أزمة الفن التشكيلي في اسرائيل/ أسد عزي(*)

 أزمة الفن التشكيلي في اسرائيل/ أسد عزي(*)

كان الفن التشكيلي الصهيوني منذ العشرينات وحتى يومنا هذا وعن نية استراتيجية مبيتة وعن جهل وسذاجة الفنانين في بعض الأحوال،كان اكثر المجالات الفنية التفافاً وتآمراً على القضايا الاجتماعية والسياسية العالقة.

هذا الفن كان وما زال حلزوني المبدأ, متقوقعا على ذاته يكشف عن أنانية فردية تنم عن "عميان قلب" وعدم اكتراث, ومصدرها الاول هو رغبة من المؤسسة الفنية السياسية من جهة وانفصام في الفكر الإنساني والوجداني من جهة أخرى.

تلك الحالة المقلقة للفنان التشكيلي في إسرائيل تعود الى تركيبة نفسيته الصهيونية المنعكسة عن سيكولوجية الإنسان الإسرائيلي, الذي ومنذ بداية هذا القرن يحاول أن يقنع نفسه والعالم بأن الاستعمار وسلب الحقوق بالقوة هو مذهب سلوكي سليم لا ريب فيه, وانه لا توجد علاقة جدلية بين كونه مستعمراً سالباً للحق وبين كونه مواطناً في بلد نصف ديمقراطي.

الفن في إسرائيل عامة والفن التشكيلي خاصة مطابق تماماً شكلاً وضمناً للنظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي والقضائي الاشكنازي, فهو رعاعي ترقيعي مزدوج الهوية وعنصري المبدأ، مثله مثل القضاء الإسرائيلي فهو خليط من القوانين البريطانية من عهود الانتداب والعثمانية والتوراتية, بحيث يفسح هذا الأمر المجال للقضاة لمحاكمة الفلسطيني وغير اليهودي بقوانين متشددة مغايرة لتلك التي يقاضي بها اليهودي.

ومن المنطلق ذاته لا توجد هناك مدرسة فنية تشكيلية إسرائيلية ولا يمكنك أن تشير الى خصوصية أو نمطية متعاقبة ومتلاحمة تنفرد بها. مع ذلك هناك إجماع صامت حول النزعة العرقية المدفونة عميقاً في نفسية الفنان الاسرائيلي, والتي تعينه على تجنب المس بالإجماع الوطني اليهودي والصهيوني فيحاذر تملق ونقد الشخصيات السياسية والتوراتية تماماً مثل أقرانه الأوروبيين والاميركيين. كما يمتنع منعاً باتاً عن رسم ووصف مواضيع العهد الجديد المختلفة خاصة المسيح والعذراء وذلك تماشياً مع النهج الديني اليهودي الذي يرفض الاعتراف بوجود عهد جديد للتوراة.

ويتجاهل الفن الاسرائيلي كذلك وبشكل لا يثير الاستغراب شخصية وحيثيات الفلسطيني التراثية والحضارية ويستثني المواضيع الحسية, والتي لها صلة بالإثارة والغريزة كالعراء والميثولوجيات الهندية والفارسية والأفريقية. ويستحسن بشكل معلن وصريح النهج العقلاني الغربي وليس العاطفي والحسي والحدسي الشرقي خوفاً وهلعاً من كشف الأنا الإنساني. فالأنا له ضعفه وسلبياته وله قلب وضمير ووجدان يفصح عن حقيقة أن لا فضل لأحد على أحد إلا بالمحبة والمعرفة.
الفن التشكيلي في إسرائيل لم يكن في يوم من الأيام فناً صادقاً مع نفسه ومجتمعه وبيئته ولم يكن يوماً خلاقاً او مبدعاً او مجدداً بل كان ومنذ نشأته انعكاسات وإفرازات شكلية لمدارس ومذاهب فنية غربية مفرغة نهائياً من مضامينها السياسية والاجتماعية والفلسفية ، فلا يوجد فنان إسرائيلي واحد لا يستمد فنه من مصدر غربي ينقل عنه ويقلده. واذكر على سبيل المثال : جوتمان- روسو ورؤفين روبين- دوفي وماتيس- رافي لافي- سي توومبلي- توماركين- راوشنبرج- بنحاس كوهين جان- بوروفسكي الخ..

هذه العقلية التطفلية تقف هي ايضاً عائقاً في طريق الفنان الإسرائيلي وتحد من قدرته على خلق عالم تشكيلي خاص ناقد مشاكس مؤرق للنظام السياسي ونهجه. فمثله مثل النظام نفسه تقبل موقف الاستعلاء والانحياز وفصل الازدواجية الفكرية والخلقية قاطعاً على نفسه فرصة الانفراد بمدرسة تشكيلية محلية طلائعية قيادية تجمع بين حيثيات الشرق الحضارية وتلك الغربية التي يدعي انه يملكها. وهنا يجب التنويه بأن التجارب المماثلة في جنوب أفريقيا واستراليا فشلت هي أيضاً وبدلاً من خلق عالم متجانس جميل ملؤه المحبة والأمل كانت النتيجة في كل الحالات صدامات وصراعات دموية ومأساوية وانتصار الحضارات المحلية.

في سنوات العشرين والثلاثين كان الفنان اليهودي القادم من اوروبا صهيونياً وسنوات الأربعين والخمسين غيرت الفنانين واستبدل الأسلوب الفني, لكنها لم تغير النهج والمبدأ. فقد قام زارتسكي وشترانجمات وسيتماتسكي بإيعاز ودعم بن غوريون بثورة نصف علمانية على أسلافهم الواقعيين البدائيين وأقرانهم الكنعانيين ولاحقوهم على انهم حركة يسارية راديكالية هدفها الاندماج والانصهار بالشرق بينما هي عملياً حركة يمينية متطرفة أرادت محو معالم الحضارة العربية والإسلامية واستعادة ما سمته الحضارة العبرانية القديمة.

بن غوريون أراد لدولة إسرائيل أن تكون مزدوجة الهوية فتكون صهيونية علمانية بثقافتها وصهيونية دينية بسياستها وعليه تم الإعلان من قبل زارتسكي ورفاقه عن انتماء الحركة الفنية التشكيلية في إسرائيل الى أمها الاوروبية وخاصة في مجال تدريس التجريدية في تلك الفترة. ومنذ ذلك العهد اصبح الفن التشكيلي في إسرائيل فلسفياً أصولياً بتوجهه لفن التجريدية والإدراكية منعزلاً وغير قادر على اقتحام مواضيع آنية مؤرقة كالحروب والاحتلالات والتفرقة العنصرية والطبقية والفقر والرشوة والفساد الخ... محاصراً نفسه في قوقعة الفن من اجل الفن المرئي او الفن كاداة تعبير ذاتية شخصية خصوصية ليس إلا. فبالرغم عن كل الحروب لا توجد لوحة واحدة معلقة على جدران المتاحف الإسرائيلية تصور مشوه حرب او اما ثكلى او وجه يتيم!

في تلك الحقبة من التاريخ كانت آلاف العائلات الفلسطينية مبعثرة الأشلاء في الشتات تبحث عن بلسم للجروح ومأوى. وكانت أعمدة الدخان ترتفع من مئات القرى المهجرة المهدمة المنهوبة كما ان آلاف العائلات اليهودية الشرقية كانت منسية في خيام القادمين الجدد بحالة من البؤس والفقر والاستغلال.

كل ذلك والفن التشكيلي في إسرائيل يداعب اللون والتصوير والحركة والانسياب والبقعة والخط بنتاج فضفاض عذب موسيقي مستفيض حتى بالألوان الداكنة والفاقعة. فمن خلال أعمالهم الفنية من تلك الفترة يبدو للمشاهد وكأن البلاد كانت غارقة بالحليب والعسل والقشطة!سنوات الستين والسبعين كانت هي أيضاً إفرازاً لحركات البوب و"الأرت بوفرا" والحركة الادراكية و"اللواء" التي كانت في الأصل حركات ثورية سياسية ناقدة بلهجة لا مثيل لها من قساوة المجتمع الاستهلاكي الغربي مناهضة للحكومات الرأسمالية المتورطة بحرب فيتنام وملاحقة كاسترو وناصر وروسيا الاتحادية.

اما في إسرائيل فقد استغلت هذه المدارس مرة أخرى للبعث التشكيلي الشكلي فحسب, وعدا عن بضعة أفراد من الفنانين الذين عبروا عن استيائهم العام ولمرة واحدة فان الوضع الحالي في البلاد أنهك أكثريتهم بزيادة المواضيع الثورانية الفلسفية, فراح بعضهم يربي السمك في البحر الميت وغيرهم حاول ترميم ما خلفته المحاجر في الكرمل من خراب وهكذا. واخفق الفنان في اسرائيل مرة أخرى في مواجهة لواقع فنه وفكره وضميره فتراه اما متآمراً أو مغلوباً على أمره يعيش في داخل فقاعة من الصابون تحجب عنه الواقع وتعفيه من متاعبه.

سنوات الثمانين والتسعين كانت آخر فرصة للفن في إسرائيل للثورة والتعبير حيث تفجرت ينابيع الإبداع العالمية بعد سنوات طويلة من الهبائية والفوضوية وعاد الجميع لتجديد العهد مع الشكل واللون والمضمون. من جهة أخرى اندلعت الانتفاضة الاولى لتذكر الشعب الإسرائيلي بكونه محتلا غاصبا, وكشفت النقاب عن وجه المستوطن البشع وعن الجندي الإسرائيلي قاتل أطفال الحجارة, وعن السياسي التائه المسار.

ثم جاء مقتل رابين ليصدع نظرية بن غوريون, الذي اراد ان يجعل من إسرائيل بمختلف حضاراتها ودياناتها وجالياتها أمة واحدة بدولة واحدة تكون صهيونية ويهودية وديمقراطية في آن واحد.

هذا الفشل جراء الازدواجية الوجدانية لم يدفع الشعب الإسرائيلي فاتورتها بعد والتي عبث ويعبث بها الفن التشكيلي أيضاً. فحتى الفنانون السياسيون التشكيليون الإسرائيليون مثل دافيد ريب وموشي جرشوني وايغال توماركين هم مجرد ارادة مؤسساتية اقتصرت على الغضب الآني الذي أعلن عنه أولئك وغيرهم. ولكن توماركين عاد ليقيم النصب التذكارية للجيش الإسرائيلي وجرشوني عاد ليرسم قوارب شراعية ودافيد ريب منهمك في رسم طبيعة صامتة وشاشات تلفاز فيما المعضلة السياسية في اشد حالات احتياجها لموقف يساري صريح وواضح من قبلهم، اما على ارض الواقع فان الفنان الإسرائيلي يعاني من ازمة مركزية واحدة لا غير وهي انه لم يستطع الفصل بين كونه كائناً له خصوصيات تبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة وبين كونه مستعمراً بإرادة توراتية أصولية حالكة الظلمة. وهو لا يزال يحاول بأقصى جهوده وطاقاته التوفيق بين هذين القطبين المتناقضين. فلا يمكنك ان تخلق وتبدع وأنت سالب ومحتل لبيت لاجئ فلسطيني يقطن على بعد بضع مئات من الامتار عن بيته كما هو الحال في عين حوض.

كما انك لا تستطيع التحليق في عالم الخيال والحرية فيما أنت ترغب بحياة نعيم وبذخ في شقق باهظة الثمن تطل على بحر يافا لاصحاب يعيشون في مخيمات الشتات والفقر أو في بيوت متداعية في يافا نفسها. فلا يمكنك أن تكون ظالماً وحراً في الوقت نفسه.

هذا هو الصدع الكبير المستأثر والمتأصل في الفنان الإسرائيلي وهو يعرف انه إذا بصق الى أعلى او الى أسفل فالبصقة ساقطة على لحيته لا محال. وعدم حل هذه الأزمة الوجدانية الوجودية أدت حتى الآن الى فشل كل المحاولات الرسمية وغير الرسمية لوضع الفن التشكيلي في إسرائيل ضمن قائمة الفن التشكيلي العالمي.

وبعد مرور خمسين عاماً من المعارض الدولية والندوات والكتب الإنجليزية والفرنسية والألمانية بقى هذا الفن خارج خريطة الفن التشكيلي العالمي.

حتى أصحاب الغاليريات ومدراء المتاحف والنقاد وأصحاب رؤوس الاموال اليهود لم يجرؤوا على الرهان عليه بالرغم عن أنهم يقفون وبكل ثقل اللوبي خلف نجاحات كبيرة كثيرة لفنانين يهود عالميين أمثال دافيد سالي وسندي شيرمان وشنابل وستاينباخ وبوروفسكي ولوسيان فرويد وكيتاي واورباخ وغيرهم الكثيرين من الذين يتصدرون من سنوات الثمانين والتسعين الفن التشكيلي العالمي.
______________________________________________

(*) فنان ونحات فلسطيني.