غونتر غراس: ساخرٌ بين الأنقاض

غونتر غراس: ساخرٌ بين الأنقاض
غونتر غراس

يسمّي الألمان سنة 1945 بـ 'السنة الصفر' Jahre Null. إنه تعبير ابتدعه مَن شهد سقوط الرايخ الثالث، كوصف لألمانيا التي خلّفتها عاصفة الحرب العالمية الثانية. كانت عبارة عن أنقاض، وكان على الأجيال التي حضرت الكارثة، أن تدفع فاتورة الحرب في المستقبل المنظور، من دون أن تلتفت إلى الخلف حيث أحلام المجد المنهار والشعور بالذنب.

طوال عقد ونصف، بعد 'السنة الصفر'، كانت ألمانيا عبارة عن ورشة كبيرة فوق الأنقاض؛ أنقاض المؤسسات والمباني والأفكار وحتى اللغة. وعلى أكتاف الأدباء والفنانين ألقيت مسؤولية ترميم الدمار الروحي الذي عصف بشعبهم.

في البداية، كان هذا التحدي مشروعاً بادر به كبار أسماء الأدب والفن الألمان وقتها، مثل توماس مان وبرتولد بريشت وهرمان هيس.

لكن مشعله سينتقل إلى أول أجيال ما بعد الحرب، فقد كان لا بدّ من جيل جديد متصالح مع الواقع كما هو، جيلٍ يطرح فكرة النهوض والتطوير بما هو متاح، ويكتب برؤية جديدة ولغة جديدة.

منذ أن انقشعت قليلاً ذكريات الحرب، ظهرت مجموعة من الأسماء سرعان ما تكتلت في عدة جماعات أدبية، أهمها 'جماعة 47'، وهي مجموعة من الأدباء الشباب الذين اندفعوا ضمن هذه الروح، وعقدوا الاجتماعات الأدبية في الصالونات، تماماً كما كان يفعل عظماء عصر الأنوار.

في أول بيان لهم، أعلنوا أنهم يطمحون إلى 'طرد مأساة الحرب من الذاكرة الجماعية الألمانية'. في هذا الإطار، ظهر طالبُ الفنون التشكيلية غونتر غراس، بدايةً من سنة 1955.

سرعان ما انتقلت عدوى الكتابة إليه، فقدّم محاولات مبعثرة. بدأ شاعراً وكاتب مسرحيّات، لكنه لم يلفت الانتباه بأعماله بل بخوضه نقاشات في الصالونات بعيداً عن لغة الأدب. روحه هذه تبلورت في البيانات التي تتالت لـ 'جماعة 47'.

ولكي نفهم غراس اللّاحق، الذي بدا وكأنه وجد منذ أول أعماله الروائية، لغة جاهزة وعلى المقاس الشخصي والمنتظر جماهيرياً، علينا أن نتتبّع تطور رؤية 'جماعة 47'.

في بداية الخمسينيات، كتب رالف شنوره 'مطلبي هو الاجتهاد من أجل إيجاد لغة نقية خالية من المفردات التي تخص الماضي'. في حين توجّه صحافي إلى الأدباء قائلاً: 'لا تخافوا من أن تصبحوا مهرّجين إذا كانت تلك هي الطريقة التي تخدم الشعب'، مشيراً إلى الخوف الذي يسكن بعض الشبان من ألا يستطيعوا الكتابة في المستوى الكلاسيكي. كانت دفعة قوية لغراس.

في هذه السنوات، تبلورت المدارس والتيارات الأدبية في ألمانيا، ولم تكن تنتظر سوى من يصوغها أدبياً في شكل أعمال فنية. ومع مرور أكثر من عقد منذ 'السنة الصفر'، أخذ النقاد يتحسّسون ما دعوه بـNachkriegsliteratur أي أدب ما بعد الحرب.

ومع قطع مسافة عشر سنوات أخرى، سيهيمن على هذا الأدب الجديد تيار خاص سيعرف بـ 'أدب الأنقاض'، وهو التيار الألماني الوحيد الذي صنع نجوماً أبرزهم غونتر غراس وهانريش بول، اللذان حاز كلاهما جائزة نوبل.

تظل رواية غراس الأولى 'الطبل' (1959) عمله الأمتن في مشواره، والعلامة الأبرز في أدب الأنقاض عموماً. ففي ضربة (حظ) أولى، استطاع أن يجمع الملحمية مع اللغة البسيطة، وفي الخلفية مأساة الشعب الألماني وعظمته.

بفضل قراءة جزء من روايته هذه، وهو على قيد الاشتغال عليها، تمكن عام 1957 من حصد جائزة خصّص قيمتها المالية للتفرّغ لاستكمال عمله في باريس، حيث انفتح على منجز تيار 'الرواية الجديدة'، آخر صيحات الأدب وقتها.

بعد سنتين، نشر رواية 'القط والفأر'، أعقبها برواية 'سنوات الكلب'. هذه الروايات تقرأ اليوم كثلاثية تسمى 'ثلاثية دانتزيش' (مسقط رأسه، الذي أصبح تابعاً لبولندا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية). هذا التراكم جعل النقاد ينتبهون إلى غراس بسرعة، وخصوصاً إلى خطواته المدروسة.

أجبرته النجومية الأدبية التي حققها أن يتوقف بعض الوقت عن الكتابة. لم يتصوّر أحد، آنذاك، أنه قد أنجز أعماله الكبرى التي لن يتجاوزها أبداً. غراس، من جهته، استثمر نجاحاته الأدبية في عالم السياسة، ضمن حزب الاشتراكيين الديمقراطيين الذي حكم ألمانيا في السبعينيات. هذا المجد الأدبي أدخله بسلاسة في أجندة الأدب العالمي.

ولعله استفاد من منظومة أدبية عالمية هي جزء من نظام عالمي، وجدت فيه تمثيلاً مناسباً لصورة ألمانيا التي يريدها العالم، فغراس كان متصالحاً مع الآخر ومندمجاً فيه (يفسّر ذلك بأصوله البولندية، وكون أبيه بروتستانتياً وأمه كاثوليكية)، وأدبه حامل لنبرة الشعور بالذنب (انتمى غراس في مراهقته للشبيبة الهتلرية) الذي ظل يفرضه العالم الجديد على ألمانيا.

ضمن نجوميته الأدبية، جاب غراس العالم وتأثرت كتاباته بالنزعة اليسارية والحقوقية، التي لم تعجب الصحافة الأدبية في ألمانيا التي اعتبرته 'لم يعد يهتم بألمانيا'، وبعضهم قال 'لم يعد يحب ألمانيا'، أو صنّف في خانة 'فشل كاتب كبير'.

حين ترسّخت هذه الرؤية النقدية تجاهه، جاءته نوبل سنة 1999، هنا انقلب كل شيء لصالحه، حتى الأصوات الناقدة في الداخل وجدت نفسها متناقضة مع نغمة التمجيد العالمي التي وضعت غراس في مرتبة 'فخر الألمان الجديد'.

لكن لجنة نوبل ذاتها منحته الجائزة من أجل أعمال الستينيات التي 'رسم فيها وجهاً مأساوياً من التاريخ المعاصر في مشاهد من الضحك الأسود'، كما جاء في تقريرها. وبفضل هذه اللفتة، عرفت أعماله الجديدة مقروئية مرتفعة، استفاد منها عمله 'مئويتي' الذي ظهر في العام نفسه وبدا واضحاً أنه قد تركه لسنوات على الرفّ، وكأنه يعلم بأنه من دون حصوله على نوبل لن يكون له أي وقع على القراء. ثم حين خفتت من حوله الأضواء من جديد، لفت الانتباه إليه في شهر يناير/كانون الثاني 2014 بإعلان تقاعده الأدبي.

إن متابع أدب غراس يلاحظ مجموعة من التقطّعات والقطائع (جمع قطيعة) التي عرفتها مسيرته. ونحن اليوم، حين نضمّ غراس إلى تيار أدب 'الأنقاض'، نفعل ذلك بناءً على رواياته الأساسية (روايات الستينيات).

إلا أن الكاتب الألماني يصر دائماً على أخذ مسافة عن بقية رفاقه في هذا التيّار. يحب غراس أن يصف النقاد أدبه بالكونية، وهو الذي شحن أعماله بعفوية قصوى وتشكيك مستمر في كل القناعات، بحيث أصبح يرى في التصنيفات أقفاصاً لمنجزه.

لقد أضاف للرواية الألمانية والرواية العالمية لون الباروك الذي هجره الأدب، وجاء بالسخرية الحادة في موضع المأساة. ولعل عبقرية غراس تكمن في السيطرة على هذا التنافر، وتحكّمه المطلق في النشاز والفوضى، اللذين جسّدهما في أبطال مشوَّهين لكنهم مؤثرون في ما حولهم. لقد انحاز غراس للهامشي في هذا العالم، وأدان تتفيه الشر في تاريخ متوحش.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية