سأسجد لهما.../ أنوار سرحان

سأسجد لهما.../ أنوار سرحان

يكفي!! … لملمتُ ما لا غنى عنه من أغراضٍ في حقيبة جلدٍ مهترئة, وحملتُ طفلتي عائدةً إلى بيت أهلي.. هاربةً من ظلم زوجي وجبروته..سئمتُ ساديّتَه وقسوتَه. مللتُ إهاناته المتكررة. كرهتُ سجنَه وإرهابه وظلمه. تمنيتُ أن أنظرَ في المرآة يوماً فلا أرى بقعاً ملوّنة تغمر وجهي ولا علاماتٍ زرقاءَ تغطّي معظمَ جسدي.. تمنيتُ أن أنطقَ عبارةً واحدةً، دون أن أحضّر جسدي وروحي لتلقي صفعاته !!!
لم يستغرب أحدٌ من أفراد العائلة خارطةَ الكدمات الملوّنة على وجهي.. ذلك أنهم ألفوني على تلك الهيئة
… قلت : "سأطلّق غالب" …
“بدّك تخربي بيتك ؟؟ .. صرخت أمي في وجهي بكل ما وسع صدرَها ولسانَها محدّقةً فيّ بدهشة .. أخرب بيتي ؟!! كم أكره تلك العبارة.. بل أمقتها مذ كنت طفلةً صغيرة.. طالما تذرعت بها أمي لتعلّل خنوعَها لوالدي وسكوتَها عن إهاناته التي لا تنتهي ، وصفعاتِه التي تزور خدّها صباحاً ومساءً… فترتمي عند قدميه كلّما أهانها صافعاً بيده أو بلسانه، لتعتذر عن ذنبٍ لم ترتكبه وتستغفرَه ليرضى ..
عن أي بيتٍ تتحدث الآن ؟؟ وأيّ بيتٍ هذا الذي أخشى خرابه؟؟ من قال إن البيت سقفٌ وجدران؟؟ وما حاجتي لبيتٍ لا أنال منه إلا الذل والهوان؟؟!..
تابعت أمي صرخاتها وولولوتها خوفاً على بيتي الذي سينهار بطلاقي من غالب، فنهرها أبي لتخرس ، حدّجني بنظرةٍ لم أفهمها .. مزيجٍ مرعب من القسوة والغضب والحنق والنقمة والشك، وباستهجان بالغ صاح :” طلاق ؟؟؟!! ولك إنت بدك تفضحيني؟؟” وبصراخ لا يتوقف :” ناوية توطي راسي يا ملعونة؟؟ ما له جوزك؟؟” !!
حاولتُ أن أصف لهم ما يغلبُني من إحساسٍ بالقهر والظلم .. .. كرهتُ زوجاً لا يلمسني إلا صافعاً أو راكلاً.. ولا يحدّثني إلا مهيناً شاتماً.. زوجاً لم أكن بحاجةٍ لقراءة رسائله لأعرف أنه خائن.. ولم تكن تنقصُني مشاهدةُ صوَره مع عشيقته لأدركَ أنّه كلما غاب عني يكون بين أحضانها.. ولم يكن سماعي لحديثه الليليّ مع ساقطاتٍ ليضيف لي شيئاً إلى صورته الدنيئة … أبداً … لم أكن بحاجة لذلك.. فكل عبارة ينطقها كافية لأفهم.. وكل نظرة من عينيه السافلتين ، تثبت لي حقيقته .. وفوق كلّ هذا يسحقني بإهاناتٍ لا تنتهي؟؟ أليس من حقي أن أتمرد..؟
آن أوان حريتي .. حان الوقتُ لأحيا إنسانيّتي دون أن أرضخ لإذلال غالب .. ما دمتُ قادرة على ذلك .. لديّ عملي وأكسبُ ما يكفيني لأحيا مع ابنتي.. ولستُ في حاجة لأحد..
جحظت عينا أبي : “إنتو النسوان مثل السجادة كل ما انكتّت بتجوهر…”
سجادة”!! لا والله لست سجادةً أبي.. وليس زوجي في حاجة لضربي كلّ يومٍ حتى ينفض عني غباري ..
وأبي يدلل على كلامه بقسوته على أمي.. وكيف حافظت على بيتها.. “شوفي أمك.. قد ما ضربتها وقد ما بهدلتها بعمرها ما رفعت راسها.. لأنها أصيلة.. “
وأمي المسكينة ، كأنما قد تلقّت اليوم شهادة بذلت سنيّ عمرها لتستحقَّها.. غزَت وجهَها ابتسامةٌ لم تفلح في إخفائها .. وعلت ملامحَها فرحةٌ أنسَتها كلَّ ما كان.. فرفعت رأسَها بشموخ ، وابتسمت بثقةٍ لم أعهدها منها منذ ولدتني.. سعيدةً بعبارة أبي وشهادته في حقها.. وبصوتٍ واثقٍ غريب عنها ، انهالت عليّ بنصائحها الخانقة :
”المرة ما إلها غير بيتها وجوزها يمّا.. والزلمي بيظل زلمي .. بيسندك وبيحميك لو جار عليك الزمان”..
تبّاً لك ولغبائك يا أمّي.. نسيتِ قهر السنين بكلمة تافهة؟؟ .. ثم أية حمايةٍ أنتظر من رجل هو أول من يجور علي.. وآخر من يسحقني بظلمه؟؟ رجلٍ ينتقم فيّ من كل مَن حوله؟!..
تبّاً لكِ ولأفكارك المسمومة يا أمي!!
تابع أبي حديثَه المقيت عن زوجي وحقّه في فعل ما بدا له كونه رجلاً.. وعن واجباتي التي لا تنتهي لإرضائه والتسليم بأمره..وكلّما حاولتُ أن أجيبه صفعتني تساؤلاتُه المشككة بي وبنواياي.. وبغايتي من وراء طلاقي ..
: لماذا الآن ؟؟ وما الذي تغير؟؟
مرت ساعاتٌ وأنا أحاول أن أجعلهم يعون ما بي من إحساسٍ بالقهر والخديعة.. وتحطّم وانهيار ساحق دون جدوى.. لم تنفعني أحاديثي ولم تسعفني دموعي .. ولم تشفع لي تعليلاتي وتبريراتي أمام تساؤلات أبي التي تفتح أبوابا واسعةً من الظن .. أظن هذا ما شجّع سميرة زوجة أخي لترمي في وجهي بعبارتها الوقحة السافلة نافثةً سمومها ، وهي تتساءل بخبث : “بلكي شايفة شوفة” ؟؟!!
أنا أيتها الملعونة؟؟ وهل بقيت بي رغبةٌ في جنس الرجال أصلا ؟؟ حسبي معاشرة غالب لأنفر من كّل رجال الكون .. ليس حقداً وكراهيةً فحسبُ ، بل واحتقاراً واشمئزازاً أيضاً… قرفتُ من كل ما ينعت بالذكورة . .. حتى قطّ الجيران.. والكلب المتشرّد في مدخل الحي ينبح كلّ الليل.. بتّ أرى في كل ذكرٍ عدوي ولو كان جماداًُ .. فهل أفكر في التحرر من غالب لأعرف آخر؟؟ … سحقا لكل الرجال.. ولتلعنهم الملائكة والشياطين!!!
تابعت سميرة تساؤلاتهِا بمكر .. دون أن تحبس ما تدلّق منها من شماتةٍ بي.. أعرف أنها اليوم تنال ما لم تحلم به أبدا.. فهي لم تطمع يوماً بأكثر من رؤيتي حزينةً مكسورةً باكية ذليلة… لم يكن سلوك زوجي يعني لها شيئا فهي لا ترى من زواجي إلا ذاك البيتَ الفخم الذي أسكنه وطفلتي الذي لم تمضِ سنةٌ على زواجي حتى ولدتها. وهي التي تسكن في بيت أبي منذ عشر سنوات.. لم تنجح وزوجها في بناء بيتٍ حتى الآن.. ولن تنجح يوماً في إنجاب طفلٍ كونها عاقراً.. ترميني بنظراتٍ من تلك التي لا ينتبه أصحابها كم هي فاضحة .. فتتدفق منها الشماتة والغيرة والكره والحقد.. بينما تلسعني بتلميحاتٍ وتهمٍ لا تقال إلا لساقطة.. وأبي يوافقها ويؤيد شكّها.. وسيل نصائح أمي لا يتوقف.. حتى قرصتني عبارة أختي زينب بقسوتها ، خارجةً من غرفتها وهي تهزّ سبحتها بيسارها، وبيمينها تعدّل الخمار فوق رأسها ، مختصرةً كل المعاني:“لو كان السجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها..”!!
“لم يقصد زوجي.. والله لم يقصد زوجي”.. صرخت فيها دون وعي .. وصياح أبي يتزايد ، وصرخات أمي تعلو ، وتلميحات سميرة تسحقني .. ونظرات زينب تغتالني..
ضاقت عيناي بما اختزن فيهما من دموعٍ تراكمت كلّ هذي الأيام .. ففاضتا سيلاناً فوق وجنتيّ.. حتى تلك الدموع باتت أقوى مني ، تغلبني دون أن أملك لها ردعاً. .. وتجمّدت تلك اللحمة في ثغري حتى انقطع صوتي.. دون أن أجعلهم يفهمون أني رضيتُ بالكثير لئلا أبلغ تلك اللحظة لكن لم أنجح.
دنا مني أخي صالح. .. لفّ ذراعيه حولي واحتضنني بدفءٍ ،..ابتسم ابتسامة حانية ثم مسح بأنامله ما سالَ فوق خدي من عبراتٍ حارقة . وقال بهدوءٍ وثقة : لا عليك يا غالية . أنا أفهمك وأقدّر ما تعانين. إن كنت ترين بالطلاق حلا فليكن "
صالح هو أقرب أهلي إليّ وأحبّهم إلى قلبي.. والوحيد القادر أن يؤثّر على الجميع بمن فيهم أبي .. ضمّني إليه بحنان وتابع قائلا : “لك ما تريدين أخيّتي .. لا يملك أحد إجبارك على العيش مع زوج لا تطيقينه”.. تنفّست الصعداء وشعرت بجبالٍ تنزاح من فوق هامتي.فصعقني بسؤال : لكن أين تسكنين حبيبتي ؟ستغدين مطلقة ولا يمكنك السكن وحدك..
وثب أبي كمن لدغته عقربٌ مصرّا أنه لن يسمح لي بالسكن خارج بيته إن صممت على الطلاق.. لن يكونَ بإمكاني إلا أن أقاسم أختي زينب غرفتَها التي بالكاد تتّسع لسريرٍ واحد مع ما تزخر فيه من كتبٍ ومراجع وأشرطةٍ تدّعي أنها دينية .. بحلقَت فيّ بامتعاض كأنما سأسطو على عالمها ولسعتني بنظرات ازدراء .. سيكون علي تحمّل قسوتها وهي لا ترى مني إلا امرأةً فاسقةً كافرةً سافرة مكشوفة الرأس !!
“وأبي يتابع شروطه لطلاقي :” ما فشّ شغل إذا تطلقتِ” !! معللاً بأن احتكاكي بالرجال مرفوضٌ بعد طلاقي .. فيسانده صالح بأن عليّ اتقاء الرجال الذين لن يروا بي كمطلقة إلا لقمةً سائغة يمضغونها ..
تساءلت سميرة بخبثها الذي يفيض من بين نبراتها ونظراتها : “وبنتك “؟؟ ، ففزّ أبي معترضا على وجودها في بيته “فلا شيء يجبره على الإنفاق عليها” دون أن يأبه لبكاء طفلتي وصراخها .. وأختي تؤيد موقفه لأن الغرفة لن تتّسع للجميع.. وما زال سيل القيود فياضاً يتدفق… ربما علي أن أقطع صلتي بصديقاتي المتزوجات لئلا أحرجهنّ مع أزواجهنّ ..
والأرجح أني لن أخرج من البيت إلا مع رفيقٍ وصيّ .. عملي سأُحرم منه.. وسأحيا بإرادة أبي.. وطفلتي ستحيا مع ذاك الخائن السفيه لتتبوأ مكاني في تلقّي صفعاته.. بينما سيكون عليّ الرضوخ لرغبات ومزاج أبي في أيّ قرار .. ولمطالب أخي وهيمنته .. ولنصائح وسخافات أمي بأفكارها الغبية .. ولازدراء وتكفير أختي.. ولغيرة وخبث زوجة أخي.. ما أقسى هذا !! هل سأخرج من سجن غالب الكلب إلى سجن كلّ هؤلاء الوحوش ؟؟!! هل سأتخلص من قهره ليقهرني كل من أعرف وربما من لا أعرف أيضا ؟؟
ليكن إذن أن تصفعني يا غالب. ليكن أن تهينني وتُذلّني وتحطّم كبريائي. اصفعني ما شئت واخدعني أنى شئت.. فقط ارحمني من قهر طلاقٍ قاتل!!!!
أنا حمارة…وستين حمارة…وملعون أبو المرايا العاهرة التي تحرّضني على نفسي و تقف ضدّ سعادتي وهنائي…ملعون أبو الكبرياء, ملعون أبو ….
حملتُ طفلتي، دون أن أنبس بكلمة ، غادرتهم راجعةً إلى غالب .. راجيةً فقط أن يعيدني إليه…لم أنتبه إلى المارّة وهم يرشقونني بنظرات استغراب…وأنا أجري..وأجري…وأجري….يا ربّي…ربّما لم يعد إلى البيت بعدُ…يا ربّي…سأسجد لكما منذ اليوم.. سأسجد لكما يا ربّ.. ولكن عطّله بأي سببٍ عن العودة ….حتي أرجع إلى البيت قبله….
ياااااااااااااااااااااربّ

أنوار سرحان- الجليل
من مخطوط "سيناريو لجريمة محتملة"

.