غسان كنفاني وما تبقى لنا ../ توفيق عبد الفتاح

غسان كنفاني وما تبقى لنا ../ توفيق عبد الفتاح


- جدارية في مخيم الجلزون/ تصميم حافظ عُمر -

ربما لن تكون هذه المرة ذكرى كنفاني المتقدة بالمفخرة والحزن والاسى معا، لتختلف كثيرا عن واحدة والاربعين السابقة، من الشعور بالذنب والاحساس بالعار والخجل امام المصير..الا بقدر ما تطغى الفجائع المستديمة التي تلف الامة من محيطها الى خليجها من جهة..ومن ربيعها المضطرب مرورا بتنوع فصولها ومناخاتها حتى شتائها العاصف من جهة اخرى..لكنهاقد تكون البدايات لقرع وتحطيم الخزانات، لكنربما لن يكون صداها كطبول الموت القادم من بعيد بل صدى التمرد والامل و الحرية نحو المستقبل ..

لقد عاش كنفاني 36 عاما غا رقا في فلسطينيته وهموم الشتات حتى نخاع المخيموصميم الحرية حتى الشهادة، بعدما ان دعى للانتقال من وعائه الى واقع البندقية داعيا لقهر الهوان والركون والعجز نحو العمل والارادة الفاعلة

هواجس  كنفاني وقلقه المستديم انعكست في رواية"ما تبقى لكم" كما في مجمل اعماله الروائية وربما اكثرها في "رجال في الشمس"وما حملت من ادانة الهوان والشعور بالعجز والموت المجاني التي تجلت بصرخته الشهيرة "لماذا لم تدقوا جدران الخزان،" وكما تجلت بصورتها الثائرة في رواية "ما تبقى لكم" التي كادت ان تكون الملحمة وهو يدعو الشعب الفلسطيني عندما دفع"حامد" للتخلص من الشعور بالعجز والعار، والاحساس بالخجل والحياء امام المصير، بعدما  اطلق صرخة الادانة جراء الشعور بالهوان والموت المجاني "لابطال" رجال في الشمس-الاموات سلفا- وما حملت من دلالات القنوط والركون، والذين لم يقووا حتى على قرع جدران الخزان لتتفحم اجسادهم ويلقى بهم بالصحراء حيث لم يفت ابو الخيزران" من تفتيش جيوبهم ليجد شيئا من المال.

وينتقل كنفاني الى حامد في رواية ما تبقى لكم الذي دفعه واراده ان يتمرد ويندفع للتخلص من الهوان، للتطهر من" النجس والعار" ويتخلص من قيده ليكتشف ارادته ويكتشف ذاته الكامنة.

في "ما تبقى لكم"..مريم تفقد الأب وتنزح الام، والخالة تبتعد.. وتبقى مريم واخاها حامد في حالة ضياع وعجز ولا قيمة ومعنى لوجودهما.. وحيدين أمام صلف الاحتلال الذي أفقدت الناس صلاتهم الحميمية، وتواجه مريم حالة من الافتراس الجسدي.. يفترسها الساقط زكريا تحت ضغط الحاجةالجسدية، وتواجه حملها غير المشروع تحت وطأة الشرع والتقاليد وسنها المتقدم، وتنتقل بها الظروف الى مستنقع الرذيلة النتن.. مستنقع زكريا  الخائن والمتعاون مع اجهزة الاحتلال والذي يشي بالفدائي ويكون سببا في قتله..

لكن بعد كل ذلك الهوان ينطلق حامد متحديا القيود قاصدا أمه النازحة شرق النهر فيشق الصحراء من غزة الى بئر السبع في الطريق الى الأردن.

ولكن صحراء النقب ليست كصحراء الخليج.. بل رمال لها رائحة وطعما اخر فهي الأرض والوطن، وتتهيأ ظروف تدفع به لعناق هذه الرمال ويحس بنبضها وحرارتها  فتبعث فيه حالة ساحرة من العشق.. وينفض من روحه العجز.. وينزع الخوف من داخله وينتفض على القيد.. وحين يجد نفسه وجها لوجه مع جندي صهيوني.. تشتعل فيه حالة المواجهة.. ويشل من داخله دقات التردد.. وكأنما يكتشف ذاته.. وللمرة الاولى في حياته يشعر بوجوده .. فيواجه وفي اللحظة ذاتها تبدأ مريم تحس بالتغيير وبدقات في عروقها تجافي الخوف والعجز والتردد.. فتنتزع السكين وتغرسها في صدر زكريا الخائن.. وتخلص نفسها من حالة الغرق في مستنقع الرذيلة وتنتشل ذاتها الى حالة الخلاص والإنقاذ والإحساس بالوجود..فانها عروق غير منقطعة.. بل هي متصلة بين حامد ومريم..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018