رام الله الشقراء، وغزة الحمراء: ميلانكوليا القراءة والضمير في زمن الحرب / عبد الرحيم الشيخ

رام الله الشقراء، وغزة الحمراء: ميلانكوليا القراءة والضمير في زمن الحرب / عبد الرحيم الشيخ

ضمير المتكلم

على الرغم من أنّ “الضمير” في اتصاله وانفصاله، هو “أعرف المعارف،” كما علَّمنا أهل اللغة، إلا إن خالد الهبر لن يزال يحرجنا، ويجرحنا، ومعه غزة الجريحة، بأغنيته الفذة: “نحن في غزة بخير، طمِّنونا عنكم! نحن في الحرب بخير, ماذا عنكم أنتم؟ شهداؤنا تحت الركامْ. أطفالنا سكنوا الخيام، يسألون عنكم: أين أنتم؟ نحن في غزة بخير, طمِّنونا عنكم. البحر من ورائنا، لكننا نقاتل؛ عدونا أمامنا، وما زلنا نقاتل. لدينا ما يكفينا من سلاح وطعام، وعود بالسلام. نشكر لكم دعمكم. نحن في غزة بخير, طمِّنونا عنكم. أرواحنا، جراحنا، بيوتنا، سماؤنا، وجوهنا، دماؤنا, عيوننا, أكفاننا… تحمينا من سلامكم، وعودكم، كلامكم. نحن في غزة بخير, طمِّنونا عنكم! نحن في الحرب بخير, ماذا عنكم أنتم؟”…

نستمع إلى خالد الهبر، وصفارات الإنذار شاهدة على إحالة “قبة الحديد” إلى “عمود الخيبة!” تحت “عمود السحاب،” وتحاليل المحللين تنجح في تحليل كل شيء سوى فصيلة الدم المسفوك في غزة، وتحليل المقاومة انتصاراً له!

وعلى هامش الحزن ومشهدية الدم، نتأمل وعينا، وتعضُّنا ضمائرنا، ونبحث عن مرآة لم تهشمها القذائف لنسجِّل لحظات حضورنا الغائب في المشهد حيث تقودنا الميلانكوليا الفلسطينية إلى تأمل رام الله، ليلاً ونهاراً، فالكهرباء وفيرة هنا، ومنتظمة، (وببطاقة الدفع المسبق إن شئت!)، وصورة المدينة واضحة تماماً في “رام الله-الشقراء،” وكذا واضحة صورة غزة في بث حيِّ يملؤه الموت. و”رام الله-الشقراء،” اليوم هي رام الله المعفَّرة بالدم في أمس العام 2002 بالمناسبة، هي رواية أولى لعباد يحيى، صدرت عن دار الفيل في القدس قبل أقل من أسبوع من حرب “عمود الخيبة!” على غزة. كنتُ بدأت الكتابة عنها مساء الإثنين الماضي، وانقطعت، وقطعت الحرب الجديدة على غزة مسارات حياة كثيرة هناك أولاً، وثانياً، وثالثاً… وأخيراً، هنا. فكيف للضمير أن يكون “منفصلاً” عن غزة، وكيف له ألا يكون “متصلاً” بها، وكيف لكرتات الدفع المسبق عن عدادات الكهرباء في رام الله ألا تخرج للتظاهر على عتم غزة، وعداد الدم هناك لن يزال على غاربه… إلا لمقتضيات الميلانكوليا؟

ضمير المتكلمة

الكهرباء وفيرة هنا، والدفء، وصافرات الإنذار تمنحنا بعض نشوة المفارقة، وحقَّ التأمل فيها… أعني: المفارقة، والنشوة، والصافرة، كضمير متكلِّمة سافرة بامتياز! ميلانكوليا، لا شيء غيرها، ورغبة جارفة في الحياة والحق في المقاومة للدفاع عنها، تعيدنا إلى الحياة، وبضع خطوات إلى الخلف في الزمن الآسن الذي علَّقه الاحتلال مستلهماً تعليق يهوشواع لغروب شمسه قُبيل دخول السبت بقليل أو خروجه، سيَّان إن كان الصيد وفيراً! نعود إلى رام الله-الشقراء لنقرأ تسجيلية عباد يحيى الفذة لـ”روايته” عن رام الله وقد افتتحها باقتباس رُشَيْمِيٍّ، يبدو أنه له: “أحياناً يكفي أن تضغط Print Out على أرشيف مراسلاتك في فيسبوك لتكون لديك “رواية” ما.” فكيف نقرأ رواية هي أرشيف مراسلات على الفيسبوك (الذي لا أملك حساباً فيه بالمناسبة)، وفي زمن الحرب؟ وهل نملك ترف القراءة أو الكتابة أو النقد بين الغارة والغارة؟ الإجابة تتباين تباين درجة الحرارة ونسبة الرطوبة بين غزة ورام الله بالتأكيد (وهذا اختلاف آخر لتندُّر الناطقين باسم فصائل المقاومة عن الفرق بين تل أبيب والقدس!). “لا” كبرى في غزة، وفي رام الله “نعم”، ولربما العكس! ليس إلا درجة استفحال الميلانكوليا تحكُم إجابتنا.

في رام الله-الشقراء (والشَرطة المعترضة تذكرنا بكلاشيه “رام الله-المحتلة” في آخر تقارير مراسلي الفضائيات من فلسطين)، لا يأبه عباد يحيى بما يعرفه القرَّاء والنقاد، وأدعياء القراءة والنقد كذلك، بـ”تقنيات الكتابة الروائية،” بل يقدِّم “رواية تسجيلية” عن رام الله-الشقراء تتخذ مما يعرف بـ”الكتابة الشذرية،” التي طالما توسَّلها كتاب كبار كالجاحظ ونيتشه وبنجامين وبورخيس والرافعي وكويلو وجون-بيرجر…. ومحمود درويش في “ذاكرة للنسيان” و”مديح الظل العالي” و”حالة حصار.” ولذا، فإن أسس كتَّاب كبار لمفهوم “القصيدة التسجيلية” فما الضير أن يؤسس عبَّاد يحيى لمفهوم “الرواية التسجيلية” في السياق الفلسطيني؟ وإن قال شاعر عربي قديم، تندُّراً بمهمة النحاة والنقَّاد، “علينا أن نقول، وعليكم أن تحتجُّوا،” فما الضير أن يقول روائي فلسطيني، وفي روايته الأولى: “علينا أن نكتب، وعليكم أن تقرؤوا، وتنظِّروا!” وما الضير أن نكتب “أطروحات أولى” حول الرواية الباحثة عن قواعدها، كما بشَّر يوماً جان فرانسوا ليوتار وحسين البرغوثي، مرةً، بأن كتابات الحداثة تنماز عن كتابات مابعد-الحداثة بأن الأولى تُكتب حسب قواعد، فيما تُنجزُ الأخرى وهي تبحث عن قواعدها؟

يحيل عباد يحيى السارد في رام الله-الشقراء إلى ضمير الغائب، وينحال ضميرُ الغائب إلى “ضميرٍ غائب” كلَّ مرة في بنية الرواية الرسالية (والرسولية على المستوى الأخلاقي بلا شك) التي يحكمها التراسل بين شاب وفتاة يتطارحان أمراً غير الغرام، وهو أمر رام الله-الشقراء في ثلاث عشرة شذرة، تتباين عناوينها: (تأبين جوليانو؛ غزوات ناعمة؛ انكشاف؛ سلت فتسلَّت؛ في استغلال الغياب؛ عمر وأوليفيا؛ الولادة من جديد؛ على يسار المارينز؛ سيرك ثقافي؛ شاورما؛ ملاحظات أولية؛ سذاجة متوارثة؛ حيث لا نكتفي من الأشياء بأسمائها). ويمكن القول عن رام الله-الشقراء، في بنيتها العامة، إنها رواية تسجيلية أو مدوَّنةٌ في وصف رام الله كقلب لكيانية سياسية فلسطينية تعيش حالة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تصفها الأدبيات العالمية عادة بـ”ما بعد الاستعمار،” ويصفها بعض المثقفين في فلسطين بأنها “حالة نفق” أو “مستعمرة ما بعد استعمارية،” تتمظهر فيها، كما في كل الكيانيات السياسية التي ينطبق عليها وصف ما بعد الاستعمار، أشكال تغيرات هائلة على مستويات أربعة:

ضمير الغائب

الأول، هو السلطة الجديدة وأنماطها المتحوِّلة عن أنماط السلطة الاستعمارية وتجلِّياتها في النظام السياسي الجديد، وأثرها على الثقافة السياسية وتشكيلات الأحزاب والمجتمع المدني؛ والثاني، هو التغيُّرات الاجتماعية والثقافية في السياق ما بعد الاستعماري، وبخاصة: السلَّميات الاجتماعية وظهور مقولات التابعين في أشكال وتمثيلات متعددة، وماهية الهوية الثقافية الجديدة، أو ماهية الأنا الجمعية الجديدة التي نتجت بعد تأسيس السلطة؛ والثالث، هو حالة الفرد غير المندمج في “المجتمع الجديد” من حيث الاغتراب والتوحُّد في حالة ما بعد الاستعمار، ما بين الوعي الشقي والوعي المزدوج، في مواجهة “خيانة الذاكرة” وتحوُّلات “سياسات الذاكرة” إلى “سياسات النسيان” على يد المؤسّسة الرسمية وما نشأ عنها من ردة فعل تكوينية لحركات شبابية بشكل خاص واجتماعية بشكل عام؛ والرابع، هو تحوُّلات الخطاب المعرفي الجديد من حيث استخدام لغة المستعمَر، وبناه الفكرية، والمنهجية، في إنتاج المعرفة أو إنتاج معرفة بديلة تحدث قطيعة معرفية مع تلك خاصة المستعمِر، وبخاصة بعد ظهور مراكز متخصّصة في دراسة ثقافة هذا المستعمِر، ونتاجاته المعرفية، وكافة جوانب وجوده السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي والثقافي.

ضمير الغائبة

وإذا انحال السارد إلى “ضمير غائب” في مدوَّنة المستعمَرة ما بعد الاستعمارية (رام الله-الشقراء)، كما يصفها عالم الاجتماع الفلسطيني النجيب خالد عودة الله، فإن السّردية تتمحور حول ما أطلق عليه جورج طرابيشي، مرةً، “تجنيس العلاقات الحضارية،” في نقده لروايتي الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، وسليمان فياض (أصوات)، والروايتان ضدان في الجغرافيا (شمال-جنوب) وصنوان في منطق الصراع (شرق-غرب) في المجتمع الشرقي المستعمَر وفي حواضر مستعمِريه. ونتيجة لمحافظة المجتمع الشرقي وأبويته وتراتبيته، كما يدشنها طرابيشي، فإن مفهوم الرجولة والأنوثة لم يقتصر على أن يكون موجهاً إلى الرجل والمرأة وحسب، بل وإلى العلاقة بين الإنسان والعالم، ما أدَّى إلى تشوّه خضعت له علاقة الرجل بالمرأة، حسب مبدأي الذكورة والأنوثة، نشأ عنه تشوّه أكبر في العلاقة بين الإنسان والعالم. هنا، يسحب طرابيشي طيفاً من النظريات النفسية، وبخاصة الفرويدية، لتوصيف الحالة: مثل السادية التي تعبر عن مبدأ الذكورة لأنّ فيها الكثير من السيطرة والعنف ضد الآخر، والمازوشية التي تعبر عن مبدأ الأنوثة لأنها موجّهة للخضوع للآخر ومعاقبة الذات؛ ويوظف طرابيشي هاتين المقولتين (الكلاسيكيتين بالتأكيد، وفي مقاربة نقدية مدرسية على أهميتها) في العلاقة بين المستعمِر (الذكوري) والمستعمَر (الأنوثي) وتقلُّبات هذه الأدوار عبر تجنيس العلاقات الحضارية حين ينتصر الشرقي على الغربية بآلته الذكرية!

وفي حين اشتهرت رائعة الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، وزادت من شهرتها كتابات جورج طرابيشي حولها بأنها الجغرافيا التي قلبت وجه التاريخ (من حيث انتصار مصطفى سعيد -بطل الرواية- على الغرب، في عقر داره اللندنية، بعضوه التناسليّ)، يعتقد طرابيشي أنّ سليمان فياض قد أحدث زلزلةً نوعية لثبوتية مخطط الرواية العربية في تصوير الآخر، وذلك من خلال عكسه لأهمّ ثلاثة ثوابت في الرواية العربية من قبله، وهي: عكسه للمسار الجغرافي لمقاربة الآخر، من حيث إتيان الأخرى إلى بلد مقام الذات لا رحيل الذات إلى مقامها، أولاً؛ وعكسه لدور البطولة الأول الذي تلعبه الأخرى بدلاً من الذات، ولا تكون الذات أو الذوات إلا جوقة إغريقية عازفة لصوت الأخرى، ثانياً؛ وعكسه لأحادية الآخر، وتكثيره عن طريق تحويله إلى أخرى هي “آخر الآخر،” أو “الأخرى” القادمة من بلاد “الآخر.” ومن خلال هذه العكوسات تمكن فياض من استحضار الآخر لنقد الذات، ومن قلب استراتيجيات الرومانسية القومية في نقد الآخر لصالح تكتيكات الواقعية الفردية في نقد الذّات وذلك ضمن سباعية فريدة من المونولوج التكاملي على ألسنة ذات واحدة، هي “الأنا” العربية رائية لـ”الأخرى” القادمة من غربها…

رواية عباد يحيى تفصح، بامتياز، عن “أصوات” “أخرى” في هذه الخطاطة الروائية-النقدية.

ضمير المرآة

لا يخفي عباد يحيى هاجسه برواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، وإن كنت أرجِّح عدم معرفته برواية سليمان فياض (أصوات)، وذلك عبر استدعائه لرواية الطيب صالح عبر تجربة السارد أثناء دراسته للرواية ضمن مقررات مساق الدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت. وحتى وإن لم تكن (موسم الهجرة إلى الشمال) هاجسه، وإن كانت رواية (أصوات) أقرب إلى روح (رام الله الشقراء)، فالرواية، بأجزائها الثلاثة عشر، تنصب مرآة كبرى فوق سماء رام الله كتلك التي نصبها مصطفى سعيد، بطل رواية الطيب صالح، في غرفة نومه اللندنية ليرى انتصاب جسده وهو يضاجع امرأة إنجليزية وكأنه يضاجع جيشاً من النساء، وينتصر على مَن غزوه بالأمس انتصاراً سريرياً بينه وبين النصر هوُّةٌ تشبه الموت! أقول: يبدع عباد يحيى في تدشين مرآة كبرى، بحجم سماء رام الله، لا يجنِّس فيها العلاقات الحضارية وحسب، كما يشي عنوان الرواية، بل ويكشف كومةً هائلة من “أجندات المنطقة الخضراء”: محلية وأجنبية، وطنية ودخيلة، سوية ومنفصمة، أصيلة ومدَّعاة… حدَّ أن من يقرأ الرواية لا تفزعه “وقائعها” بقدر ما تحزنه “غربته” عن رام الله-الشقراء وغربتها عنه.

هنا، تتيح ميلانكوليا الكتابة في زمن الحرب استدعاء غربة مشابهة، قالها أدونيس، مرةً، في مداخلة تأبينية للراحل حسين البرغوثي في ذكراه السنوية في العام 2006. لم يستدع المرأة ولا المرآة في سياقها الحضاري المجنَّس، بل استدعى السماء حين تكون امرأة ولا تتعرف على بنيها الذين صاروا أغراباً عنها. يقول: “إذا صحَّ أنَّ في كلّ إنسانٍ شخصين: طفلاً وبالغاً فإن الثقافة العربية السائدة تقتلُ في العربي الجانبَ البالغَ الراشدَ، مصرةً على أن تبقيهِ طفلاً. ويدعمُ هذا الإصرارُ حلفٌ سياسيٌّ- دينيٌّ للتسلط والهيمنة، وعمله الأول يتمثلُ في تدميرِ القوةِ الراشدةِ في الإنسان، يومياً وعلى نحو منظم. وها هي الثقافةُ العربيةُ تبدو كأنها تدورُ في غرفةٍ صغيرةٍ ضيقة، وتبدو كأنها تجسيدٌ لإرادةِ البقاء في سريرِ الطفولة. يخيلُّ إليَّ أن سماءَ العربِ لو أنها تستطيعُ أن تكونَ امرأةً، لكانت تسألُ، كلَّ يومٍ، بلهفةٍ وحيرة: مَنْ هؤلاء الأبناء الذين ينتمون إليّ؟ أودُّ، بدوري، أن أسأل هذه السماء: هل سنقدرُ على الخروجِ من ذلك السرير، ومن تلكَ الغرفةِ الصغيرةِ الضيقة؟ متى؟ وكيف؟ الأكثرُ فاجعةً في سيرنا بين يدي هذه السماءِ أنّ عذابَ أرضنا لم يعد يجيءُ من الماضي الذي تكّونت فيه وحدَهُ وإنما أصبحَ يجيءُ كذلك من الحاضرَ الذي تعيشه، ومن المستقبلِ الذي تتجهُ إليه.”

تستدعي مرآة عباد يحيى، التي بحجم سماء رام الله، مخيال أدونيس، لتقول في أبنائها و”ضيوفهم،” آخرين وأخريات: “مَن هؤلاء الغرباء؟”

ضمير الرّائي

لم يتلقَّ عباد يحيى تدريبه الأكاديمي في حقلي الإعلام وعلم الاجتماع في الأكاديميا الفرنسية لتعينه مرآة جاك لاكان على تجاوز سن انعدام الذات إلى تخلُّقها في ظل أمّ-أصل لم تعد أصلاً تحت مرآة-رام الله-الشقراء، ولا في الأكاديميا الأمريكية لتلهمه تنظيرات ماكسين غرين حول شفرة المرآة وتقنيات التمرئي كآليات لتحقيق استراتيجية التغيير التأملي في سيرة الذات. لقد تلقَّى عباد يحيى تدريبه الأكاديمي والنقدي، ولربما بعض إلهاماته الإبداعية، في جامعة بيرزيت، على تنوُّع “تياراتها” الفكرية، وفي سياق لا يرضى للمرآة بسماء أقل من أن تكون ضميرَ وصلٍ جمعي بين الذات وسياقها، وإن تباينت تمثلات الذات والسياق بين رام الله وغزة… وإن تلبَّدت بينهما الغيوم، و”أعمدة السحاب” أو “أعمدة الخيبة!”

ربما لم يهندس عباد يحيى روايته لتجيء في ثلاثة عشر شذرة رسالية، لكن العدد 13 يسعفه في استدخال فني هائل الدلالات لرام الله الشقراء في اكتمال “أجزائها” ثلاثة عشر كل “بعجره وبجره!” ففي العام 1911 استدخل عالم النفس الأمريكي إسادور كوريات مصطلح Triskaidekaphobia (رهاب العدد 13) إلى حقل علم النفس العيادي مستنداً إلى إرث متواصل في ثقافات العالم (الشعبية في غالبها) يُرهص بالنحس والشؤم من العدد 13، ابتداءً من البند الثالث عشر الأكثر جوراً في شريعة حمورابي (الحي يسترد حقه من الميت مرفوعاً للضعف الخامس!)، ومروراً بـ “رجل القرى”-يهوذا الإسخريوطي التلميذ الثالث عشر الذي وشى بالمسيح، وانتهاءً بالقفز عن تدوين الطابق الثالث عشر في مصاعد البنايات الشاهقة وطوابقها. قد “ترعب” رام الله الشقراء، البعض، وحقَّ لها ذلك، وقد تنضاف أجزاء الرواية الثلاثة عشر إلى قاموس علم النفس العيادي قريباً، لكن مائة وعامين من رهاب العدد 13 قد أضيف إليهما، بلا شك، سبب وجيه آخر لقبول هذا الرهاب مرضاً معترفاً به في جمعية علماء النفس العيادي!

ضمير الناقد

قال درويش، مرةً، “لا قلب للحب.” ولو شاء التخصيص، لقال: “لا قلب للناقد حين يُحب،” ولو شاء الدقة أكثر لقال: “لا قلب للناقد حين يكره،” لكنه لم يكن يعرف الكره ولا العداوة، من وليام بتلر ييتس إلى رينيه شار، ولكنه كان صيَّاد قلوب يحيل العدو إلى خصم، ويحرص على تجميل سهامه بالريش سلفاً لتوزن القلوب بالريش قبل “حضرة معات.” أقول: لا قلب للنقد، ولا النقاد، في مختبر اللغة. لكن لغة المختبر النقدي تتهاوى أمام “الانتباه الجماعي” من شاكلة الملاحظة الأخيرة في شذرة “سيرك ثقافي” في رواية رام الله الشقراء: “عن تسميات الميادين والشوارع في رام الله إليكَ ملاحظاتي: اسم جورج حبش يُطلق على دوَّار في أفخم أحياء المدينة، ويطلق اسم أبو جهاد خليل الوزير ويحيى عيَّاش على شارعين يعبران مجمَّع وزارات سلطة أوسلو، وشارع إدوارد سعيد أصغر شارع في المدينة، وباتجاه واحد أيضاً!”

هنا، تقودنا الشوارع والتسميات، إلى شارع آخر باتجاه واحد، هو شارع فالتر بنيامين حين يصير النقد عبئاً على المنقود. ففي كتاب نادر، كتاب شذرات كرواية عباد يحيى الشذرية، لفالتر بنيامين، بعنوان:Einbahnstraße “شارع ذو اتجاه واحد (1928)،” يستدعي بنيامين تندُّر مارسيل بروست بالعدد 13، في مقدمة لشذرة تقارب أوجه الشبه بين الكتب والمومسات، وذلك مباشرة بعد انتهاء بنيامين للتو من شذرته: “تقنية الناقد في ثلاث عشرة أطروحة،” مؤدّاها:

الناقد صاحب استراتيجية في معركة الأدب.

مَن لا يمكنه أن ينحاز إلى هذه الطائفة أو تلك، عليه أن يصمت.

لا علاقة للناقد بمفسِّر الحقب الماضية للفن.

لا بد أن يتكلم النقد لغة الفنانين. ذلك أن مفهومات الندوة الأدبية هي شعارات، لا يدوي صخب المعركة إلا في الشعارات.

لا بد أن يُضّحَّى دائماً بالـ”قضية” لصالح فكر الطائفة إذا كانت القضية تستحق النضال من أجلها.

النقد قضية أخلاقية. إذا اخطأ غوته في معرفة من هو هولدرلين وكلايست وبتهوفن وجون بول، فهذا لا يتعلَّق بفهمه للفن، بل بأخلاقياته.

في نظر الناقد زملاؤه هم الذين يمثلون الهيئة العليا، لا الجمهور وليس الخلف قطعاً.

الخلف ينسى أو يمجِّد. أما الناقد فوحده الذي يحكم في وجه المؤلف.

يعني السجال تقويض كتاب في جمل قليلة، بقدر ما لا ندرس الكتاب، يكون ذلك أفضل. وحده من يقدر على التقويض، يقدر على النقد.

السجال الحقيقي يتناول كتاباً بلطف شديد كما يستعدُّ آكل لحم البشر لتناول طفل رضيع.

الولع بالفن أمر غريب عن الناقد. فالأثر الفني هو بين يديه السلاح الأبيض في معركة الأرواح.

فن الناقد في الصميم: صوغ شعارات من دون خيانة الأفكار. إن شعارات نقد منقوص تبيع الأفكار للموضة.

على الجمهور أن يتعرَّض باستمرار للحيف، ويشعر مع ذلك دائماً أن الناقد يمثله.

ضمير البلاغة

وللبلاغة ضميرها في حضرة غزة: “ليس لأحد أن يلقي تبعية وحشية الجلاد على الضحية، وليس لمجرم حرب أن يُشرِكَ ذوي ضحيته في إثم قتلها. وليس لأحد أن يلوم الضحية لأنها أخطأت مغادرة الهدف الذي أصابته القذيفة. ليس لأحد أن ينسى ليغفر. ليس لأحد أن يغفر لينسى. ليس لمن لم يكن شهيداً إلا الشهادة، وليس لمن لم يكن جانياً إلا ملاحقة الجناة. وليس لأحد، أن يدين المقاومة، أو أن يحذّر من انتصارها وهو يرجوه، أو يبتذل ذاته، مهما بلغ رأسماله السياسي وعلا كعب وثنه، بالخشية من محاذير الانتصار “حين تستبدلُ أصوليةٌ صِنوَها.” ليس لأحد أن يُعْمِلَ ذائقة النخبة المحرَجة في مكان المقاومة وميقاتها وكيفيتها، إذ ليست المقاومة سلعة ثقافية بتمويل مشترك، بل هي الثقافة العصية على التسليع لأنها انحياز الجميل للأجمل: إنها انحياز السماء لأيدي الشهداء التي ترفض الامتثال.. إنها انحياز عيون المؤمنين لدرب بيت الله الذي هدموه.. إنها انحياز اللاجئ لمكانه الأول.. إنها انحياز المقهورين في السجون لنور الصباح.. إنها انحياز الجوعى لصوت أمعائهم.. إنها انحياز الشجرة لأمها الأرض التي فارقتها، وأمنا.. إنها انحياز المعنى لقلب قائله وبوصلة الوصول. ليست إعادة ما قيل بالأمس، اليوم، إلا لتوكيد أنّ الدم العربي دم واحد، وأن الدم الفلسطيني دم واحد، وأن عدو الفلسطينيين والعرب والإنسانية عدو واحد: هو الاحتلال الصهيوني الذي لا يرعى في أحد إلاً ولا ذمة، إنه الوحش الذي عضَّته النازية بالأمس فاكتسب سعارها وتوحَّش ليعض ضحيته الفلسطينية اليوم، وهو كل من تواطأ مع العدو سراً أو علانيةً. وليس في إعادة ما قيل بالأمس، اليوم، إلا التوكيد على حق الفلسطينيين في المقاومة التي لا حدَّ لمديحها، ولا حد للحض على ممارستها، ولا حد لممارستها على كل الجبهات حتى وقف العدوان، ومحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وإحقاق الحق الفلسطيني. ولا حد للجريمة التي تصرخ حتى السماء في غزة: لا حد لفاشية العدو، ولا حد لانتقائية الضمير الإنساني، ولا حد لظلم إمبراطورية الحديد الأمريكية، ولا حد لوحشية قلعة النار الإسرائيلية، ولا حد لاعتذارات اللسان العربي… فلا ينبغي أن يكون ثمة من حد، إذاً، لدعم المقاومة وحمايتها والدفاع عن الحق في ممارستها حتى نتمكن من ممارسة الحياة. فطوبى للشهداء، وطوبى للحياة، وطوبى للمقاومة.”

ضمير الشاعر

في قصيدة مسجلة صوتياً، بعنوان (أ.ن.ت)، أعلن حسين البرغوثي، مرةً، ميلانكولياه الخاصة جرَّاء غزة وأحزان غزة، وتأمل في هرولة الغزيين (المربكة) لتشييع شهدائهم دوماً على عجل. تأمل فيهم، وفيها، وفي المقبرة. فقال: “ماذا نقدم للمقبرة، ونعلم أن الطريقَ إليها طريقٌ لنخرج منها خروج الإلهْ، ليست يد التذبيح أقوى من سيول الحياةْ.” وفي العام 1973، وبعد أربع سنوات من احتلال كامل فلسطين التاريخية في العام 1967 وغزة، كتب محمود درويش نصاً لافتاً، بعنوان: “صمت من أجل غزة،” نص جوهراني حول “موضوع” جوهراني، ويا ما كتب حول غزة وما فيها ومن فيها. لكنه في مقابلة نادرة سجَّل ميلانكوليا “الرجوع” الذي “لا عودة” فيه إلى غزة، وأكَّد أن “العودة الحقيقية إنما تكون إلى بر(وة) الجليل، لا إلى بر غزة… لكنه استدرك في وصفها، ووصف أهلها، بضمير الحاضر وضمير الشاعر، فقال: “… شعب غزة شعب البأس والبؤس، الذي يتعرضون له نتيجة الاحتلال، فإن عندهم بأس إرادة تؤهلهم بأن يدحروا الاحتلال. وأهل غزة من أطيب الناس، ومن أصلب الناس، ومن أعذب الناس أيضاً. إن فيهم النار والماء، إن فيهم الصحراء والبحر، فيهم الجبل وفيهم النهر، وفيهم كل الصفات التي تؤهلهم لأن يعدونا بأن في وسعهم أن ينتصروا.”

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018