطعاً عندما أوضح أن زياراته سوريا، التي لم يزرها منذ خمس سنوات متواصلة، انما هي تحدٍ للدولة الإسرائيلية التي تحتل الأراضي السورية. ثم سخر من فكرة "الديموقراطية" المحمولة على الدبابات الأميركية، وهزئ من حكاية الليبرالية في بلدان لا وجود فيها حتى للمواطن دافع الضرائب، بل لدولة (إقرأ: شركة) تدفع الريع لمواطنيها... الخ.

? ? ?
عزمي بشارة النصراوي موطناً، والترشحاني أصلاً، والفلسطيني العربي اولاً وأخيراً، يحاول أن يزرع في هذا السديم الفلسطيني علامة للمستقبل، وأن يكتشف في هذه البيداء العربية أملاً جديداً.

ولأن قصة عزمي بشارة هي نفسها قصة الفلسطينيين الذين ظلوا في ديارهم سنة 1948، وشهدوا بأم العين كيف تسربت بلادهم منهم، وكيف غادر أهلهم إلى المنافي قسراً وتركوا طبيخ نسائهم في القدور الساخنة، فهو حينما يأتي إلينا كأنما يحمل معه عبقاً من السوسن الجليلي، وعطراً من أزاهير الكرمل، وأشياء أخرى من ذاك البهاء الأثيري. ولهذا نحبه حقاً.

? ? ?
لعزمي بشارة منا، هنا في لبنان، ضوع الزنابق في حرمون، وفوح الأقحوان في تلك الهضاب البعيدة.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018