رحلة الناعوري إلي إيطاليا /رشاد أبو شاور

رحلة الناعوري إلي إيطاليا /رشاد أبو شاور

بعد أن رسّخت سلسلة (ارتياد الآفاق) أقدامها، وبات لها حضور محترم، أنشأت دارا (السويدي) و(المؤسسة العربية) سلسلة (الرحلة العربية الحديثة)، والتي تعني برحلات كتّاب وصحافيين عرب زاروا بلاد العالم ودوّنوا انطباعاتهم، ومشاهداتهم عن تلك البلاد بناسها، وعاداتهم.

تهدف سلسلة الرحلات الحديثة إلي تشجيع الأدباء والكتّاب العرب علي العودة لكتابة هذا اللون من الأدب بعد أن تمّ إهماله علي الرغم من أهميته.

في كتاب (رحلة إلي إيطاليا) الذي حرّره وقدّم له الشاعر الشاب تيسير النجّار، نقرأ مذكرات الأديب، الشاعر، المترجم الأردني عيسي الناعوري ـ نسبة إلي بلدة ناعور القريبة من العاصمة الأردنيّة عمّان ـ والذي دعي لزيارة إيطاليا والإقامة فيها لستة أشهر عام 1960 بدعوة من منظمة (اليونسكو)، وكان أن بدأت رحلته بتاريخ 11 أيلول (سبتمبر) عام 60.

كان الناعوري يجيد اللغة الإيطالية، وقد دفعه شغفه بالأدب الإيطالي الي أن يستثمر الأشهر الستة في التعرّف إلي الأدباء الإيطاليين: شعراء، روائيين، وإلي المستشرقين، وأن يقتحم حياتهم بلهفة، وينشئ معهم صلات تطوّرت، وأثمرت صداقات وكتابات عن نتاجهم، وترجمات لبعض إبداعاتهم.

لقد عرفت الناعوري من خلال ترجمته لروائع من الأدب الإيطالي، في مقدمتها رواية (الفهد) التي تعتبر العلامة الأبرز في الأدب الروائي الإيطالي، والتي نقلت إلي السينما في فيلم من إبداع المخرج (فيسكونتي) تمثيل كلوديا كاردينالي، وبرت لانكستر.

ومن ترجمات الناعوري رواية (فونتمارا) للروائي إنياتسيو سيلونه الذي نفاه (موسوليني) إلي سويسرا، والذي كان من أوائل من انشقوا علي الحزب الشيوعي الإيطالي الذي ترأسه في الثلاثينات.

بعد زيارته للاتحاد السوفييتي ولقائه بـ(ستالين) واختلافه معه حول عبادة الفرد ورفضه التوقيع علي بيان ضد (تروتسكي) كما طلب منه ستالين، انتقل (سيلونه) إلي الحزب الاشتراكي، ولكنه طلّق العمل السياسي الحزبي وأعلن فيما بعد أنه أصبح اشتراكياً دون حزب، ومسيحياً دون كنيسة.

تعرّف الناعوري إلي الروائي الشهير البرتو مورافيا وزوجته، وزارهما في بيتيهما ـ فكل واحد منهما يعيش مستقلاً عن الآخر، ذلك أن إلسا مورانتي الزوجة أرادت بذلك أن تدحض اتهامات بأن زوجها يساعدها في كتابة أعمالها الروائية ـ ونقل جوانب من حواراته مع مورافيا، الذي ردّ علي الناعوري حين أخبره بأن الجنس المكشوف في رواياته يصعّب عملية ترجمتها إلي العربية، فكان أن ردّ عليه مورافيا: ولكنكم أصحاب ألف ليلة وليلة، وأنا تلميذ في مدرستها، ومهما كتبت فلا يقارن بما فيها من جنس مكشوف.

يتنقّل الناعوري بنا في جهات إيطاليا الأربع، من روما إلي البندقيّة إلي صقلية.. ولا تثنيه عن هدفه بالتعرف إلي الكتّاب والشعراء الطليان قسوة الطقس، أو صعوبة التنقّل، وهو يلتقي بمشاهير إيطاليا في بيوتهم، وفي دور النشر التي يعملون بها، ويزودنا بمعلومات عن طباعة الكتب وتوزيعها، ومردود المبدعين، وعن الجوائز الأدبية التي تمنح رسمياً وشعبياً للشعراء والروائيين، وعن حياة أبرز الشعراء مثل (سلفاتوره كوازيمودو) الفائز بجائزة نوبل عام 59، والذي ترجم له ستاً وعشرين قصيدة نشرت في مجلة (شعر) بناءً علي طلب أدونيس. كما تعرّف علي زميله (إيوجينو مونتالي) الذي منحت له نوبل من بعد عام 75، وقد ترجم الناعوري بعضاً من روائع شعره ونشره في مجلة (شعر) اللبنانية في الستينات.

يصف الناعوري فيزيائياً بعض من يلتقيهم من الروائيين والشعراء، مثل الروائي إيليو فيتوريني الذي يلتقيه في دار النشر الشهيرة التي يعمل بها: قامة عالية كشجرة الحور، وجسم متميّز لمحارب أو سياّف من سيّافي العصور الغابرة، ووجه جاد ولكنه مبتسم، ورأس شامخ بشبه كبرياء يغطيه شعر أبيض قصير ومنتصب كالشوك. حسبته بطلاً من أبطال الرياضة جاء يزور دار (موندادي) ولكنني دهشت حين قال لي (كروفي) إنه إيليو فيتوريني.
يسأله فيتوريني بدهشة:
ـ كاتب عربي تقول؟
ثمّ أضاف متابعاً:
ـ وهل لديكم كتّاب عرب كثيرون، وهل لكم لغة عصرية؟ ماذا تكتبون في بلادكم العربية؟ هل لديكم شعراء، روائيون، قصّاصون مثلنا؟ وهل لديكم نقّاد أدب؟

عيسي الناعوري أجاب علي أسئلة إيليو فيتوريني الروائي الكبير، وقد ترجم روايته الرائعة (الرجال والرفض) عن المقاومة ضد النازية والفاشية لتكون ملهمة للمقاومين بعد هزيمة حزيران (يونيو) 67.

يتكرر الأمر مع الناعوري عند لقائه بالروائي (دينو بوتساتي) الذي يبدي دهشته للقائه بعربي يتحدّث الإيطالية ويبدي اهتماماً بالأدب الإيطالي. دينو بوتساتي قرأنا له في العربية رائعتة (صحراء التتر)، والكثير من قصصه القصيرة الطريفة التي صدرت في مصر ولبنان، ونشر بعضها في مجلات أدبية عربية. يضيء الناعوري جوانب من شخصية ذلك الكاتب الكبير، فهو صحافي كبير، وفنّان تشكيلي مشهور في إيطاليا.

كان الناعوري معنيّاً بالتعريف بجوانب الصراع العربي ـ الصهيوني، وشرح جوانب المأساة الفلسطينية، وقد كسب أصدقاء كثيرين لقضايانا العربية بجهده الشخصي الدؤوب.

ولأنه لا بدّ من الالتقاء بمتعصب ما يكره العرب والمسلمين، ويغمطهم حقهم في الاعتراف بدور حضاري، فقد التقي الناعوري ـ الأردني العربي المسيحي ـ برجل دين في السفينة التي حملته إلي صقلية، وقد أطنب رجل الدين في الحديث عن تاريخ صقلية قافزاً علي مئات السنين من الحضور العربي هناك، فكان أن سأله الناعوري:
ـ وماذا عن العرب، ألم يتركوا آثاراً حضارية؟
ـ العرب كانوا قوماً من الصحراء..
رجل الدين المتعصب يسأل الناعوري من أي المدن الإيطالية هو، فيجيبه بأنه ليس إيطالياً، ولكنه من بلاد البدو الصحراويين، عندئذ يندفع رجل الدين في الحديث عما تركه العرب من تراث في الجزيرة، وكأنه ليس هو من كان يهجوهم قبل قليل، وينكر عليهم دورهم الحضاري.

تخطر فلسطين ببال الناعوري كثيراُ وهو يتأمّل بيّارات البرتقال علي شاطئ جزيرة (صقلية): الشاطئ الصقلي كلّه عامر بحدائق البرتقال والليمون، هديّة العرب إبّان تاريخهم الناصع إلي الغرب، عن طريق صقلية وإسبانيا. وكانت تلك الحدائق العامرة الجميلة المترابطة في صف متواصل علي طول السواحل التي مررت بها تذكّرني بالسواحل التي فقدناها يوماً في فلسطين.

كتاب الناعوري عن رحلته التي تكررت إلي إيطاليا يقدّم لنا معلومات غنيّة عن الحركة الأدبية الإيطالية، وعن دور المستشرقين الطليان، ويعمّق احترامنا لكاتب، وشاعر، وروائي، ومترجم عربي أردني يستحق العناية بما ترك من إبداع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018