صورة اليهودي في الأدب الفلسطيني الشاب في الداخل المحتل 1\2

صورة اليهودي في الأدب الفلسطيني الشاب في الداخل المحتل  1\2

صورة اليهودي في الأدب الفلسطيني الشاب في الداخل المحتل

الجزء الأول:

الاتكاء على المفاعيل اللغوية  في وصف فعل الاجتثاث اليومي

ترحيل المباشر إلى بكائيات  درامية على أطلال حيفا القديمة 

في المفارقة الجدلية بين ما يكتنز وعينا الفلسطيني عن صورة الاسرائيلي الذي يحاول أن يبدو متسما بالحضارية والسمو الاخلاقي والثقافي، وحقيقته الثابتة في أنه ندنا الرئيس في معركة البقاء المفترضة والمفروضة على وعينا المتقد بصورة الصهيوني القاتل، والمجتث لوجودنا الانساني على هذه الأرض، كيف يشكل الأدب العربي الفلسطيني في الداخل المحتل صورة هذا الاسرائيلي الذي يعيش معه ولا يتعايش معه  وفق ماهو مفترض؟

 الأدباء الفلسطينيون في الداخل المحتل والذين نحاول أن نتماهى معهم وجدانيا، وأن نخاطبهم أو يخاطبوننا من خلف جدر تقترب  كثيرا من  فكرة الصراخ المضني من خلف  سواتر صنعناها أو صنعت رغما عنا وعنهم، في إسقاطات عمدية أو جهلية بما تحمل هذه الجدر الوهمية من إشكال في مفاهيم الثبات والصمود والتجدد ورغبة التواصل الوجداني والروحي في مضامين الثقافة التي تجمع الفلسطينين بالحد الأدنى على وجع واحد وهم مشترك.

وحتى لا نختلف في تكييف مفهوم اليهودي أو الاسرئيلي مناط هذه القرآة، فإن المقصود هنا يتصل بصورة وثيقة بمفهوم الصهيوني ودلالاتها العنصرية والاحتلالية، ولا يقصد الإشارة الى اليهودي  كصاحب دين، أو الاسرئيلي كصفة لصيقة بفكرة الجنسية.

السؤال الكبير الذي أرق غسان كنفاني وحسين البرغوثي وعادل الأسطة وغيرهم يتكرر الآن، هل أن صورة اليهودي صورة مكررة  للإنسان "ذو البعد الواحد" بتعبير ماركيوزه والعلاقة معه صنمية بتعبير ماركس؟ أم أنه النقيض الآخر الذي يطمح إلى حذف وجود الآخر وإنكاره إنكارا يؤدي إلى حذفه كليا؟ كيف تكون علاقتنا بالأنا أو بالنقيض تحت وطأة هذا الصراع؟

يرى حسين البرغوثي كإجابة ما على هذه الأسئلة الملحة أن "الأدب الفلسطيني بمجمله لا ينظر إلى اليهودي على أنه حيوان أو مسخ أو كائن مشيطن أو شيء محض، بل يظهر وبشكل أساسي كعدو لدود جدا وأن العلاقة معه تبدو متشيئة أي مع وعبر الأشياء المحضة كالسجون والمعتقلات والرصاص والقوانين العسكرية ومصادرة الأراضي ونسف البيوت، الخ... وأن العلاقة معه تقوم على اعتبار صورته جنديا وسجانا ومستوطنا وقاتلا ومحققا ومغتصبا ومسلحا وخواجا وعنصري......"[1]

في سياق اطلاعي كقارئ لا أكثر على نصوص جديدة لكتاب شباب من الداخل المحتل، لم يكن من السهل الولوج إلى نصوص قادرة على رسم صورة واضحة المعالم بقدر ما كانت هناك العديد من الرؤى المتباينة في صور التحولات الجادة عن النمط السائد في النظرة إلى اليهودي كمحتل، النظرة في جوهرها اختلفت كثيرا عن الصورة التي استقرأها البرغوثي وغيره في إطار أبحاثهم السابقة في هذا الموضوع، مما دفعني لقراءة نصوص جديدة لاستنباط أنماط التحولات في الصورة السائدة، لاسيما أن هذه القراءة تحاول ـن تكمل ما تم بحثه من أساتذتنا على ضوء ظهور أصوات جديدة وشابة في الداخل المحتل.

ولن أخفي سرا إذا قلت أن هناك  اجتثاث حقيقي لفكرة التصوير الحسي  بقدر ما يجنح الكتاب الشباب في الداخل المحتل إلى العبث في مفردات الصورة العامة المألوفة في الأدب الفلسطيني، عبر تكريس مفاعيل لغوية مختلفة عن التصوير المباشر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أنظر كيف يكيّف هشام نفاع - وهو كاتب من بيت جن ويسكن حيفا-  مفردة "التحريش" في سياق فعل الاغتراب وتهيئة المفردة لفعل التغيير حين يستهجن دخول هذه المفردة الغريبة، لأن ثمة فعل يشي أيضا بحالة تغيير مصطنع حى للمفردة "لأن اللغة مرآة لتجربة الواقع أو التجريب فيه. وهكذا، بدلا من الحرش الذي تلتقي أشجاره وشجيراته ونباتاته وزهوره وطيوره وحيواناته وحشراته وعبقه ومنظره وشكله وانتظامه المنفلت وحدوده اللانهائيّة الحيّة وتواشيح لونه وحركيّة ظلاله المنسابة على وقع إيقاع موقع الشمس وأصوات تكسّر قطر المطر عليه، وانتعاشه وأفوله الموسميّين الدوريّين المتتاليين المتعاقبين المندفعين المتغيّرين الباقيين – وهذا كله بقوّة علاقات الطبيعة الداخلية العفوية- بدلا من هذا كلّه، اقتحمت المشهد يدٌ غريبة لتهندس الحرش وتقرّر مصيره وشكله وتردّد نبضه، قسرًا. هنا كان لا بدّ من ابتكار انعكاس مرآتيّ لهذا الفعل الفظّ في اللغة، فجاء التعبير الفظّ "تحريش"."[2]

وجاء هذا النص في سياق المفارقة والمقاربة لمفهوم الشجرة الواقفة، وفعل الاستلاب في نص هشام "أساة الصنوبر"، ويظهر من هنا أن الصورة لليهودي تكتمل باتجاه أنه سيد الفعل المصطنع الهادف إلى الغاء فعل الطبيعة، هشام نفاع هنا ينظر إلى ذاته ووجوده الإنساني منسجما تماما مع مفردات الطبيعة التي ساقها في نصه السابق، وأن التغيير الحاصل يهدف بطريقة ما إلى إلغائه أو تحويره في صورة مجافية تماما لما تمليه علينا الطبيعة، وهذه صورة مستحدثة جدا عن نظرة الأدب الفلسطيني للصهيوني، واستخدام جميل لفكرة اللغة وتحريفاتها بإسقاطاتاتها على الواقع.

حتما لا زال هناك نقيض لفكرة الاتكاء على الفنيات اللغوية في نصوص جديدة أخرى، ربما يعود ذلك إلى اختلاف التجربة، أنظر مثلا فيما ورد في نص للكاتب الشاب رأفت آمنة جمال "وَلَمْ أكُن أهتف معه، كنتُ أسترقُ النّظرَ إلى البحر. علّي ألمح طرَفًا من يومنا الّذي قَتَلَتْهُ إسرائيلُ، يطفو على السّطح."

هنا يبدو تمامًا أنّ الصّورة تتجه نحو اعتبار الصهيوني قاتلا، ويتجسد فعله من خلال إطلاق هذا الفعل لما تقوم به "إسرائيل"، هنا انتقال مختلف للتعبير عن فعل إسرائيل واختزالها بصورة قاتل، وإن كانت هذه الصورة تقليدية في وصف اليهودي.

وربما يكون ما ورد آنفا مدخلا أوليا في رغبة الاطلاع على تجربة الكتاب الشباب  الابداعية في الداخل المحتل، والمختلفة عن تجربتنا بالقطع (في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات الفلسطيني)، وهذا يحتاج إلى قراءات مطولة في محاولة إدارك رواية فلسطينيي الداخل عن مشاريعهم الاستنهاضية أو الانكسارية، عبر مضامين نصهم الأدبي والسياسي، ومدى ملاءمة موروثهم الثقافي الغني – الذي هو موروثنا الرئيس – لما ينتجون من نصوص إبداعية، وكيف استطاعوا البناء عليه في حضرة الغياب الذي يفرض حضوره على أجندتنا السياسية والثقافية والحضارية والانسانية المقسمة أصلا، والمنقسمة على ذواتنا ورغباتنا الكامنة في الانقضاض على تجربة المختلف، في محاولتنا لأسطرة الفعل الشخصي وإهمال فكرة انصهار الأنا في بوتقة "النحن" الفلسطينية التي لا تعترف بالحدود، هل يا ترى لا تزال النظرة إلى الصهيوني مباشرة إلى هذا الحد وفق ما أشير إليه في رواية البرغوثي، أم أن الأمر اختلف بعد سنوات طوال من العيش المشترك؟

هناك العديد من النصوص غير تلك الذي ذكرت كرست لدي حقيقة أن الكتابات الجديدة  في الداخل المحتل ترتكز في غالبها على الخطاب السياسي الإشكالي اليومي المباشر،  ولم أعثر في خبايا النص على عمق وجداني يعبر عن صورة اليهودي المضطهد للحس الجمالي في التجربة الإنسانية الفلسطينية، والكامنة في تفاصيل اجتراح قيم الثبات والانكماش على ما بقي من روح في جسد الذاكرة الفلسطينية والمجتمع العربي المحاصر دائما في الداخل المحتل،  وربما استطعت اأ أجد إشارة وجدانية هامة  في  نص "أرتسي"** لأسماء عزايزة[3]... انظر هنا كيف تؤسس في هذا النص لصورة مختلفة تبتعد عن المباشرة في وصف الفعل التدميري الذي يقوم به الصهيوني:

"زو أرتسي"؛

أولادٌ يتدربون على نطقها

وهم يفكّون أخشاب الصّليب ويلقونها نحو الغرب

 ووادي الصليب، وهو اسم حي مهجور من أحياء حيفا ولا يزال كذلك، وقد أسقطت عليه عزايزة  نصها  "أرتسي" أو أسقط  النص منه في غفلة من الزمن، هذا النص  أعادني إلى وقع الكارثة أو النكبة بمدلولاتها الروحية والمعنوية لفداحة فعل الاغتراب والرحيل عن مسقط الروح وذاكرة المكان، واغتصاب البصيرة النافذة إلى حتمية التاريخ التي لا تؤمن بفعل التغيير الجاف لحضارة ماثلة في البشر قبل الحجر.

استخدام عزايزة للفظة العبرية "زو أرتسي" والتي تعني بالعربية  "هذه أرضي"، جاء واعيا للحظة الاختناق التي تحاصر اللغة اليومية لأبناء الداخل، وقد نقلت الشاعرة هذا الاختناق لنا في مفردة واحدة، عبرت عن تكريس الوعي الصهيوني لأدبيات السلب والنهب الصهيونية، وكيف تتنامى الفكرة الصهيونية في فم الأولاد اللذين يتدربون على نطقها .

هنا تكتمل صورة اليهودي الصهيوني في فعل اقتلاع وادي الصليب من جذره، عبر آلية منظمة ورتيبة، تقوم على تربية وتنشئة جيل صهيوني أكثر عنصرية ومؤمن بأن حيفا أرضه التاريخية لا تمت بصلة لواقع الحضارة الفلسطينية.

الهاجس المخيف الذي عبرت عنه أسماء في المقطع السابق من نصها، تماهى تماما من تصاعد وتيرة الصمت المدوي والرتيب الذي يمارس في هفوة ما من الزمن، وكأننا غير منتبهين لما يجري بهدوء من اجتثاث لنا من هناك،، أنظر هنا دراما الخوف والخديعة:

"زو أرتسي"؛ ثم يتعلمون كتابتها على الجدران

وهم يدقون المسامير العوجاء، دون أن ينتبهوا،

في رؤوسهم.

في قعر البحر،

هناك أسماكٌ تأكل الأخشاب

وتبيض ذاكرةً جديدة.

يقول ممدوح عدوان في وصف صورة اليهود في رواية أعدائي، "اليهودي متفوق وهومذلول ومباح مثلما يكون متفوقا، وهو مسلح ومستقل، الفارق هو أن تفوقه في الحالة الأولى تفوق ذكي مراوغ يظهر الخضوع، وفي الحالة الثانية تفوق استفزازي مشاكس يظهر التسلط ويتنقد ماضيه"[4].

وكم يبدو واضحا كيف تماهت الحالية الثانية من نص ممدوح عدوان حين نقرأ في النص:

" وهم يدقون المسامير العوجاء، دون أن ينتبهوا،

في رؤوسهم.

في قعر البحر"

هنا تبدو تجليات التفوق الصهيوني الاستفزازي المتسلط، ولكن ثمة مزاوجة خفية كسرها هذا النص، تتمثل في أن اليهودي وإن كان متفوقا فإنه يبدو بصورة الغبي، لأنه يدق المسامير في رأسه دون أن ينتبه، وهذه الصورة مختلفة تماما عن الصورة التقليدية التي رسمها الأدب الفلسطيني عادة والذي يظهر الصهيوني بصورة المتسلط المستبد فقط.

وبالإضافة إلى ما أشير إليه، فإن ثمة خطاب مختلف يتسم بالذاتية المتصاعدة، وهي  ليست بالمعنى الشمولي الشخصي  بقدر ما تتصل باختلاف السياقات البنونية في الخطاب، أنظر قصيدة " الأرض رماد حنون " الشاعر مروان مخول:

أَرضي؟
لِساني يَغيرُ عَليَّ
بِبَعضِ الأَهَمْ
فَأرجُو سَماعي كَعُرسٍ

أنظر في هذا المقطع الشعري  لمروان مخول من قصيدته  "عروس الجليل":

الصبي هنا سيفاجىء ذات يوم بأن الشمس تطلع من غروبها في الجليل ، إنه فعل التغير ذاته لدى هشام نفاع بقالب حيوي ونشط ، هي صورة اليهودي الذي يغير كل شيء حتى في مطلع الشمس.


** كاتب وشاعر من طولكرم


 أنظر حضور الغياب صورة اليهودي في الأدب الفلسطيني ، حسين البرغوثي ، الشعراء العدد21 صيف 2003 ص157 [1]

 

[2] http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=172147هشام نفاع / ماساة الصنوبر  تاريخ التصفح 12/7/2010 .

[3] ليوا ، محموعة شعرية ، أسماء عزايزة ، قيد النشر بتوصية من مؤسسة عبد المحسن القطان ، رام الله ، فلسطين

 ممدوح عدوان رواية أعدائي صفحة 266 . [4]

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018