من عمق غابة الخبز/ بقلم: كمال العيادي. مونيخ

من عمق غابة الخبز/ بقلم: كمال العيادي. مونيخ

استيقظت صباح الجمعة وبي عطش لقراءة نص مختلف. شعرت بالضيق حقا وأنا أتجسس مؤخرات كتبي المصفّفة بعناية كجنود خاملة لا ترغب في الحرب. ذلك أنّ زوجتي الألمانيّة الشقراء أجبرتــني منذ سبــع ســنوات على مدّها بصنف كلّ كتاب ومؤلفه وموضوعه : نقد حديث, روايات, دواوين, مجموعات شعريّة, قصص, فلسفة, تاريــخ, أدب الرحــلات, مسرح, سينما, ....فــــنون, لغات, مجلات مهمّة, كتب مراجع, كتب أمّهات, كتب دينيّة, كتب موسيقيّة, كتب في التراث,كتب الحضارة, قواميس.... كـلّ لغة على حــده.

وبعد أن لطّخت ظهر كلّ كتاب برقم أسود على طريقة الألمان الخاصة جدّا, وأصبح في إمكانها بهذه الطريقة الماكرة إعادة كلّ كتاب إلى موضعه بعد أن أخرجه وأرجعه متعمّدا, في غير موضعه, طمعا في عنصر المفاجأة ولذّة البحث اليوميّة وهي فترة كنت في أشـد الحاجة إليها أحيانا لترتيب أفكاري المبعثرة بين الفواتير والمقالات الصحفيّة المطلوبة بدقة ومقاسات مزعجة. و رغم جهلها للــغــة الفرنسيّة والروسيّة والعربيّة فلم يحدث أن بات كتاب في غير موضـعه. وهو ما كــان يشعرني بالقــرف والغربة مع أصدقائي الذيــن ضحيت بالكثير من أجل جمعهم عند رفوف خشبيّة متشابهة بغرفة مكتبي الضيّقة والرّواق, آملا أن أبعثرهم يوميا لممارسة لعبة الغــميــضة .

سبـع ســنوات وأنا أشرح لها مرضي كلّ يـوم وهي تعيد محــمود درويش إلي قسـم الشعر السياسي وبولــغــاكوف إلى قـسم الرواية الغـرائبية. و بوشكين إلي قسم الشعر الكلاسيكي . سبع سنوات من اللهاث. لا هـي تعبت فاستراحـت ولا أنا رضـخـت فأرحـت.

ولأنني كنت وحيدا هذا الأسبوع لأنّ - قيزيلا - أخذت ياسمين, لشواء جلودهن تحت شموس ايطاليا فقد قررت النزول إلى المخزن السفلي حيث مقبرة كتبي التي لم تجد لها مكانـا مناسبا بالــرفوف, رغم أنني أقوم بإهداءات حاتــمــيّة للأصدقاء والمنظمات العربيّة, خوفا من تلفها.
نزلت المخزن متلهّفا ورحت أبعثر بساديّة كرادين الكتب العربيّة, ابن عربي, سـميح القاسم, طاغور, ادغار آلان بو, دستيوفسكي, كانط, إصدارات دار الساقي, إصدارات دار الجمل, نجيب محفوظ, يوسف ادريس, طه حسين, الف ليلة وليلة, الطبري, ابن الأثير, الجاحظ….مئات الكتب التي ارغب في حملها معي جميعا, ولكــن لا رغـبة لي اليوم فـي تصفّحها.

ظللت أبعثر الكتب في توتر حتى طالعني وجه حنان الشيخ اللبناني الأصيل مقلوبا. عيناها الواسعتان مثل فنجان قهوة يمنيّة
شعرها الأسود الفاحم ورشمة شفتيها مثل طائر غائر في السماء.
قلّبت الكتاب فوجدت أنه روايتها – إنّها لندن يا عـزيــزي-.
وجدتها…وجدتها. صرخت جذلا مقلّدا – أرخميدس- وهو يباغت بالوحي في الحمّام عاريا. ورحت أبحث عن كتب أخــرى لــها. ولـم يطل بحثي ... وجدت أربع روايات أخرى : حكاية زهرة- مسك الغزال- بريد بيروت- اكنس الشمس . قلت في نفسي هذا يكفي الآن.

لا أعرف كيف لم أنتبه لمرور الوقت. ثلاثة أيّام لم أكد أنم خلالها إلا قليلا. وشعرت بالخجل الشديد أنني لم أقرأ آخر أعمالها.
عوالـم مثيرة. أسلوب جبّار وطريقة سحريّة في السرد.
أضحكني سمير اللبناني الشاذ وأميرة المغربيّة المومس التي تخدع الجميع وهــــي تدّعي أنّها أميرة سعوديّة لتحصل على عشرة آلاف دولار بدل المأتي دولار, تسعيرة جسدها المتدلّق. وكدت أحضن لميس العراقـيّة وهي توقف سيارة التاكسي هربا من نفسها ومن نيقولاس خبير الخناجر العربيّة.

قررت صباح الاثنين أن أؤجل النوم أربع ساعات أخرى لكتابة رسالة لحنان بلــــندن ونص عن رواياتها الرّائعة. وحين خابرتني زوجتي, وسألتني مازحة, إن كنت قد قـمت بخيانـتها خلال نهاية الأسبوع أجبتها صادقا بأنني كنت كامل الوقت بجسدي وقلبي مع العزيزة حنان الشيخ.
ولكنني أضفت بأنها كـانت الســبب في عدم استمتاعي بها قبل ذلك, لأنّها كانت منذ سنة ملقاة في المخزن السفليّ . بسبب رفضها الدائم التخلّص من الطاولة الــبلّوريــّة التــي تحــتل مــكانا هامــا من البــهو حيث رفوف مكتبتي. فهمت. وضحكت. ولكنني قررت أن أضع حنان الشيخ منذ اليوم تماما فوق الطاولة البلّوريّة. وأضمرت التمرّد على نظام زوجــتي بصــفة رسميّة والبحث كلّ أسبوع عن أصدقاء بمقبرة المخزن حيث أودعت كتبي.
كتبي الحبيبة التي ضاق بها الرّواق البافاري المعدّ لشخصين لا يعرفان تحديدا ما السبب في إجتماعهما تحت سقف قرمديّ واحد كلّ هذه السّنين.

( يتبع ...)

كمال العيادي - مونيخ
www.kamal-ayadi.com

.