قناديل إشبيلّية للعجيلي: سحر وبلاغة القّص/ رشاد أبو شاور

قناديل إشبيلّية للعجيلي: سحر وبلاغة القّص/ رشاد أبو شاور

قرأت له قبل أن ألتقيه في بيت شاعر فلسطين الكبير عبد الكريم الكرمي ( أبوسلمى)، وكانا صديقين حميمين.

أوّل رواية قرأتها له هي ( باسمة بين الدموع )، بعد أن قرأت دراسةً عنها، كتبها الناقد المصري غالي شكري، وكان ذلك قبل أزيد من أربعين سنة، وفي الذاكرة رسخت مشاهد من تلك الرواية، وأجوائها، وشخصيّاتها...

ثمّ تعرّفت على الدكتورعبد السلام العجيلي قاّصاً، وشغفت بقصصه القصيرة، واحترمته لوفائه لمنطقته وأهلها، وخدمته لهم كطبيب وكاتب مشهور، وشخصيّة اجتماعيّة ووطنية معروفة في سورية، كان بإمكانه الانتقال إلى المدينة والعيش فيها حياة رغد، وسعة عيش، ولكنه جسّد شخصيّة المثقف الأصيل بعلاقته بالناس البسطاء الفقراء، أغنياء النفوس والحياة.

من يقرأ للعجيلي كتاب ( عيادة في الريف ) سيطّلع على طرافة حياته، وبساطتها، وجمالها ونبلها، في ريف مدينة ( الرقّة )، وعلاقاته الإنسانيّة مع مرضاه الفقراء الذين كانوا يحضرون له ( الجبن) و( الدجاج) و( البيض) كهدايا تقديراً لعلاجه لهم، هم الذين لا يملكون المال للكشفيات، وثمناً للدواء.

منذ بداية علاقتي بالقصّة القصيرة كان العجيلي أحد الذين توقّفت عند قصصهم، وما زلت، واستمتعت بقراءتها، وأجوائها الواقعية، وسردها اللطيف الحيوي، وقدرة القّاص على اجتذاب انتباه القارئ، وإمتاعه بسرد قصص جميلة وعميقة...

أذكر أن صديقي الشاعر فوّاز عيد أحضر لي قصّة قصيرة للعجيلي مطبوعة في بضع صفحات، كانت مقرّرة في الجامعة على قسم الأدب العربي، وعنوانها ( النهر سلطان)، وطلب منّي قراءتها، ثمّ لمّا أعدتها له في اليوم التالي، أخذ يثني على عناصر جمالها، وعمقها الإنساني، وهي قصّة تدور حول فيضان نهر الفرات في ثورة عارمة ياما اكتسحت البيوت، والناس، والحيوانات...

في تلك القصّة يلتفت الأب وراءه فلا يجد إبنه، لأن مياه النهر ابتلعته...
النهر السلطان _ وهو في فيضانه سلطان غاشم، وإن جلب الخير مع مياهه، وأخصب السهول المجاورة بما يحمله من طمي _ فرض قانونه الذي لا يرّد...

أوّد لفت انتباه القرّاء إلى إنني أكتب من الذاكرة بعد سنوات كثيرة مرّت على قراءتي لتلك القصّة، التي درّست في الجامعة كنموذج للقصّة القصيرة الرائعة، ليتعلّم الطلاّب فنون كتابة القصّة القصيرة، وهو ما هدف إليه صديقي فوّاز عيد عندما أعارني إيّاها لأتعلّم منها أسرار فّن القص.

في زيارتي لإسبانيا العام 2005، في شهر آذار، وأنا أقف على التلّة المقابلة لقصر الحمراء، متأمّلاً أصص الزهور على الشرفات، والمشربيّات ( الدمشقيّة)، كنت أستعيد في ذاكرتي أجواء قصّة عبد السلام العجيلي ( قناديل إشبيليّة ).

وعندما كنت أتجوّل مع صديقي الشاعر عز الدين المناصرة في شوارع ( غرناطة) و( قرطبة )، كنت أتذكّر ( قناديل إشبيليّة).

وفي العشاء الذي ضمّنا مع شّاب فلسطيني وصديقته الإسبانيّة، استذكرت تلك القصّة، ورويتها لهم من الذاكرة...
تبدأ قصّة ( قناديل إشبيلية ) بأسلوب مثير، جذّاب:

قال البروفيسور آلسيدو _ بهذا قدّمته إلي الراقصة الساحرة العينين_ وهو يفرغ الكأس الأولى في جوفه :
_ هل تحتقر ابن عمّك إذا كلّمك بغير لغته ؟ لقد سمعتك تتكلّم الفرنسيّة بطلاقة، فاسمح لي أن أحادثك بها.
فأومأت برأسي موافقاً، وموطناً النفس على سماع حديث هذا الطفيلي إلى نهايته...قال :
_ رأيتك امتعضت من دعابة هياسنتا. إنها دعابة تجرح، ولكنّك لست المقصود بها يا اين العّم. كانت سهماً مسدداً إلي، لولا أن جلدي أصبح في غلظ جلد التمساح. ومع ذلك فإن لهياسنتا عينين تشفعان لها في كل ذنب تأتيه.
من هو آلسيدو هذا ؟ ومن هي الراقصة ؟ ومن هو الراوي الذي يقّص علينا حكاية آلسيدو، وحكايته هو ؟
تسأل الراقصة ( الراوي ) :
_ من أين السيّد إذن ؟
بعد أن ينفي أنه برتغالي، أو إيطالي، فيجيبها :
_ عربي.
_ عربي من مراكش ؟
_ بل عربي من المشرق.
تلتفت إلى مائدة قريبة، كانت شبه مختفية وراء إحدى شجيرات الورد في حديقة الملهى، وتصيح :
_ آلسيدو ! هذا السيّد عربي جاء مثلك يبحث عن ملك أجداده...
يخبرنا الراوي :
وكانت هذه هي الدعابة التي امتعضت منها، والتي جاءت بالبروفيسور آلسيدو إلى مائدتي...

الشخوص، المكان، الحدث، يمزجها القّاص كلّها، ويقدّمها في الصفحتين الأوليين، فماذا يبقى ليمتع، ويشّد ؟
الكثير، فالقصّة، وحكمتها، وفلسفتها، وحبكتها، لا تكتمل إلاً مع الخاتمة، ولا أقول النهاية، لأن النهاية في مثل هذه القصّة هي بداية بالنسبة للقارئ الذكي، الذي يبحث عن المتعة العقليّة، وليس التسلية وتزجية الوقت.

مكان القصّة مدينة إشبيلية، وتحديداً كازينو إشبيلية، حيث أراد الراوي قضاء بعض الوقت، فالتقى بهذا الشخص العربي، الذي نتعرّف به كلّما مضينا مع القصّة في التفاصيل...

يقّص علينا الراوي :
فتطّلعت إلى آلسيدو من جديد، أتفحّص وجهه وهيئته. يجوز أن يكون هذا الشّائب عربي الأصل، فما اكثر الملامح العربيّة في الأندلس. وكأنه قرأ أفكاري، إذ لم يلبث أن نطق لدهشتي باللغة العربيّة في لهجة مغربيّة قائلاً :
_ هل كنت تظنني إسبانيّاً ؟ معك الحق. من الذي ينتظر أن يرى عربيّاً في كاسينو إشبيليّة ! أنا نفسي ما كنت أتصوّر هذا...
يسأل الراوي وقد انتشى، ووجد من يفضفض له :
_ ألا تريد أن أقّص عليك حكاية ملك أجدادي ؟
قلت وعلى شفتي ابتسامة هازئة :
_ قصّة ملك أجدادك ؟
فخيّل إلي أن عينيه غامتا، وأن شيئاً من الكمد قد طغى على ألق نظرته، وحسبت أني جرحته بلهجتي الساخرة، حتى لوددت أن أعتذر إليه.

نحن إذن لسنا في حضرة شخص فضولي، أو نصّاب، فالحكاية فيها ما يجلب الحزن، والكمد، وكلّما تقدمنا اكتشفنا أنها حكاية جديّة إلى حّد السخرية المرّة، والضحك المبلّل بالدموع...
يسأل :
_ هل سمعت شيئاً عن مفاتيح العودة ؟
قلت :
_ أي شئ هي هذي المفاتيح ؟
إنها المفاتيح التي حملها العرب الأندلسيون، عندما أجبروا على الرحيل عن بلاد ولدوا فيها، وأسسوا ممالك، وبنوا، وأشادوا...
يخبر آلسيدو الراوي عن تلك المفاتيح التي ما زال بعضها معلّقاً في مداخل بيوت المدينة المغربية ( مكناس)، متشبثين بحلم وأمل العودة إلى وطن أسلافهم !...
السيدو هو السيّد (بوقلادة)، غامر بالمجيء إلى إشبيليّة، وإذ دخل إحدى حاراتها في ليلة مقمرة، مضى بين بيوت بمشربيّات، وأبواب كأنها تدعو المّارة لعبورها.

القّاص كأنما يقّص علينا أجواء ألف ليلة وليلة، يسحرنا بلسان ( آلسيدو ) أو السيّد بوقلادة، العربي المغربي الموسر، الذي ضاع في إشبيليّة وهو يتوهّم بأنه التقى ببيت أسلافه، أولئك الذين ابتنوا بيتاً في مكناس شبيهاً ببيتهم الأندلسي الذي هيئ ( لبوقلادة) أنه وجده في إشبيليّة.

الوصف في قصّة (قناديل إشبيليّة) ليس وصفاً خارجيّاً، سواء وصف ملامح الشخصيّات، أو المكان، أو الأجواء، بل هو وصف يقحمك في علاقة تماهي مع كّل شئ حتى لتشعر بالرهبة من جمال، وسحر، وسطوة المكان، والروح التي تسري فيه.

في البيت الإشبيلي المسحور يلتقي ( بوقلادة) بطيف امرأة تبدو كأنها بين الواقع والخيال، ولكنه يتيقن من واقعيتها بتردده على المكان، وهي لا تسمعه سوى كلمة واحدة، هي ذوب الروح، وضوء القمر، وحفيف الشجر : (مانيانا)، والكلمة إسبانيّة ومعناها ( بكرة ) أو غداً، وإن رأى ألسيدو أنها أجمل وأكثر ايحاءً من كلمة غداً العربيّة.

اندمج الراوي مع حكاية ( بوقلادة) العربي الذي وجد بيتاً هو شبيه البيت الذي تركه أسلافه قبل خمسمائة سنة، والذي احتفظوا بمفتاحه في صدر بيتهم المغربي، مغروسا في مسقط الضوء، رغم تناسي الأجيال المتعاقبة له، ولما يمثّل.

يستخدم العجيلي أسلوب القّص العربي في ألف ليلية وليلة، فيستولد الحكاية من الحكاية:
( لم أستطع أن أنام ليلتي تلك. إن الرغبة التي أخرجتني من بلدي وبلغت بي الأندلس كانت رغبةً مقنّعة بألف قناع سقطت كلّها حين وجدت نفسي في القاعة المثمنة. لم يكن صحيحاً أني كنت شّاباً وارثاً أراد أن يسري عن نفسه في اللهو ومتع السياحة ).

(..أم كان كّل الذي رأيته وهماً ترشح إلى ذهني مّما قرأته في ألف ليلة وليلة، من حكايات إذا طلع عليها الصباح تلاشت أطيافها في ضوء النهار الساطع).

هذا جزء من بوح آلسيدو ( السيّد بوقلادة ) العربي المغربي الذي انتهى به الحال خادماً لراقصة إسبانيّة، يحمل ملابسها، ويرافقها تابعا ذليلا بعد أن خسر ماله، واتزانه العقلي، وما عاد قادراً على العودة إلى مكناس، فلا هو احتفظ ببيته المعاصر هناك، ولا استعاد بيت أسلافه الخاسرين.

لا تنتهي القصّة هنا، فالراوي القادم من الشرق العربي البعيد، خاض نفس المغامرة الليلية، وهيئ له أنه التقى بتلك المرأة الليلية _ القمريّة، وأنها همست له بنفس كلمة السحر : مانيانا ( غداً )، ولكنه يعترف راوياً بدوره ما جرى له : وفي جهد اليائس انتزعت قدميّ من موقفهما وانفلت مسرعاً في رواق المدخل إلى باب الزقاق المقفر. وهناك ملأت صدري من الهواء وزفرت زفرة فرّجت عنّي، ثمّ انطلقت مسرعاً، كأني أعدو إلى المدينة وأنا أحّس أن قناديل إشبيلية لا تزال تلقي عليّ شباك أنوارها، وتطاردني بأشعتها لتجذبني، كما جذبت قبلي البروفيسور ألسيدو، أو السيّد بوقلادة، على هاوية عالمها المسحور...

لقد أفلت الراوي، العربي القادم من الشرق، من سحر قناديل إشبيليّة، ومن مصيدة الماضي، وزفر زفرة غير زفرة العربي الأخيرة، زفرة ليست زفرة تحسّر، ولكنها زفرة النجاة من شرك الماضي، ووطء الحنين المدمّر الذي لا يعيد من مضى إلى السيادة بل يحيله عبداً ذليلاً، ومسخرةً...

كأنما قناديل إشبيليّة هي لعنة الفراعنة، هي لعنة الحلم والحنين والغرق في ماض ولّى ولن يعود.
قصّة مكتوبة بروح عربيّة، بفّن قّص عربي، بحكمة شرقيّة عميقة، بشعر وسحر، بلغة تأخذك إلى عالم قصصي يبنيه القّاص كلمة كلمة بسلاسة، فيستدرجك إلى عالم قناديل إشبيليّة، محييّاً ذلك الزمان، زمان الوصل بالأندلس، الذي مضى ولن يعود...

تنويه : في عمّان العاصمة الأردنيّة، التقيت في فندق القدس بالسيدة شهلا العجيلي، الكاتبة، قريبة الكاتب الكبير عبد السلام العجيلي، وإذ عرفّتني بنفسها رويت لها حكايةً بسيطة وقعت لي مع الأستاذ العجيلي.

كنت قرأت له رواية ( قلوب على الأسلاك)، وساءني أن في الرواية نقداً اعتبرته غير منصف لتجربة الوحدة بين مصر وسوريّة، وللرئيس جمال عبد الناصر، فكان أن كتبت مقالة عن الرواية، ومّما أوردته أنه من مآثر مرحلة الوحدة، وجمال عبد الناصر، استصلاح مناطق ( الغاب) في شمال سوريّة...

التقيت بالأستاذ العجيلي في مقّر مجلة (المعرفة) السورية بدمشق، عند الأستاذ خلدون الشمعة، وهنا أحرجت لمّا امتدح بعض أعمالي الروائيّة، ثمّ نبّهني بلطف أن سهل الغاب لا يقع في شمال سوريّة، وحدد لي المكان بالضبط وهو يبتسم !
شعرت بالحرج الشديد، والارتباك...
لقد تعلّمت منه درساً كبيراً، وهو أن أتيقّن عندما أكتب، وأن أكون دقيقاً.

رويت للسيدة العجيلي الحادثة، وأبديت احترامي لهذا الكاتب الكبير، الذي ربّما أخذت عليه مشاركته في وزارة (الإنفصال)، واحترمته دائماً ككاتب كبير...

قرأت ما كتبته السيّدة العجيلي في القدس العربي، ونقلها ما رويته لها للأستاذ العجيلي، وأنني سمعت عن صدور مذكرّاته عن فترة مشاركته في حرب فلسطين عام 48، وما رواه عن جيش الإنقاذ...

سرّني جدّاً أنه كتب لي إهداء على مذكراته، وأن ذلك الإهداء ربّما يكون من آخر ما خّط قلمه، ولقد أسعدني أن الأستاذ العجيلي ضحك كثيراً عندما سمع الحكاية من السيّدة شهلا...
كلمتي هذه هي تحيّة متواضعة لهذا الكاتب الكبير، ودعوة للتعرّف على فنّه القصصي، يرحمه الله...


-------------------------------------------
*هذه القصّة هي القصّة الأولى في المجموعة التي تحمل نفس العنوان ( قناديل إشبيليّة)...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018