"حيفا ليست قرطبة": قراءة في واقع فلسطينيي 48 / جوني منصور

"حيفا ليست قرطبة": قراءة في واقع فلسطينيي 48 / جوني منصور

فرغت من فترة من قراءة كتاب "حيفا ليست قرطبة" لمؤلفه الدكتور شوقي قسيس، ابن قرية الرامة الجليلية، والمقيم حاليًا في الولايات المتحدة الامريكية.

وإذا أخذك كتاب بما فيه من فكر نيّر وطروحات جديدة تثير فضولك واهتمامك، فلا بدّ من كلمة حول هذا الكتاب الذي فعلاً ترك أثره فيّ، وأحيانا أثار حفيظتي، وهذا أمر جيد أرحب به ولا أرفضه.

لا يمكن أن نُصنّف هذا الكتاب من نوع السيرة الذاتية فقط، أو أن نُصنّفه من نوع النقد الاجتماعي، فهو أيضًا كذلك، أو أن نعتبره من النوع السردي، فهذا ينطبق عليه. إذن، سار المؤلف في طريق دمج فيه أنواعًا متعددة من صنوف الكتابة، وأبدع في ذلك، وهذا اختياره الحر.

فلنبدأ أولاً بلغة الكتاب التي ترقى إلى مستوى رفيع للغاية، فبالرغم من أن كاتب الكتاب متخصص في مجال العلوم، إلا أنه عاشق للغته العربية، ويحترمها، وهذه نقطة في غاية الأهمية، فشعب يحب لغته يعشقها ويقدسها ويحميها، لا يتنازل عنها. هو في هذه النقطة تحديدًا يوجه ملاحظة قوية إلى أبناء الجيل الصاعد من العرب الفلسطينيين في إسرائيل، داعيًا اياهم إلى احترام لغتهم، وأنا أنضم إلى هذه الدعوة بل المناشدة لكي نصون لغتنا وحضارتنا وثقافتنا، لأن الانسان بدون  لغته يصبح فاقدًا لهويته وكينونته وذاته، بل يصبح لا شيء.

يتعرض الكتاب إلى التحولات الخطيرة التي حدثت وتحدث في المجتمع العربي الفلسطيني منذ العام 1948 (العام الذي نهب فيه وطن الفلسطينيين بمؤامرة دولية وعربية على حد سواء)، سواء على صعيد العمران أو ثقافة الطعام، أو السلوك البشري والتعاطي مع القضايا اليومية، وتفشي مظاهر العنف التي لم تكن قائمة من قبل إلا فيما ندر، وأيضا يتعرض إلى القيم التي ميزت مجتمعنا وما حصل لها، وإلى اللوثة التي أصابت هذا المجتمع بالأسرلة الرهيبة والخطيرة في الوقت ذاته، ومحاولات المؤسسة الحاكمة في إسرائيل لفرض أجنداتها الكولونيالية، ومحورها تحقيق إبادة ثقافية للفلسطينيين بعد أن أنجزت مشروعها في إبادة وطنهم.

واختار المؤلف مسارًا عرض فيه ما شاهده، وما زال، وما سمعه وأدركه من حالة المجتمع العربي الفلسطيني الذي كان لصيقًا بأرضه وتاريخه وعاداته وتقاليده، إلى أن يصل إلى التحولات التي تجرف هذا المجتمع وتبعده عن أصوله وأسسه.

هل يمكن أن نعتبر كتاب "حيفا ليست قرطبة" نقدًا لاذعًا للمجتمع العربي الفلسطيني من خلال عرض الانجازات البسيطة التي عاشها وأحرزها الإنسان الفلسطيني قبل العام 1948؟

وفي نقاش مع صديق قرأ الكتاب، وسؤاله الذي أطرحه هنا: هل تكون العودة إلى الماضي فقط لتسجيل الأحداث، أم لنتعلم ما يجب أن نتعلمه ونعرفه عن حالتنا الحاصلة؟

باعتقادي أن الدكتور شوقي قسيس لم يقصد أبدًا أن يُقدّم للقارئ سيرة حياته بقدر ما أراد أن يقدم شريطًا سينمائيًّا واقعيًّا من خلال خبراته الحياتية ونظرته الثاقبة لحالة من التغير تسير باتجاه غير سليم، سنفقد خلالها – أي خلال السير في هذا الاتجاه – صلتنا بثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، ولن يكون لنا ارتباط بحاضرنا ومستقبلنا كذلك.

لا غروّ في أن الذكريات وأحداث الماضي مهمة جدًّا في بلورة الذاكرة الجمعية لكل شعب ولكلّ أُمّة على وجه هذه الأرض، فكم بالحري لو كان مثل الشعب الفلسطيني الذي فقد أرضه بل فقدت قيادته بوصلتها، وما بقي له هو ذاكرته. حتى ذاكرته تتعرض للنهب والسرقة ويجري استبدالها بذاكرة منتجة خصيصًا له في الصناعة الاسرائيلية، تتناسب وسياسات إسرائيل والدول الحاضنة والحامية لها.   

لا شك في أن المؤلف قد بذل جهدًا كبيرًا في صياغة ووضع أفكار كتابه وتحويلها إلى نص مقروء يوصل من خلاله رسائل إلى القراء، ولا شك في أن المؤلف بالرغم من إقامته البعيدة عن وطنه، إلا أنّه على صلة قريبة مما يجري، خاصة أن عينه تلحظ ما يجري من تغييرات وتحولات.

التغييرات والتحولات التي تحصل، وخاصّة تلك التي فيها ابتعاد عن الأصول الحضارية والتراثية لنا كشعب فلسطيني نصارع على بقائنا، ومع وجود قناعات لدى كثيرين بالغوص في المجتمع الاسرائيلي، لن تجعل العربي الفلسطيني في 1948 اسرائيليا خالصًا وصرفًا، إذ أن دولة إسرائيل بمركباتها العسكرية والسياسية، وسياساتها التربوية والاجتماعية، تسير منذ نشأتها نحو مزيد من تأليه الذات والتمسك بمقولة "شعب الله المختار"، وهي مقولة عنصرية بل عرقية عفا عليها الزمن، ومحاصرة الآخر (الفلسطيني في هذه الحالة)، وتعمل نحو بناء نظام دولة اثنواقراطي أساسه الأبرتهايد؛ عندها يفقد العربي الفلسطيني عروبته ولن يُقبل عضوًا في نادي إسرائيل.

هذه هي المسألة التي طالما راودتني وأنا أقرأ الكتاب، أن البوصلة العربية سواء في الوطن أو خارجه تدفع العربي إلى خوض مغامرة، ولكن دون أن يسأل نفسه سؤالاً وجيها: كيف سأخرج منها؟ بمعنى آخر: نريد أن نكون "في" هذه الدولة وهذا المجتمع، ولكن هذه الدولة وهذا المجتمع لا يريداننا أن نكون فيه. فالعربي الفلسطيني في إسرائيل ليس في سلّم أولويات المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، بل هذه المؤسسة لا تفكر بالإنسان "غير اليهودي"، كما تسميه، منكرةً تسميته باسمه الحقيقي "الشعب العربي الفلسطيني".

الرسالة التي جاء الكتاب ليطرحها أنّ حيفا هي حيفا، وبنظري أنّ حيفا تمثل مشهدًا جديدًا في مسيرة نضال وكفاح الشعب العربي الفلسطيني لجعلها مركزًا لثقافته وفكره ورؤاه بما تحمله هذه المدينة من موروث تراثي وفكري وحضاري – قصير زمنيًا – لكنه غني بمحتواه ومضامينه وتوجهاته، ولكن هذا الأمر مشروط بأن يعرف الفلسطينيون كيفية جعل حيفا مركزًا لهم كي لا يذوبوا في أتون الصهر الاسرائيلي.

أعتقد أن قراءة جادة لكتاب "حيفا ليست قرطبة" ستفتح أمام عيني القارئ نافذة جديدة لفهم التحولات والتبدلات، وبالتالي إلى إعادة الحسابات مع الذات في سيرها المستقبلي.

أهنئ المؤلف على إبداعه ومساهمته في توجيه البوصلة الحقيقية للمجتمع العربي الفلسطيني، وأدعو القرّاء إلى قراءة ومناقشة الكتاب بما يحتويه من أفكار وطروحات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018