اغتصاب "عمارة يعقوبيان" / بقلم محمد عبود

اغتصاب "عمارة يعقوبيان" / بقلم محمد عبود

عمارة يعقوبيان” ليست كمثلها من الروايات.فما أن تبدأ في قراءة سطورها الأولى حتى تملك عليك أحاسيسك. وتشدك إليها بخيوط خفية، غير محسوسة. تسلمك الصفحة الأولى إلى الأخيرة. دون أن تشعر كم مضى عليك من الوقت مستلقيا على مقعد، وقد استسلمت للأديب يصعد بك من شقق "يعقوبيان" إلى "سطوحها". ويلف بك في أعماق أعماق منطقة "وسط البلد" وشخوصها. وعند نهاية هذه السهرة الدافئة بين ضفتي رواية من "لحم ودم" لا تشعر بأنك أحد قراء الرواية، بل شريكا فيها، جزءا منها، وهي جزء منك. تحب
وتعشق حبكتها، ولغتها، وبنائها، وشخصياته الرئيسية..كالثانوية. تشعر بالانتماء للعمارة، فهي تعد عالما ميكروسكوبيا صغيرا لما يحدث في مصر كلها.


تراكضت هذه الأفكار مجددا،هذا الأسبوع، تجاه رواية "عمارة يعقوبيان".عندما قرأت دراسة نقدية مطولة وعميقة عنها باللغة العبرية في الملحق الأدبي والثقافي لجريدة هارتس، أهم وأوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا. دراسة تعدت
الثلاثة ألاف كلمة، ونشرت على صفحتين تضاهيان قطع صحيفة “العربي". “

الدراسة التي أعدها الناقد الإسرائيلي "يوآف كافو" الملم باللغة العربية قد يخيل للبعض، وعن حق، أنها أنصفت الرواية، وأعطتها حقها. وقد يخامر البعض شعورا بالسعادة عندما يطالع دراسات نقدية غربية عن أعمالنا الأدبية، مما يعكسه ذلك
من اهتمام بانجازنا الحضاري في أبهى صوره الأدبية. لكن عندما يقوم بهذا الدراسة ناقد إسرائيلي في ظني أن الأمر مختلف جد الاختلاف. ويقف القلم عاجزا عن وصف هذه الأحاسيس، أمام التعبيرات التي اكتسى بها وجه "لعلاء الأسواني" الأسمر الصافي، فور مطالعته للنص الكامل لهذه الدراسة عن روايته. لم ينل منه الغرور لأن الناقد الإسرائيلي وضع روايته في مصاف "عيون الابداع الروائي العربي". والتقط في ثوان معدودة ما بين السطور. وطوى الصفحات حزينا مرة،
لأن "الناقد" لم يتخل عن صهيونيته حتى هو يتعرض لعمل أدبي، وألف مرة لأن الإسرائيلي "كافو" تحول فجأة من ناقد أدبي، إلى لص يحرض على اغتصاب "عمارة يعقوبيان". معاقبا علاء الأسواني لأنه ناقد يحترم نفسه يرفض التطبيع، ويرفض
إسرائيل، ولم يمد يده يوما لمصافحة إسرائيلي ممن يهبطون يوميا على منطقة "وسط البلد". **** بعنوان (من عالم "السطوح" العلوي إلى عالم الشقق السفلي)، نشرت هارتس تلك الدراسة الجديرة بالقراءة، والتي سنستعرض بعض أبرز نقاطها هنا، لظروف المساحة.

يقول كافو: "عندما تسلم الأديب المرموق جمال الغيطاني
مسودة "عمارة يعقوبيان" لم يجرؤ ملاك النوم أن يقترب منه طوال الليل، فقد أدرك الغيطاني أنه يقبض بيديه على "عمل معجزة" يبشر بعودة الواقعية الإنسانية التي أرسى قواعدها الاستاذ نجيب محفوظ...وكما كان يحدث في الزمن الجميل، زمن نجيب محفوظ، بدأت الرواية تشق طريقها للنشر في الملحق الثقافي "بأخبار الأدب"، على مدار اثنى عشر أسبوعا. ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت الرواية الأكثر مبيعا في مصر والعالم العربي". لقد سبق لي أن طالعت دراسات
نقدية أجنبية(فرنسية وانجليزية) متعددة كتبت عن روايات عربية، وكنت أشعر أن هذا الناقد أو ذاك الذي آل على نفسه كتابة دراسة نقدية عن عمل أدبي يحتضن الرواية، والأديب وينسج معزوفة نقدية تبصرك بمناطق جديدة في العمل، وبعيون
غربية، لكنها المرة الأولى التي أطالع فيها دراسة كارهة، تتعامل مع الأديب بوصفه لا يستحق، وتنكر عليه أبسط حقوقه، فرغم حالة التيه التي تملكت من الناقد بالرواية، إلا أنه لم يقل كلمة واحدة في حق الأديب، بل أنكر عليه نجاحه، قائلا: "وعلى الرغم من أن العنصر الجنسي في الكتابة الأدبية يسيطر على بعض صفحات الرواية. لم تثر في مصر عاصفة، ولم يقاطع الأديب، ولم يطالب أحد بنفيه، ولم يهدد بالقتل. على العكس تماما. توج طبيب الأسنان علاء الأسواني "باعثا للواقعية الليبرالية المصرية"، واصبح نجما في عالم الثقافة، لا تتوقف اللقاءات الاعلامية معه للحظة واحدة". وأظن أن هذه الجملة لو
قالها في حق أديب يهودي لاتهم بالتحريض على القتل وعوقب قانونيا. ويشرع "كافو بعد ذلك في معالجة الرواية نقديا قائلا: ""عمارة يعقوبيان" هي قصة بناية متعددة الطوابق بوسط القاهرة (وسط البلد). ومن خلال تاريخ العمارة، وسكانها،
والخدم العاملين فيها، ومن يكرهونها، ومن يحاولون هدمها، ينجح الأسواني في تسطير تاريخ مصر اعتبارا من النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا. كل ذلك في رواية إيقاعها سريع، تنتقل بك بشكل مفاجئ، بين مواقع أحداث مختلفة.

وبالتأكيد ستتلاحق أنفاس القارئ، لكنه لن يتصبب عرقا أبدا...وسارت وتيرة الحياة في العمارة، حتى ثورة 52، في ظل النظام الاجتماعي الكوزموبوليتاني، الذي تحيط به هيرراكية صارمة ميزت حقبة الليبرالية المصرية...وبعد الثورة استبعد أبناء الطبقة الارستقراطية من مراكز القوى...واعتبارا من هذه النقطة فإن ما يحرك القصة، هو ما يحرك مصر منذ اندلاع الثورة، أي البحث بلا كلل، وباستخدام العنف أحيانا، عن "الحراك والصعود الاجتماعي..ولعل التحولات الهندسية والمعمارية القبيحة التي طرأت على العمارة الأنيقة، ترمز لسقوط حقبة الليبرالية المصرية التي يرثي "علاء الأسواني" مصيرها القاسي...

فبعد مرور سنوات من التوسعات البطيئة الزاحفة التي قام بها "القادمون الجدد" من قاع السلم الاجتماعي إلى "سطوح" العمارة، استطاع هؤلاء أن يقيموا مجتمع العالم السفلي المشغول بالسمسرة، والتآمر لتنفيذ الجرائم، وتحقيق المكاسب السريعة...وهذا الواقع لا يختلف كثيرا لدى سكان الشقق أنفسهم. فاعتبارا من عام 1970 زحف إليها "الأثرياء الجدد "، ثمار عصر الانفتاح. ومن هذه النقطة يبدأ التداخل بين عالم "السطوح" القابع بالأعلى وعالم الشقق الرابض أسفله".
أي أن النظام الاجتماعي "الأفقي" الذي ميز حقبة الليبرالية المصرية انقلب على رأسه في نهاية القرن العشرين". وينتقل الكاتب لاستعراض شخوص الرواية وأحداثها، ويبدأ بشخصية "طه الشاذلي" ابن البواب وهو أحد الشخصيات البارزة
في العمل، والتي علقت في ذهن الناقد بشدة، وومع ذلك يتعامل مع الأحداث التي حركت وتحركت من خلالها الشخصية داخل البناء الروائي "بمنهج انتقائي" غريب لا يستطيع التخلص منه طوال العرض فيصف المحنة النفسية التي تعرض لها طه
المراهق المثالي، الذي صدق أنه سيلتحق بكلية الشرطة رغم انتمائه لأسرة فقيرة متواضعة اجتماعيا. حتى يستيقظ على الواقع الأليم الذي يلطمه على وجهه، بعد أن يقف
مبلغ الرشوة الطائل، ومهنة أبيه عائقا أمام تحقيق أمنيته. فيلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهناك يتعرف على خلية تابعة للجماعات الاسلامية". ومن هنا لا يتمكن الإسرائيلي "يوآف كافو" من إخفاء مشاعره تجاه شخصية "طه"، فيقول: "لقد أصبح عضوا ساذجا من "الصفوف الدنيا" في الجماعة المسلحة بشعارات ضد الامبريالية الأمريكية وشركائها في مصر، وهذا المنعطف في حياة طه يدفع حبيبته "بثينة السيد" لفسخ خطبتهما". ويبدأ في المرور سريعا على قصته، مستنكرا على "الأديب" تعاطفه معه، في حين أنه في موضع أخر يشيد بتعاطف الأسواني مع جميع أبطاله، وحبه لهم، فيقول: "(علاء الأسواني) يتسم بالتعاطف الشديد مع أبطاله، الذين نجح من خلالهم، في تشخيص العلاقات والتحولات الجوهرية والعنيفة التي طرأت على مصر. فالفتاة بثينة مثلا لم
تزنِ، ولكن أُزني بها. دفعت بها الحياة إلى فراش زير النساء "زكي بك الدسوقي". وفي هذا التعليق بالذات لعب كافو باللغة العبرية بطريقة مثيرة للغاية، فقد استخدم الفعل زنى، والمبني للمجهول من الوزن المزيد منه، تماما
كما نقول :"نُحر أم انتحر". في إشارة إلى المعاناة التي دفعت جيل بثينة كله للانتحار على فراش يرفضونه من أعماقهن". وعلى الرغم من تعاطفه البادي مع بثينة إلا أن طه لا يحصل على قسط من هذا التعاطف، ربما لأنه يذكره بنموذج
نشطاء حماس، "طه" في نظره ليس ضحية مجتمعية مثل بثينة ولكن شخص ساذج، يستحق ما جرى له، فيقول: "أما طه، فتى أحلام بثينة الذي هجرته، فلم تبتسم له الأقدار. فقد قاده نشاطه الاعتباطي في الجماعات الاسلامية إلى المعتقل،
وغرف التعذيب في المخابرات العامة. الوصف الدقيق لعملية التحقيق معه يمزق القلب إربا.

وهنا أيضا يبدي الأسواني تعاطفا بالغا معه ومع زملائه!!. طه يغتصب على أيدي المحققين، يتعمدون إذلاله وإهانته، يوصلونه إلى حافة الجنون. ويضيف "كافو" مستخلصا ما يفيده من شخصية "طه" : "الأسواني يصور عملية أدلجة "طه"
ودفعه داخل أسوار عالم الاسلام الراديكالي بصورة صادقة ومعبرة، ومثيرة للتفكير العميق". في إسقاط على المقاومة الاسلامية التي تتزعم الكفاح الفلسطيني في العقدين الأخيرين. ومع ذلك لا أنكر أن يوآف كافو أجاد قراءة الرواية فنيا، واستطاع التقاط بعض التكنيكات والرموز التي لا يلتقطها ناقد
أجنبي إلا لو كان ماهرا وملما بثقافة اللغة (المرسل)، حيث يقول في وصف مشهد التخطيط الذي يقوم به طه للانتقام من جلاده: "اللافت للنظر أن حبكة الرواية لا تخلو من سخرية مبطنة. طه و"أميره" يلتقيان في كازينو "جروبي"، واحد من
الرموز الباهتة للحياة الاجتماعية المصرية في حقبة الليبرالية. لقد جلس هنا ذات مرة أوروبيون، واليوم يجلس فيه نشطاء الجماعات الاسلامية بحثا عن الخصوصية". ****** أما بثينة فكانت إحدى الشخصيات الأثيرة لدى الناقد، لأنها بالنسبة له تعبيرا عن "مواليد الجيل الأول لعائلة ريفية هاجرت إلى
القاهرة" وهي تعبيرات وألفاظ رغم بساطتها، لكنها تنطلق من مفردات الوعي الجمعي الإسرائيلي عن "الهوية الإسرائيلية" التي تبلورت بعد 1948، وخلاصتها أن "المواطن الإسرائيلي الخالص" هو الشخص من الجيل الأول الذي ولد في "ارض
إسرائيل" للمهاجرين الأوائل، وأطلقوا عليه "جيل الصباريم". وظهرت تيارات أدبية كاملة حملت هذا الاسم، وكتبت عن معاناته في التأقلم ومحاولاته التخلص من قيود الأباء المؤسسين".وبعيدا عن هذه المقاربة الإسرائيلية الساذجة،
التي يحاول من خلالها "كافو" إيجاد خيوط واهية بين بثينة بطلة الرواية، والمستعمر الإسرائيلي في هويته المصنوعة في ظروف غير طبيعية، ولا إنسانيةى، ضمتها بوتقة الاستعمار الغربي، يرى "كافو" أن وقوع بثينة المفاجئ في حب زكي بك
الدسوقي الرجل الطاعن في السن، هو أكثر النقاط التفاؤلية في الرواية. لأن :"بثينة رمز الأمة المصرية المزني بها (رغما عنها)، تختار "زكي بك" ممثل العصر الليبرالي. والعلاقة التي تنشأ بينهما تغير "زكي بك" من زانٍ يبحث عن اللذة والمتعة المادية في علاقته بالمرأة/الأمة، إلى "زكي" الرجل مرهف
الاحساس، الذي يحب ويصغي لمحبوبته... وحفلة الزفاف التي خٌطط أن تكون على الطراز الفرنسي تتحول إلى زفة عروس مصرية. لتكون بمثابة بصيص أمل؟ الناقد يفرد بعد ذلك مساحة واسعة لحاتم رشيد رئيس تحرير الجريدة المصرية المهملة التي تصدر بالفرنسية (LE CAIRE) ولا يلتقط المحنة الانسانية التي يعيشها، والتي برع الأسواني في تصويرها، وتحول من ناقد أدبي إلى إسرائيلي محرض فيفتح قوسين ليقول بينهما: "الحقيقة أنه ليس من السهولة بمكان أن تكون لواطيا في مصر. الحياة السرية التي تعيشها الطائفة اللواطية في القاهرة(الطائفة التي ينكل ومازال ينكل بها نظام مبارك) تم تصويرها في الرواية بتعاطف شديد". المدهش أنه رغم اعترافه في العناوين بأن "عمارة يعقوبيان" أقوى رواية احتجاج سياسي كتبت في مصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة. إلا أنه لا يركز على الفساد السياسي الذي فضحته الرواية بمشرط جراحي حاد، واهتم برحلة الصعود الاجتماعي التي اجتازها الحاج عزام تاجر المخدرات المشبوه، وماسح الأحذية الذي نجح،
على عكس معظم أبطال الرواية في تحقيق حلمه في تسلق السلم الاجتماعي والاقتصادي. لكنه ترك خلفه ضررا هائلا. ويتعمد أن يمر على جميع الرسائل الصريحة والمبطنة في البناء الروائي عن تمرد الانسان المصري، وسخطه على الفساد، وينقل على لسا البدين كمال الفولي: "...المصريين ربنا خلقهم في ظل حكومة..لا يمكن لأي مصري يخالف حكومته..فيه شعوب طبعا تثور وتتمرد إنما المصري طول عمره يطاطي لأجل يأكل عيش... الشعب المصري أسهل شعب ينحكم في الدنيا..أول ما تأخذ السلطة المصريين يخضعوا لك ويتذللوا لك وتعمل فيهم على مزاجك.. وأي حزب في مصر لما يعمل انتخابات وهو في السلطة لازم يكسبها لأن المصري لازم يؤيد الحكومة..ربنا خلقه كده..". ويرى كافو: "أنه منذ كتب نجيب
محفوظ رواية "ميرامار" التي تنبأت بنكسة 1967 قبل حدوثها ( يلاحظ أن هذه الرواية أيضا جرت أحداثها في بنسيون بالاسكندرية في عقد الثلاثينات)، لم يصدر عمل كهذا في مصر. فمنذ النكسة تتحرك شخصيات الرواية المصرية بقوة
الطرد الذاتي بعيدا عن المركز، وتتنكر للمحيط الاجتماعي. مثل بطل رواية صنع الله ابراهيم ("هذه الرائحة" 1969) وهوأحد المثقفين المعتقلين، والذي يشعر بالتنكر لما حوله، وتطارده مشاهد الماضي (flash backs) وتدخله في حالة متواصلة من الهذيان. كما اهتم أدباء آخرون بتجارب الفرد وخبراته، وخبا اهتمامهم بتجارب المجموع، والخبرات الجمعية. وفي مقابل هؤلاء جميعا يعيد الأسواني للأدب المصري المعاصر تكنيك"الراوي العليم"، الذي يفرد أمام القارئ واقعا منظما ومنطقيا، ويبدأ في تفكيكه إلى أدق التفاصيل. مثلما يحدث في البناء الروائي لدى نجيب محفوظ، ففي "عمارة يعقوبيان" يبرز إلى جانب الشخصيات الرئيسية الواضحة المعالم في الرواية، عدد من الشخصيات الملونة:
موظفون، أصحاب محلات، عاهرات، عمال البارات، ضباط شرطة، لصوص، سماسرة، رجال دين، فقهاء، وغيرهم. وعلى الرغم من أنهم يظهرون بشكل خاطف، ويستمرون لمدة
فقرة، أو صفحة واحدة، إلا أنهم يتراصون بجوار بعضهم بعضا ليشكلوا ملامح حميمية لمنطقة "وسط البلد". ******* الكارثة الحقيقية أنه بعد هذه الدراسة
النقدية الضافية، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها يختتم الناقد الإسرائيلي
مقالته المطولة بجملٍ غاية في الخطورة، تحول بها في لمح البصر من ناقد أدبي إلى لص يريد اغتصاب "عمارة يعقوبيان" كما اغتصبت عصابته الصهيونية الأراضي
العربية، يقول كافو، بعد انتهاء عرضه للرواية: "والآن، يتبقى السؤال الذي يفرض نفسه، هل سيمنحوننا حقوق الترجمة؟ بالطبع لا،وذلك لأسباب كثيرة مرتبطة في معظمها بموقفهم من التطبيع، ويضيق المقام عن الاستطراد فيها. وبناء على
ذلك، إذا كانت حقوق الملكية الفكرية لعمل ابداعي ستتحول لسلاح في الحرب بين الحضارات، فلم يتبق لي إلا أن أدعو دار النشر المتميزة (الأندلس) أن تترجم دون أن تبحث عن حقوق. ترجموا هذا الكتاب فورا، وقوموا بتوزيعه، في طبعة رخيصة مصورة تصل لكل يد. ويمكن كذلك أن يباع على أنه "انتاج أديب رافض لإسرائيل" دون أن يشار على النسخة المترجمة لعنوان دار النشر، ويكفي رقم تليفون للحجز والاستعلام، واعلانات في الصحف. ولا تضعوا "شعاركم". فمنذ قرابة الثلاثين عاما ونحن نشاهد في التليفزيون الإسرائيلي أفلاما مصرية بلا
ترخيص، وأظن أننا يمكن أن نضيف للقائمة كتابا أخر صغيرا ومهما". كلام خطير، ودعوة للسرقة والسطو على ابداعنا الروائي، واعتراف بسرقات قديمة مستمرة منذ
أكثر من ثلاثة عقود، والحل لا يمكن أن يكون في الترفع، والتجاهل، طالما أن هناك طريقا نتلمس به حقوقنا الضائعة، سواء بالنسبة لعمارة يعقوبيان، أو غيرها من انتاجنا الأدبي والفكري، ما الذي يمنع اتحاد الناشرين العرب أن يوسط جهة حقوقية دولية للمطالبة بحقوق الملكية الفكرية عن هذه الأعمال بعد حصرها بدقة، على أن تجمع هذه الأموال التي ستكسر حاجز المليارات في صندوق لدعم الثقافة والتراث الفلسطيني المسلوب هو الأخر. خاصة وقد تحكمت في حركة
ترجمة الأدب العربي في إسرائيل أهدافا رخيصة كضرورة التعرف على المجتمعات العربية، والنفاذ إلى الشخصية العربية والتعرف على ملامحها الداخلية والخارجية من خلال حضارة مكتوبة،وهو هدف فرضته طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي على أرض فلسطين. وعلى هذا النحو كرس عدد من الباحثين
الإسرائيليين أنفسهم لدراسة المجتمعات العربية عبر الظاهرة الأدبية. وقد حققت هذه الدراسات نتائج مبهرة، مما دفع بالمؤسسة الإسرائيلية لإنشاء المعاهد المتخصصة في الترجمة عن العربية،واستقدام كوادر علمية من خارج فلسطين لخلق قاعدة أكاديمية وبحثية تتخذ الشرق الأوسط موضوعا رئيسيا ومهما لتقنين النظرة إلى شعوب المنطقة اجتماعيا وسياسيا ودينيا.!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018