بيت السناري... حيث تحفظ الأصالة

بيت السناري... حيث تحفظ الأصالة

شهد القرنان السابع والثامن الهجريان ازدهارًا كبيرًا للفنون الإسلامية، حتى أنها أصبحت من أكثر الفنون في العالم انتشارًا وأطولها عمرًا، كما أنها تنوّعت واختلفت، فهناك فنون العمارة التي تنوّعت في مواد البناء وفي خامات المواد التي تُكسى بها الجدران والزخارف الهندسية والنباتية التي تزينها، وكذلك التحف التي اختلفت في طرق صناعتها ومناهج أدائها وأساليب زخرفتها والألوان المفضّلة.

وهناك أيضا الفنون الزخرفية، سواء أكان ذلك تذهيب المخطوطات وتزيينها بالأصباغ الزخرفية البراقة أو تزيينها بالنقوش والتصاوير، أو في صناعة المنسوجات والسجاجيد النفيسة، أم في إنتاج الخزف والتحف المعدنية والزجاجية والخشبية والعاجية، أم في نحت الصور والزخارف على الحجر والجص، أم في تأليف النقوش والرسوم في الفسيفساء.

ظلت الفنون الإسلامية باقية حتى الآن، متمثلة في العمارات الإسلامية المختلفة كالمساجد والبيوت والوكالات والخانات والسبل وغيرها، وكذلك الفنون الزخرفية المختلفة محفوظة في دور الآثار، شاهدة على عظمة الحضارة الإسلامية وعلى دقة ومهارة الفنان والصانع العربي. وبقيت الفنون الإسلامية مصدر إلهام للفنان في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي، وفي مدنه الشهيرة مثل: بخارى، وطشقند وسمرقند وأصفهان وتيريز ومرو وإسطنبول وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان ومراكش وقرطبة وإشبيلية وطليطلة، وغيرها العديد من المدن الإسلامية، فظل الفنان يستوحي منها أشكالها المختلفة أحيانًا ويقلدها أحيانًا أخرى، وكانت نتيجة ذلك أن حفظت الفنون الإسلامية إلى يومنا هذا ليقف العالم على عظمة وأصالة هذه الفنون.

عبق التاريخ

وفي القاهرة يوجد "بيت السناري" بجوار الآثار الإسلامية الخالدة، يحفظ جزءًا مهمًا من هذه الفنون الأصيلة وهي الفنون الزخرفية، وداخل هذا المنزل يفوح عبق التاريخ، وسط حركة الصناع المهرة الذين يحرسون التراث، ويعيدون إليه رونقه مرة أخرى.

وعن بيت الفن والسناري، وتاريخه، وسبب اختياره ليكون معهدًا للحرف الأثرية، قال باني هذا المكان إبراهيم كتخدا السناري، ويرجع أصله إلى السودان وبالتحديد من دنقلة، أتى إلى القاهرة زمن دولة سلاطين المماليك وعمل في خدمتهم، واستطاع بنباهته وذكائه الحصول على لقب "كتخدا"، وهو منصب كمنصب المحافظ اليوم، ومن خلال منصبه استطاع أن يكوّن ثروة بنى منها هذا البيت على طراز إسلامي، حيث نظام العمارة الإسلامية المعروف والمشربيات المصنعة من الخرط.

والمنزل يحتوي على طابقين يوجد بكل طابق "فسقية" من الرخام، والفسقية التي بالدور العلوي ذات زخارف محفورة على الفسيفساء، وعند مجيء الحملة الفرنسية على مصر، استولى الفرنسيون على البيت وجعلوه مجمعًا علميًا لعلماء الحملة، وكان أحد علماء هذه الحملة المسيو مونج الذي سميت باسمه الحارة التي يقع بها البيت، وفي هذا البيت تم العمل على كتاب "وصف مصر"، الذي يعتبر من أهم نتائج الحملة الفرنسية على مصر والشام.

وبعد جلاء الحملة عن مصر، أصبح المنزل جزءًا من آثار مصر، وفي عام 1966 فكر المسؤولون عن الآثار الحفاظ على الحرف الأثرية القديمة والتي أوشكت على الانقراض فتم إنشاء معهد صغير، أقيم مكان الحديقة الملحقة بالبيت، يضم أربعة أقسام.. قسم النحت على الحجر، وقسم النجارة العربية، وقسم الجص المعشق بالزجاج الملون، وقسم الرخام.

وبعد ذلك مر المعهد بتطورات عديدة، فدعم قسم النجارة بأفرع مكملة له، مثل فرع الخرط العربي والمشربيات، والبرفانات، وفرع التطعيم بالصدف، والأويما، وأضيف للمعهد أيضًا قسم لزخرفة النحاس، وآخر للسجاد اليدوي، وأخيرًا قسم لدهانات الأسطر "الذي يعمل فيه الأسترجي".

نشاط المعهد

لا يقتصر دور المعهد على الحفاظ على الحرف الأثرية، بل يتعدى هذا الدور إلى القيام بترميم القطع الأثرية كالأبواب والشبابيك والمنابر والأثاث وغيرها، وهناك أماكن أثرية قام المعهد بعمل ترميمات بها، مثل بيت السحيمي، وزينب خاتون والهراوي، ومنبر مسجد قايتباي الرماح، والسيدة زينب.

عن قسم النحاس، أو النقش على المعادن، يقول مدير عام منطقة السيدة زينب والخليفة الأثرية، وجدي عباس، "يأتي النحاس عبارة عن ألواح رخام، يقوم القسم بتفصيلها على حساب المقاسات المطلوبة، ثم تنقش عليها الزخارف المختلفة، سواء كانت زخارف نباتية أو هندسية أو رسومات مختلفة كالمناظر الطبيعية أو مناظر لحيوانات، أو صور آدمية يتم نسخها من المتاحف، وهي جميعها مستوحاة من التراث الإسلامي".

وعن اقتناء هذه المنتجات عن طريق بيعها للزائرين، قال أحد الصناع بالمعهد، الأسطى محمد الشيخ، "إذا أعجب أحد الزوار أو السياح بأية قطعة أثرية في أحد المتاحف أو المساجد أو الكنائس أو البيوت أو الوكالات أو الحوانيت وأراد أن يقتني مثلها، يتم عمل نسخة له مثل النسخة الأصلية تمامًا، وهناك منافذ مختلفة لبيع المستنسخات الأثرية توجد في معارض بالأماكن الأثرية والمزارات السياحية".

اقرأ/ي أيضًا | أزمة تأريخ ومؤرخين تهدد العالم العربي

وعن كيفية إعداد الصانع أو الفنان في بيت السناري، قال رئيس قسم النجارة بالمعهد، الأسطي سعيد الجوهري، إن "الصناعات التي يقوم بها المعهد هي صناعات قديمة، كان الصانع القديم يحتكرها ولا يعلمها إلا لأبنائه، ومنذ إنشاء المعهد كان المسؤولون على إدارته يأتون بالصبية الذين لا تتجاوز أعمارهم اثنتي عشرة سنة من أصحاف الموهبة والرغبة، وبعد مضي عام على التحاق الصبي بالمعهد، يتم عمل اختبار له حتى نقف على مدى الخبرة التي اكتسبها، ويقوم المعهد بالاعتناء بالصبي وإعطائه أجرًا مجزيًا، وذلك لتشجيعه على العمل واكتساب الخبرات والمهارة، حتى يشب الصبي على حب العمل، ويصبح صانعًا ماهرًا وفنانًا أصيلًا مبدعًا، وبعد ذلك يتولى بدوره تدريب الفتية الصغار الذين يلتحقون بالمعهد.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص