ثنائيات.. / خالد بركات

ثنائيات.. / خالد بركات


1

لأن خُيوط الواقع مُتشابكة جدًا، ولا تأتي حسبَ مِزاجه، ولا على هَواه، يستسهل البعض طريق الوهم والجهل والتيه والهبل. ويظن الأخ واهمًا وعاجزاً أن تغيير الواقع، مثل تغيير البنطلون! وهكذا، تحول إلى ناطق رسمي باسم الحقيقة والواقع. هو يعترف أنه لم يدخل دمشق، ولا مرة واحدة، لكنه يتحدث عنها، وكأنه شيدها، ويعرفها حجرًا حجرًا.
غبي ومؤمن وبريء!

2

نعم، بوسعك دائمًا، دائما، إقناع فقير بائس أنه سيدخل الجنة حتما، لكن كيف تقنعه أنه يشبع إذا توهم رغيفا من الخبز والكباب؟ قد يصدقك ساعة واحدة، لكنه إنسان، له معدة مثل كل الأغنياء، له بنكرياس حقيقي، له أسنان، ولسان، والجوع له "وجهة نظر" يفرضها في نهاية المطاف، وقد يأكلك!

3

عقلك الصغير، لا يتسع الآن، إلا للثنائيات الجاهزة والسهلة والهبلة، هذه تلائم جهلك تمامًا. تلائم النظام والمعارضة في آن واحد. وكلاهما يلقنك الدرس اليومي في "علم الثنائيات" الشر المطلق والخير المطلق، ويزرع الدليل الكاذب صورة "الواقع" المتوهم في رأسك، لأنه لا يريدك أن تسأل: أما من طريق آخر؟ لكنك لا تسأل، أنت تصدق وفقط، لا تناقش، تصدق ولا تقرأ، وتصدق ولا تبحث، ولا تحاور، أنت لا تشك، لأن الشيخ قال لك لا تشك. أنت صورة مطابقة تماما لضيوف برنامج "الاتجاه المعاكس"
أنت لقطة..

4

ثنائيات..
وتقول لكل عابر سبيل: هل أنت معي أم ضدي؟
جورج بوش الصغير يسكنك.. ديكتاتور يربض بين ضلوعك. لم تعد تعرف كيف تفكر خارج نطاق الثنائيات:
هل أنت إخوان؟ أم مع الجنرال عبد الفتاح السيسي؟ فتح يعني إنت ضد حماس، حماس يعني ضد فتح؟ هل أنت مع النظام أم مع المعارضة؟ المعارضة أم مع النظام ؟ أنت مسلم أم مسيحي؟ سني أم شيعي؟ عقلك الصغير البائس لا يعرف إلا هذه الثنائيات الجاهزة. فلا تترك جهلك يحولك إلى قاتل وعنصري، وجندي جاهز في معركة خاسرة سلفا. لا أحد ينتصر على شقيقه يا جاهل. إن "غريزة" القتل والعنصرية والطائفية لا تأتي من السماء، ولا من الطبيعة، بل تنمو هذه الكراهية من رحم الفقر، ومن الشعور الطاغي بالظلم والألم وأنا أعرف أنك تتألم.
ربما عليك أن تعود إلى البديهيات الأولى، وتترك الثنائيات الجاهزة.. عد للوصايا، فلا تظلم، و لا تكذب، لا تسرق، لا تقتل....

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية