اسمحوا لي أن أدعوكم للقراءة

اسمحوا لي أن أدعوكم للقراءة

أستطيع القول إن أحد أسباب العنف في مجتمعنا هو قلة المطالعة، فهي ملاذ جميل ومفيد لصرف الوقت بعيدا عن الناس والمشاكل والاحتكاكات، ثم أنها تثري الفكر والإدراك والنفس، وهذا بحد ذاته يمنحنا إنسانا مسالما وأكثر وأعمق تفكيرا وترويا في تعامله مع الآخرين، لأنه يرى الأمور بمنظار أوسع يجعله أكثر تقبلا للآخر ويجد الطرق الأصلح للتواصل مع مجتمعه، بعيدا عن التقولب والتعلّب والانغلاق بأشكاله كافة.

أقرأ حاليا عدة كتب، استعرت بعضها من مكتبة مجد الكروم العامة، وهي مكتبة ثرية فيها آلاف الكتب في مختلف المجالات، هذه عادتي في القراءة بحيث إذا مللت من كتاب انتقلت إلى الآخر.

قطعت شوطا جيدا في رواية التركية أليف شافاق الصادرة عن دار الآداب-بيروت، وهي رواية تتحدث عن أسرة أرمنية تركية هاجرت إلى أميركا، ومن خلال سرد فني اجتماعي ممتع عن العلاقات بين الناس سواء في أميركا التي تعيش الأسرة فيها أو عن البلد الأصلي تركيا، تدخلك إلى الحياة اليومية لأسرة أرمنية تركية بعاداتها وتقاليدها، وتتطرق من خلالها على لسان إحدى شخصياتها عن تأثير مذبحة الأرمن على العائلة وإسقاطاتها النفسية والفكرية على الأسرة.

تعرضت الكاتبة بسبب هذه اللفتة للتحقيق والاعتقال ورفعت ضدها دعوى تشهير بالقومية التركية ولكن في النهاية برئت ساحتها.

رواية العصيان للإيطالي ألبرتو مورافيا الحائز على نوبل في الآداب، وهي رواية تتحدث عن فتى مراهق، تدخل في عالم المراهق فتفكك نفسيته ومغامراته وأفكاره واضطراباته وما قد يؤثر عليه من روائح وكلمات وتصرفات ومظاهر، وبداية العلاقة الجنسية مع الجنس الآخر، رواية فيها متعة الاكتشاف، قراءتها تمنح شعورا بالكشف عن ما يخص عالم المراهق، وهي تعيد كل واحد منا إلى علاقته الأولى، ولكنها أيضا تعلمنا الحذر في التعامل مع أبنائنا من المراهقين، فتفكير المراهق مختلف وفيه تطرف في كل المواضيع المحيطة به ريثما ينضج أو تنضجه التجربة.

"ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية" للباحثة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي، كتاب قيّم جدا صادر عن المركز الثقافي العربي، دراسة اجتماعية بنية الأسرة المغربية وقصص حقيقية من المغرب، تتحدث عن تاريخ العلاقات الزوجية والجنس ومكانته ونظرة الدين له، عمل المرأة وطاعة الزوج أو التمرد عليه، الخيانات الزوجية والدعارة، الحموات ومشاكل الأزواج، العلاقة بين الدين والمعتقدات والعرف الاجتماعي والعلاقة بين الجنسين.

تقول الكاتبة في تظهيرها للكتاب "لا أهدف إلى تقديم عائلة مغربية مثالية للقارئ خالية من التناقضات تسودها الطمأنينة والسعادة كما أوهمتنا بذلك خرافات الطفولة وأحلام المراهقة، ولكنني أهدف إلى زعزعة طريقة فهمنا لعائلة مغربية راسخة البنى، فإذا تمكنت من تشكيك القارئ في معتقداته المسبقة وأنماطه الجاهزة حول دينامية الجنسين وأدوارهما وحثه على التفكير في أشكال جديدة للعلاقات بينهما، سأكون قد حققت نجاحًا أكبر مما كنت آمله". دراسة ممتعة ومثرية.

كتاب "النص المترابط" للناقد المغربي سعيد يقطين "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية (نحو كتابة عربية رقمية)". صادر عن المركز الثقافي العربي الرباط.

وهو كتاب يبحث في تحولات الكتابة ووسائطها من القلم إلى الآلة الكاتبة إلى جهاز الكمبيوتر، إلا أنه لا يتوقف عن وسائط الكتابة فقط، بل عن المضمون المتغيّر بتغير الوسائط، فيرى بالكتابة الرقمية هي كتابة المستقبل، ويقصد منها الكتابة بأساليب تعبير رقمية، أي تحويل النص نفسه إلى نصوص أدبية تتخلله روابط وصور وأفلام فيديوهات وغيرها من التقنيات الحديثة، بحيث يكون القارئ شريكا في إبداع النص، فلا تبقى النصوص في مجال اللغة وفنونها نفسها، بل تنفتح للتفاعل مع الفنون الأخرى مثل الرسم والموسيقى وعلوم تتصل بالإنسانيات والمعرفيات والذكاء الاصطناعي والرقميات والإعلام والتواصل.

في الشعر للدكتور حسام مصالحة من كفر قرع بعنوان "أنا والبحر".

الدكتور حسام مصالحة حاصل على الدكتوراه في البيوكيمياء من جامعة جوته في فرانكفورت ألمانيا وعلى بوست دكتوراه في معهد علم السموم من جامعة مكسيميليان في فيرتسبورغ في ألمانيا.

درّس في جامعة النجاح في نابلس لمدة عام، وانتقل للعمل كمسؤول أبحاث البيئة والزراعة والمياه في وزارة العلوم والتكنولوجيا في إسرائيل، حصل على شهادة ماجستير في السياسة والإدارة العامة من الجامعة العبرية في القدس وشغل منصب نائب العالم الرئيسي في وزارة العلوم. الدكتور حسام متقاعد ولكنه عاشق للغة العربية يكتب المقالة والشعر وناشط في جمعيات عدة.

نحن أمام شخصية علمية ونحاول أن نرى انعكاس العلوم في شعره، فهو يريدنا أن نتغير، أن نتقدم، أن نعيد القراءة من جديد.

عبثا تعيش العمر في زنزانة الماضي

حبيس طموح من ذهبوا

عبثية أوهام الشيوخ

واندفاعات الشباب

هذا الزمن

زمن القراءة من جديد

ومن القراءة من جديد

لما تراكم بين طيات الكتب

وقراءة النص الصريح

بدون تلفيق الأمور

ودون مسح الذكريات

زمن وآت

زمن اجتراح المعجزات

أعتقد أنها مجموعة أفكار تستحق المطالعة والتوقف عندها ومناقشتها، لا أتحدث عن المدى الذي بلغته شعرية الدكتور في البيوكيمياء، أتحدث عن أفكاره النيرة وهي عصارة تجربة علمية وإنسانية عريضة وغنية.

أخيرا كتاب "حقوق الأقليات وحمايتها في القانون الدولي" لمؤلفه بروفيسور ذيب عكاوي وإصدار مؤسسة الأسوار في عكا. بلا شك أن قضايا الأقليات تحتدم كما نرى إلى درجة تتحول فيها إلى مواجهات وأزمات إنسانية كما نرى في بورما وحال الأقلية المسلمة هناك، وها هم الأكراد في العراق والكاتالونيون في إسبانيا يطالبون بالانفصال، أما نحن كأقلية عربية فلسطينية في داخل إسرائيل فلنا حقوق يتيحها القانون الدولي العام ومن المفيد جدا أن نطلع على كتاب قيم مثل هذا.

هذه بعض الكتب التي أنصح بقراءتها، من بين عشرات أخرى حولي تنتظر القراءة.

قارئ هو أكثر وعيا بما يدور حوله وحتى بما يدور في نفسيات الناس بمختلف أعمارهم ومواقعهم، ولا شك أن القراءة تجعل منا أناسًا أكثر لطفًا وأقل عنفًا، فهي تهذب النفوس وتنظف الرؤوس من الأفكار المسبقة وتنعش الأرواح وتلهمنا على الكفاح وتعرّفنا بأننا لا نعرف سوى القليل، وعلينا بالتواضع الكثير أمام الدارسين والمؤلفين، وأمام وقائع الحياة المتشابكة والغنية والعميقة أكثر من تصوراتنا وأطرنا الضيقة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018