علي سالم... كاتبٌ ذبح نفسَه وموهبته/ معن البياري

علي سالم... كاتبٌ ذبح نفسَه وموهبته/ معن البياري
علي سالم

أَصابني شيء من الزهو، لمّا قدمني عبد العزيز شرف، رحمه الله، إلى نجيب محفوظ، في "الأهرام"، فرحّب بي الكاتب الكبير (لم يكن قد نال "نوبل" بعد)، ودعاني إلى مجلسه بعد يومين في "قصر النيل". ولمّا ذهبتُ إلى هناك، كنت أود لو أحظى بالجلوس مع محفوظ وحدَه، غير أنني صادفتُ أربعةً معه، وعرّفني بهم، كانوا يدردشون كيفما اتفق. جلست معهم وقتاً، ثم شعرت بشيءٍ من الغربة بينهم، فاستأذنتُ بالانصراف، وكنتُ في عامي العشرين. لا أتذكّر من الأربعة إلا واحداً، هو علي سالم. كان مرحاً والأكثر حديثاً والأعلى صوتاً. لم أكن أعرف عنه سوى أنه ساداتي، ونصير كامب ديفيد، وكاتب "مدرسة المشاغبين". لم يكن قد مضى إلى تطرّفه المشهود في التطبيع مع إسرائيل، وفي نعتِ المقاومين الفلسطينيين بالإرهاب. كأنه كان ينتظر قفزة "أوسلو"، حتى يذهب في ولعه بالإسرائيليين إلى المرتبة المهولة التي مات، الثلاثاء الماضي، وهو مقيمٌ عليها. كأن "أوسلو" التأشيرة التي احتاجها لبدء رحلاته إلى إسرائيل، وقد قام بأولاها بسيارته، ونشر عنها كتاباً يفيض بانبهاره بالدولة العبرية، وبمنسوبٍ عالٍ من البله، وبحكاياتٍ تُحزنك بشأن كاتبها.

محزنٌ أيضاً في علي سالم أنه موهبةٌ كبرى في المسرح وفن السخرية والكوميديا، لكنه آذى نفسه وظلمها، عندما آثر الانتحار والإقامة في السفه التطبيعي الذي صار علامةً دالةً على شخصه، ويُشيح الأبصار عن نصوصه البارعة في الهجاء والإضحاك، بل وفي التجريب الإبداعي نفسه، وفي تنوّع موضوعاتها وقضاياها. لا يمكن الالتفاتُ إلى شيء من هذا كله، وصاحبُه صديق إسرائيل بدأبٍ لم ينقطع، ولم يُجر بشأنه أيَّ مراجعة وإعادة نظر، وقد ارتكبت إسرائيل جرائم لا عد لها منذ "كامب ديفيد". كان في وسع مؤرخي الفكاهة وأعلام الظرافة في مصر أن يضعوا علي سالم مع عبد العزيز البشري وحافظ إبراهيم ومأمون الشناوي ويعقوب صنوع وعبد الرحمن الخميسي ومحمود السعدني وغيرهم، ومع السوري محمد الماغوط والتركي عزيز نسين أيضاً، وربما جازت مماثلته بالفرنسي موليير، لكنها "الدمغة" الإسرائيلية في شخصه، تجعل هذا الأمر عسيراً. يستحيل أن ترى علي سالم كاتباً مسرحياً كبيراً، وصانع بهجة عتيداً في المسرح المصري، التجاري والعام، سنواتٍ، من دون أن تتقدّم صورتُه، ليس مطبّعاً مع إسرائيل فحسب، بل أيضاً، عنصرياً مقيتاً في نصرتها. هل يمكن الجهر، مثلاً، بأن علي سالم، بين الكتاب العرب، من أهم "منظّري" النكتة وشرّاح أصولها، وتعيين لوازم الإضحاك في الكوميديا؟ هل يجوز خلع هذا الثناء المحق عليه، وهو من هو في إسرائيليته البغيضة؟

لا يعتدّ علي سالم بمسرحية مدرسة المشاغبين، كما شاهدها الملايين، ولم يكن يستحسن الحديث معه بشأنها، لأنّ عرضها أخلّ بها، على ما كان يقول. وهي، على أي حال، ليست أفضل نتاجه، فلديه من بين أزيد من خمسٍ وعشرين مسرحية، عُرضت أولاها قبل خمسين عاماً، أعمال لافتة، إنْ في تجريبيّة بعضها، الفانتازي المنحى، أو في الهجاء السياسي والاجتماعي في أعمالٍ أخرى. وفي البال أن أنور السادات لم يحتمل نجاحاً جماهيرياً لمسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب"، فأمر بوقف عروضها، وهي التي تسخر من أساليب الحكم في بلدان عربية وعالمثالثية. وفي "أغنية على الممر" التي اشتهر فيلم علي عبد الخالق عنها (1972)، كان علي سالم حاذقاً في التعبير عن جوانيات الجنود وتوترهم وأحلامهم في الحرب، كما تمثلها بعد 1967.

كان عجيباً أن يُغدق بعض من نعوا علي سالم عليه وصفه مثقفاً حرّاً، شجاعاً في التعبير عن قناعاته، فالصحيح أنه في مكابرته تلك كان يذبح نفسه. والأَوْلى أن يذكّر هؤلاء بالبديع في مسرحه الغزير، لمّا كان وفياً للبهجة والكوميديا، وليس لمّا تعامى عن القتلة الذين كرّموه واحتفوا به. كتب مرة: سيظل الناس في حاجةٍ إلى شارلي شابلن، وليس إلى جيفارا. ... لم يكن مطلوباً من علي سالم أن يكون جيفارا، بل أن ينقذ نفسه من نفسه. 

(معن البياري هو كاتب من الأردن ورئيس قسم الرأي في صحيفة  "العربي الجديد")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018