مراجعة كتاب محمود ممداني "المسلم الجيّد، المسلم السيّئ: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب"/ مروان دلال

مراجعة كتاب محمود ممداني "المسلم الجيّد، المسلم السيّئ: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب"/ مروان دلال

كتاب محمود ممداني، " المسلم الجيّد، المسلم السيّئ: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب "، هو كتاب حول الذاكرة والسياسة. يأمل الكاتب عَبْره أن يثير نقاشًا حول الممارسات الرسميّة الأمريكيّة ضد الآخر البعيد وفوق جغرافيّته، كما يحلم الكاتب بحالة يكون فيها بالإمكان محاسبة الولايات المتّحدة على هذه الممارسات. وعليه فإنّ الكتاب مُعدٌّ وموجَّهٌ إلى التقدّميّين، لا سيّما أولئك من الولايات المتّحدة المتخلِّفين عن نظرائهم الأوروبيّين في التعبير عن معارضة منهجيّة ودؤوبة للسياسة الخارجيّة لحكوماتهم. توق ممداني شبه الرومانسيّ إلى معارضة شبيهة بتلك التي عارضت حرب فيتنام، توقه هذا هو المؤشّر الأفضل على غياب تلك المعارضة من المشهد السياسيّ الحاليّ في الولايات المتّحدة.

يقوم ممداني بتحويل العبارة " إنّه السي. آي. إيه"، الشائعة في أوساط المواطنين العاديّين والمسيَّسين في العالم الثالث، لوصف الهيمنة الأمريكيّة أثناء الحرب الباردة، إلى ادّعاء موثَّق تاريخيًّا ضدّ ممارسات وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة في تلك المنطقة من العالم.

يرتكز هذا الكتاب على عدد كبير من المصادر الثانويّة الموثوقة التي تشمل كتابات موظّفي المخابرات الأمريكيّة، وتقارير الأمم المتّحدة والكونغرس، وأبحاثًا أكاديميّة ومقالات وتحقيقات صحفيّة منشورة في الصحف الأمريكيّة والبريطانيّة التي تنتمي إلى التيّار المركزيّ السائد. وينجح ممداني تقريبًا في التطرّق النظريّ إلى الأنماط الخفيّة من الممارسات الأمريكيّة في أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة ومناطق أخرى من آسيا، وبضمنها الشرق الأوسط، لولا كلماته التالية التي تفكّك نظريّته عند تناوله نشاط وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة في أفغانستان في ثمانينيّات القرن العشرين:
"هناك معلومات قليلة منشورة عن نمط ومدى قوّة وأسلوب السي آي إيه في تجنيده عالميًّا للجهاد (في أفغانستان ضدّ الاحتلال السوفييتيّ آنذاك). وإذا جرى تجنيد المتطوّعين عبر "وكلاء السي آي إيه"، فإنّه في غالبيّة الحالات لم يوظَّف هؤلاء الوكلاء أو تُدفع أجورهم بواسطة السي آي إيه مباشرةً، أو حتّى لم يتصرّف هؤلاء من خلال معرفتهم بأنّهم مفوَّضو "السي آي إيه". (ص 133-134)

في أعقاب الهزيمة في فيتنام، خضع التدخّل العسكريّ الخارجيّ الأمريكيّ لتدقيق ومراجعة مؤسّسات رسميّة للدولة، وذلك رضوخًا للاحتجاج العارم ضدّ الحرب. فوَفقًا للسيناتور إدوارد كينيدي: "العبرة من فيتنام هي أنّنا ينبغي أن نتخلّص من المظهر المرهق للشرطيّ العالميّ" (ص 81) . في سنة 1973، تبنّى الكونغرس قانونًا قَيَّدَ صلاحيّات الإدارة في اتّخاذ قرار بشأن حضور أمريكيّ عسكريّ مستمرّ خارج البلاد. وبعد الفشل الذريع في أنغولا، تبنّى الكونغرس تعديل كلارك من العام 1976، الذي منع أيّ دعم ماليّ وعسكريّ للعمليّات العسكريّة في أنغولا لمواجهة الجبهه الشعبيّة لتحرير أنغولا المدعومة من كوبا.

لم تدم رياح التغيير هذه طويلاً، حيث أتاح انتخاب رونالد ريغان للرئاسة الأمريكيّة، عام 1981، تحقيقَ نظريّة جين كيركباتريك حول التمييز بين الدكتاتوريّات الشموليّة وبين الأنظمة السلطويّة. الأنظمة من النوع الأوّل، حسب اعتقاد كيركباتريك، غير قابلة للإنقاذ مطلقًا، كما أنّها محصَّنَة ضدّ الإصلاح الداخليّ. هذه أنظمة لا تتغيّر إلاّ بفعل رياح خارجيّة. في المقابل، الدكتاتوريّات السلطويّة، من النوع الثاني، موضوع خاضع للتاريخ، نوع من الدكتاتوريّات التي لم يُفقد الأمل منها. وبحكم تعريفها، فهي تترك مساحةً للتغيير والإصلاح الداخليّين. الأنظمة من النوع الثاني كانت حليفة أمريكا خلافًا لأنظمة النوع الأوّل. وبهذا الإطار النظريّ الذي وَفَّر لإدارة ريغان ذلك التمييز الأخلاقيّ، جنحت الولايات المتّحدة نحو مناهضة حركات التحرير الوطنيّ خلال عقد الثمانينيّات، كجزء من صراعها ضدّ تأثير الاتّحاد السوفياتيّ الآخذ في الاتّساع. ولم يكن هناك في عُرْف أمريكا أيّ سياق محلّيّ للتحرّر، بل كانت ثمّة سيطرة سوفياتيّة ممكنة التحقّق.

هكذا بدأت القوّة الأمريكيّة تشّن حروبها لاستحضار الحرّيّة ولمحاربة الشيطان، وقد تمكّنت من القيام بعمليّات سرّيّة بالغة التأثير، دون الاضطرار إلى الخضوع لواجب الفحص والموازنة من الكونغرس. وبغية القيام بعمليّات من هذا النوع، أنشأت الإدارة الأمريكيّة قوّات العمليّات الخاصّة، التي طبقّت سياسة الصراعات المحدودة لدعم القوّات المعادية للشيوعيّة "على كلّ قارّة من أفغانستان حتّى نيكاراغوا" (ص 97) –وفق ما صَرَّح به الرئيس ريغان بصورة واضحة. إنّ فضح التمويل الأمريكيّ لقوّات الكونتراس، المعارِضة للحكومة الساندنستيّة في نيكاراغوا، أطْلعَ الكونغرس على العمليّات السرّيّة والتمويل الذي تحدّث عن الهدف منه نوعم تشومسكي بقوله: "كان الهدف شنّ حروب إرهابيّة واسعة ضدّ نيكاراغوا، ترافقها حرب اقتصاديّة تبيّن أنّها كانت قاتلة أكثر. كذلك فقد أرعبنا دولاً أخرى حتّى لا ترسل أيّ مساعدات إلى هناك" (1).

على الرغم من أنّ ممداني يتناول القضيّة الفلسطينيّة بإسهاب، يغيب هذا التناول عند وصف السياسة الأمريكيّة المحافِظة والعدوانيّة خلال عقد الثمانينيّات. وفي مستطاع القارئ أن يتساءل: لماذا وافقت الإدارة الأمريكيّة على خوض مفاوضات مع حركة التحرير الفلسطينيّة المهزومة، عند انتقالها إلى تونس بعد الغزو الإسرائيليّ للبنان في سنة 1982، وفي أعقاب طرد القادة والمحاربين الفلسطينيّين من لبنان بشكل مهين؟ إذا كان هدف السياسة الأمريكيّة محاربة الشيطان وتدمير كلّ تأثير فعليّ أو محتمل للاتّحاد السوفياتيّ على العالم، فما الهدف من إجراء مفاوضات مع حليف مهزوم للسوفيات، يسعى لاهثًا ودون أمل للحصول على اعتراف أمريكيّ به؟ ألم تكن تلك هي اللحظة المواتية، وَفقًا لوصف ممداني للسياسة الأمريكيّة في الثمانينيّات، لتجاهل حركة تحرير وطنيّ مهزومة في أحسن حال، أو حتّى لسحقها تمامًا في أسوأ حال؟

المغامرة الأمريكيّة في أفغانستان اقترنت بالكثير من العلاقات الخفيّة مع تجّار الحرب والمخدّرات. المحاربون الأفغان للوجود السوفياتيّ، الذين وصفهم ريغان بأنّهم "نظراء أخلاقيّون للآباء المؤسّسين الأمريكيّين" (ص 143)، بسبب دَورهم في إبعاد الشيطان عن بلادهم. المحاربون السلفيّون والإدارة الأمريكيّة في ذلك الوقت حملوا التصوّر نفسه في ما يتعلّق بالخير والشرّ، التصوّر الذي يتمحور حول السوفيات والشيوعيّة. تحرير أفغانستان من سلطة السوفيات، ومن الحرب الأهليّة المستمرّة في التسعينيّات، كَلَّفَ تلك الدولة الفقيرة أصلاً إفقارًا شاملاً، إفقارًا لم يختفِ مع قصف أمريكا هذا البلد انتقامًا للهجمات التي شُنّت على نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، في الحادي عشر من أيلول 2001.

يرمي ممداني أساسًا من كتابه هذا إلى تخليص البحث الجاري بخصوص الشؤون الدوليّة، لا سيّما تلك المتعلّقة بالمسلمين، من الخطاب المتمركز ثقافيًّا. فما يسمّيه ممداني التحليل الثقافيّ أو كلام الثقافة (Culture Talk ) لا يستطيع فهم الواقع المركَّب والمَعيش للمجتمعات المعاصرة، وعلى رأسها المجتمعات الإسلاميّة على وجه الخصوص. يتضمّن التحليل الثقافيّ مركّبات من "صدام الحضارات"، على غرار ما يعتقده صامويل هنتنغتون، إلاّ أنّه لا يقتصر عليهم. فهناك كذلك المحلّلون الثقافويّون الذين يميّزون بين المسلمين الجيّدين والرديئين، وعادة تكون هذه التفرقة متوافقة مع القوّة المهيمنة التي يؤيّدها هؤلاء المحلّلون وأبرزهم المستشرق برنارد لويس.

يرفض ممداني التحليل الثقافيّ للسياسة ويؤكّد، في أعقاب إدوراد سعيد، أنّ الصراعات تحدث، بصورة أساسيّة، داخل الحضارات نفسها. الإحالة إلى سعيد هنا مهمّة جدًّا لأنّه كان يُعتبر (في العالم العربيّ وفي الغرب على حدّ سواء)، وبما يتوافق مع كتابه الواسع التأثير "الاستشراق"، ممثّلاً لثقافة معينَّة ضدّ غيرها، في حين أنّه في الواقع كان يعمل من داخل التوجُّه ما بعد الحداثيّ في إعادة النظر المتفحّصة للحداثيّ بصورة عميقة. وكما يقول المثقّف اللبنانيّ فوّاز طرابلسي (الذي ترجم كتاب إدوارد سعيد "خارج المكان" إلى اللغة العربيّة): إنّ إسهام كتاب "الاستشراق"، في السياق العربيّ، كان في دعوته المستبطنة لكتابة الرواية التاريخيّة بأقلام مَن خضعوا للهيمنة الاستعماريّة، وليس بالضرورة توجيه النقد إلى باحثين من خارج المجتمعات العربيّة والإسلاميّة لمجرّد عدم انتمائهم لهذه المجتمعات.

يحاول ممداني أن يظهر أنّه ثمّة في أمريكا أيضًا صراعات، كما هو الوضع في العالمين العربيّ والإسلاميّ، وللدلالة على هذا، يستحضر القرارَ القضائيّ المهمّ في قضيّة Roe v. Wade من العام 1973، والسياسة اليمينيّة المسيحيّة Christian Right Politics في هذه القضيّة التي تعلّقت بموضوع الإجهاض وتجاوزته إلى صلاحيّات المحكمة العليا أمام الدستور. ولكن عند البحث في النقاشات الجارية في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، نقف مجدّدًا في مواجهة الحضور الطاغي لتفسير دلالة أكثر المفردات العربيّة شيوعًا من حيث ورودها باللغة الإنجليزيّة: Jihad؛ إحالة بسيطة إلى المفكّر الإصلاحيّ جمال الدين الأفغانيّ، ومقابلِه إلى أبي الأعلى المودودي وسيّد قطب.

من الصعب جدًّا أن ندرك كيفيّة استمرار حضور هؤلاء الأشخاص، أثناء التطرّق إلى النقاشات بصدد معنى النصوص والثقافة العربيّة والإسلاميّة، حضورًا يفوق حضور المفسرِّين والمختصّين المعاصرين في شؤون هذه النصوص والثقافات. وعند البحث في الجدالات الجارية في الثقافة العربيّة والإسلاميّة، يتوقّع القارئ الإحالةَ إلى مفكّرين معاصرين (من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمّد أركون اللذين يدرّسان الإسلام تاريخيًّا واجتماعيًّا دون التخلّي عن معتقداتهما الدينيّة؛ وعزيز العظمة، المؤرّخ العلمانيّ للفكر الإسلاميّ)، وإلى المناظرة التي جمعت بين محمّد عابد الجابري وجورج طرابيشي حول تاريخ وأصول العقل العربيّ؛ وحتّى دراسة طلال أسد للإسلام والحداثة الأوروبيّة ومساراتهما المتوازية.

يرى ممداني في أمريكا وإسرائيل مصدرًا أساسيًّا لحالات عدم الاستقرار الدوليّة الحاليّة، ولخروقات حقوق الإنسان على كوكبنا، كما ترفض هاتان الدولتان منهجيًّا، وبصورة متزامنة، سَرَيان السلطة القانونيّة لمحكمة الجرائم الدوليّة على ممارساتهما. فعندما تعجز الولايات المتّحدة عن فرض إرادتها على مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، تقوم بتجاهل هذه المؤسّسة الدوليّة، كما فعلت قبل غزو العراق في 20/3/2003.

ويعتقد ممداني أنّ التفسيرات الثقافيّة والسياسات القمعيّة سوف تُفضي إلى دولة أمنيّة تخرق حقوق مواطنيها. ولا يتلاءم توقّع ممداني هذا مع الواقع فحسب، بل كذلك مع تحليل الفيلسوف الإيطاليّ جورجيو أغامبين في محاضرته "عن الأمن والإرهاب" حيث ادّعى خلالها أنّه:
"حين تقوم السياسة، كما فهمها منظّرو هذا العلم في القرن الثامن عشر، باختزال نفسها إلى عمل أمنيّ، فإنّ الفارق بين الدولة والإرهاب يهدَّد بالتلاشي. وفي النهاية، قد يشكّل الأمن والإرهاب نظامًا قاتلاً واحدًا يقوم فيه كلّ طرف بتسويغ وشَرْعَنة عمل الآخر." (2)

يعتمد كتاب ممداني الوقائع بصورة استثنائيّة. بيدَ أنّ مصادر كتابته لا تقتصر على الوثائق الأرشيفيّة المفحوصة جيّدًا، وإنّما تتضمّن كذلك، وبصورة أساسيّة، ذلك التوقَ النبيل إلى العدالة. وبسبب هذين الدافعين إلى الكتابة، فإنّ كتاب "المسلم الجيّد، المسلم السيّئ: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب" يستحقّ قراءة كلّ من يرغب في معرفة سبب ما نشهده حاليًّا من فظاعات عالميّة. كما أنّ الكتاب لا يبتغي تعميم المعرفة فحسب، بل يحلم كذلك بخَيار المعارضة النشطة والدؤوبة ضدّ مرتكبي هذه الفظاعات، وذلك على الرغم من خطابهم الأخلاقّي المنافق والمشبوه، وتعريفهم المشوّه لبعض أهمّ إنجازات البشر -نحو: العقل؛ سيادة القانون؛ مبدأ المحاسبة.

(1) نوعم تشومسكي "تلقين نيكاراغوا درسًًا" http://www.zmag.org/chomsky/sam/sam-2-03.html

(2) جورجيو أغامبين "عن الأمن والإرهاب" http://www.egs.edu/faculty/agamben/agamben-on-security-and-terror.html

** وُلد البروفسور ممداني في كمبالا- أوغندا، وهو من أصل هندي.حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة هارفارد في العام 1974، ويعمل في جامعة كولومبيا منذ 1979. يعتبر ممداني من أبرز الدارسين والمحللين لموقف الغرب من الاسلام، اضافة الى اسهاماته في دراسة المجتمعات في مرحلة ما بعد الاستعمار ونظام الأبارتهايد. من كتبه الهامة:
Good Muslim, Bad Muslim: America, the Cold War and the Roots of Terror. (2004).

When Victims become Killers: Colonialism, Nativism, and the Genocide in Rwanda. (2002).

Citizen and Subject. (1996).



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018