في ذكرى وفاتها الثلاثين: الفخامة المدويّة لأم كلثوم/ نائل الطوخي

في ذكرى وفاتها الثلاثين: الفخامة المدويّة لأم كلثوم/ نائل الطوخي

هل ثمة مصري واحد يسير في أي شارع من شوارع القاهرة، بينما يتردد الصوت الهادر لأم كلثوم، ولا يردد معها بعض جملها، بشجن ربما، و بحنين، و بخُلوّ بال تام في مدينة مزدحمة بسياراتها وعادمها وضجيجها ومنغصات أعصاب سكانيها؟ في الغالب لا. غير أنّ الأجنبي لا يفهم هذا الحب الجارف لصوت أم كلثوم، يراه صوتاً قوياً، ولكن وربما غير جميل؛ يراه صوتا استعراضيًا ومدويًا يرتفع إلى طبقات عالية، لكنه ليس رشيقًا كصوت فيروز ولا رقيقًا كصوت نجاة الصغيرة مثلاً.

قد يكون هذا على عكس صوت عبد الحليم حافظ؛ ف يندر وجود فتاة مصرية لا تحفظ أغانيه، ترددها بتنهد ورحمة. هو صوت مفهوم من وجهة نظر الأجنبي، صوت جميل، أي: عذب ورقيق، وهو في ذات الوقت ضعيف، لا يتخطى طبقات معينة، مثلما أنّ عبد الحليم نفسه إنسان ضعيف ومريض.

وتواجدت في الشرق أسطورة قديمة عن إيزيس/ عشتار التي تحيي أوزوريس/ تموز بعد أن موته، وهو الإله. هذه المرأة هي تناسل لإلهة أم تواجدت في الثقافات القديمة، إلهة قامت بخلق الكون، خصّبت نفسها وخرج من رحمها البشر. غير أنه بعد أن بدأ الطابع الذكوري بغزو الثقافات القديمة، صار الإله الأكبر ذكرًا، وتراجعت الإلهة الأم الكبرى إلى هذه الصورة: امرأة فخمة، تعيد خلق الإله الأكبر، أي تحييه (بعد أن كانت تخلقه سابقاً)، وبدونها يموت الإله ويختل العالم تماماً.

يفهم المصريون هذا. ويرون في أم كلثوم أمًا حقيقية ذات صوت هادر، يليق بإلهة كاملة، أزلية، تواجدت في الهيولي لتخلق العالم. هكذا ينسحق المصريون أمام أم كلثوم وصوتها. يجلس عبد الناصر بكامل بزته العسكرية أمامها كتلميذ مهذب. يتدافع السكارى، بخضوع من يقدم قرباناً لإلهه، نحوها ليمدوا إليها سطل كونياك لكي تسير عليه وتعبق الكونياك برائحة قدميها فيمكنهم عندئذ احتساؤه والانتشاء به. وسواءً أكان هذا صحيحاً أم أنه من اختراع عقل ذاب ولعاً في أمه الأزلية، فإنه يدل على الكيفية التي رآها بها الناس ساعتها.

وعندما تندر الشيخ عبد الحميد كشك في فكاهته الشهيرة على مقطعها الذي تقول فيه "خدني لحنانك خدني"، وقال كشك "ربنا هو اللي بياخد"، لم يستنكر المصريون تزمته وسخريته من الفنانين، وإنما استنكروا عقوق ابن لا يخاطب والدته بالاحترام الكافي. وهكذا أيضاً لا يستريح محبو الشاعر أحمد فؤاد نجم كثيراً إلى هجائيته فيها "يا ولية عيب اختشي يا مرضعة قلاوون".

هنا يمكننا التطلع إلى ملامح أم كلثوم الشهيرة: شعر أسود معقوص بمنتهى الرصانة إلى الخلف؛ ذراع هائلة ووافرة اللحم تتجلى من وراء القماش الأسود الساتان؛ ونظارة سوداء تشابه تلك التي كان يرتديها رجال الثورة: صلاح نصر وصلاح سالم؛ نظارة يشابه سوادها وغموضها الهيولي الذي وجدت فيه الأم العملاقة. هذه الملامح هي النقيض التام لملامح عبد الحليم حافظ- إذا عدنا للمقارنة بينهما. فملامح عبد الحليم شاحبة ومتعبة. هي ملامح ابن مثالي، شاب صغير ونحيف يعذبه المرض الذي ينهش في جسده، ومع هذا فهو ينهك ما تبقى من جسده عبر العلاقات النسائية المتعددة.

أما الجسد الأم كلثومي الفخم للغاية، غير الجميل وإنما المهيب، لم يكن له أن يناله أحد، كما أن الأم لا تُنال؛ فالأم لم يتم نَيلها إلا في زمن ماض لا يتذكره أحد. وهكذا أصبحت أماً، غير أنها ليست امرأة الآن، إنها أم فقط، وعندما تنال فإن ذلك يحدث بارتعاشة من يتعبد لإلهه.
يطلق المصريون على أم كلثوم بعفوية مطلقة "الست". هنا لا يعد وصف الست وصمة عار كما تشير كافة الكلمات الدالة على الأنوثة في لغتنا العربية، فتحديداً بإضافة ألف لام التعريف ينقلب المعنى كلية من كائن ضعيف وعاطفي ومنتهك جنسيًا، إلى ذروة السطوة (المعنوية غالباً، وإنما القاهرة). هكذا تصبح هذه السيدة "الست" مرادفة لأم السلطان في العصور المملوكية، السيدة التي تدير كل شيء في القصر ويخضع لها السلطان كالطفل. غير أنه بالتحديد، يصبح اللفظ مقارباً لمعنى الإلهة الأم، أصل الوجود. وبسبب ذلك تحديدا، بسبب كونها إلهة أم، غير مرتبطة بزمن، لم يجد رجال الثورة أيَّ حرج في سماعها بل والجنون بها؛ هي التي غنت للملك بمنتهى الحماس من قبل. فالإلهة الأم تواجدت في زمن ماض مستمر، في الأزل، وهي لذلك صالحة لكل زمان ومكان. وعندما يخضع الجميع لقوانين الثورة الصارمة التي تجب ما قبلها فإن أم كلثوم هي الوحيدة التي تقف خارج هذه القوانين، كما تقف خارج الزمان والمكان.

وهكذا تلتقي أم كلثوم بعبد الحليم حافظ، عبد الحليم الشاب الرائع الذي أحبته الفتيات والمعذب بالبلهارسيا، الشاحب والمقدس لفنه؛ باختصار، الإله الشهيد (أوزريس أو تموز) الذي يستثير رحمة الكون عليه، لكونه شهيداً، وإعجابه به، لكونه إلهاً، في آن. تنقلب الفتيات إلى أمهات فور ما تتطلعن إلى ذلك الصبي الذي يصرّ بعناد طفولي على أن يواصل الغناء برغم تحذيرات الأطباء ويتم الحفل ثم يسقط على الأرض نازفاً الدم من فمه.

وسواءً أكان يفعل ذلك عامدًا أم لا فإنّ ما يصل إلى المراهقات كونه يستحق ربتة عطف على وجه المنهك وعلى صوته العذب الضعيف. يثير عبد الحليم مشاعرالأمومة لدى الفتيات، كما تثير أم كلثوم بالضبط مشاعر البنوة لدى الرجال ذوي الشوارب. وعندما تلتقي الإلهة الأم الخالقة، وهي جدة إيزيس التي تعيد الخلق، بالإله الشهيد أوزوريس، فإنه يصبح واجبًا على عبد الحليم أن يقبّل يدي الست، بتبتل ابن أخطأ عندما أصرّ على أن لا يحيي حفل عيد الثورة إلا هو. بانكسار في عينيه وبتقطيبة وقور لأم كلثوم التي تمدّ يديها برصانة نحو ابنها لكي يقبلهما.

(كاتب من مصر)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018