عندما يلتقي هشام جعيط وعزمي بشارة

عندما يلتقي هشام جعيط وعزمي بشارة

لا يزال مثقفون كبار يؤمنون بأن ما حصل في تونس قبل ست سنوات كان ثورةً، وليس مجرد انتفاضة عابرة. وأن الصعوبات التي لا تزال تتخبّط فيها البلاد، على الصعيدين، الاقتصادي والاجتماعي، مسألة جدية، ولكنها ليست كافيةً للطعن في شرعية (ومشروعية) ذلك الحدث الكبير الذي شهدته تونس، عندما أطاح المواطنون حكم المستبد غير العادل، زين العابدين بن علي. 

في ندوةٍ نظمت في العاصمة التونسية، بالاشتراك بين مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قدم مفكران من الحجم الكبير شهادتين تتمتعان بالعمق والمصداقية. 

المؤرخ العميق هشام جعيط، الذي استقطب الأنظار منذ صدور الطبعة الأولى عام 1984 لكتابه "الشخصية العربية الإسلامية". وعلى الرغم من تقدمه في السن، إلا أنه لا يزال يثير الجدل بتأملاته الهادئة ومواقفه الجريئة تجاه ما يحدث ويستحق التعليق. استعرض، في مداخلته، تاريخ الانتفاضات والثورات، سواء في العالم العربي والإسلامي، حيث توقف عند ما سماها الثورة العباسية، أو في العالم. وبعد رحلةٍ جميلةٍ في تاريخ الثورات، خلص إلى القول إن ما حصل في تونس ثورةٌ بالمعنى الحقيقي للمصطلح، لأنها أطاحت دكتاتورية بأقل ما يمكن من العنف. وأضاف أن هذه الثورة تمركزت حول فكرة الحرية، وهو أمر لم يحدث منذ استقلال تونس وحتى قبل ذلك التاريخ. كما أن العالم العربي لم يعرف في ماضيه كيف يقيم نظاماً ديمقراطيا، وكيف يرسّخ قيمة الحرية داخل مجاليه، السياسي والثقافي. وبشأن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة هو واثق من أنها ظرفية، وأن التونسيين سيتمكّنون من معالجتها، فالمهم، من وجهة نظره، أن تونس انتقلت إلى المجال الديمقراطي بدون عنف واسع النطاق، وأن توافقاً عريضاً أنجزته النخب حول مبدأ ترسيخ الحريات، فهشام جعيط يعتقد أن المدخل السياسي هو الأهم في الثورات التي نجحت. 

أدلى بالشهادة الثانية الدكتور عزمي بشارة الذي يتمتع بثقافةٍ موسوعيةٍ، مكّنته من التحليق عاليا، ومنحته القدرة على التحليل والاستقراء وخوض المغامرات الفكرية الكبرى. لهذا، لم يتردّد، منذ اللحظات الأولى لانطلاق الاحتجاجات في تونس، في التأكيد على أن ما يحصل ميدانياً هو ثورة بدأت بشرارة اجتماعية، ثم تحولت إلى ثورة سياسية. وعندما قارن بين الحالتين، التونسية والمصرية، قال بشارة إن المصريين فشلوا في مسألتين، نجحت فيهما النخبة التونسية. الأولى عندما اعتقد الجيش المصري أنه أب البلاد المصرية، وأنه الوصي عليها، فتدخّل وأوقف المسار الانتقالي. الثانية عندما رفضت النخبة المصرية آليات الوفاق لإنجاح الانتقال السياسي، حتى لو أدى ذلك إلى التحالف مع النظام القديم من أجل إسقاط الثورة. 

والتقى عزمي بشارة مع هشام جعيط حول القول بأهمية ما حققته الثورة التونسية في مجال الحريات، مشيرا إلى السياق التاريخي، حيث أوضح أن الحالة الليبرالية لم تكن مرتبطةً بالديمقراطية، أي أن الليبرالية لا تنتج بالضرورة حرياتٍ، وإنما حصل ذلك الترابط القائم اليوم بين الديمقراطية والحرية بفضل التراكم التاريخي الذي استمر 150 عاماً. وهنا يكمن التحدّي، إذ يقول بشارة إن العرب مطالبون اليوم بإقامة أنظمة ديمقراطية في فترات زمنية وجيزة، تستوعب جميع القيم التي تطلب تحقيقها فترات طويلة لدى المجتمعات الغربية، والتي توصلت إلى ذلك بعد مخاضٍ صعب ومؤلم. ولن يتحقق هذا الإنجاز، من وجهة نظره، إلا عندما تحمل النخب ثقافةً ديمقراطيةً عميقة، وألّا تخون هذه النخب مجتمعاتها، سواء على المستوى النظري أو في مستوى الممارسة. 

يكتسب هذا النقاش أهميةً خاصة، لأنه يتنزل في سياقٍ يطغى عليه اليوم الشك والريبة واضطراب المواقف وتردّد المثقفين الحقيقيين، بل واستعداد بعضٍ من هؤلاء التخلي عن قناعاتهم السابقة ورهانات كثيرين منهم. فالسياسي قد يجد المبرّر لينقلب من النقيض إلى النقيض، لكن المفكر الصادق مع نفسه لا يجوز له أن تختلط عليه الألوان، وأن يحوّل الحق إلى باطل والباطل إلى أوهام.

("العربي الجديد")

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019