امرأة ولغة – مَرحَبَة..

امرأة ولغة – مَرحَبَة..

قالَ لِي الطَّالِب الأمريكي الَّذي أعلِّمه اللغة العربية إن التحيَّات بين العَرَب تَبدو وكأنَّها مُنافسة لِمَن سَيُحَيِّكَ بأحسنِ مِن تَحِيَّتك!

"ماذا تقصد بالتَّحديد؟" استفسرت.

وأجاب: إذا قُلتُ لأحَدٍ "سلام" تكون الإجابة عادة "سلامات".
إذا قلتُ "مرحبة" الإجابة "مرحبتين" أو "مراحب".
أمّا "صباح الخير" فتأتي بصباح الورد والنور والقشطة والمجدرة والفلافل والكنافة وكل ما في كَنَف المطبخ العربي من أطعمة. .

ضَحِكت، فأنا أعرف أنَّ ما يقوله صحيح، ويعكس صورةً مختلفةً عن الوضع في أمريكا حيثُ التَّحيات المُقتَضَبَة.

قُلتُ لهُ ان العَرب طُلِبَ من مُسلِميهم أن يُحَيُّوا بأحسن مما حُيُّوا أو على الأقل أن يَرُدُّوا التحية، ومع الزمن صار هذا نمطاً طَيِّباً للتحيات بين الجميع..

وهنا سألني الطالب: "إذا أرَدت أن احَيِّي بأفضل تَحِيَّة ممكنة في فلسطين، ماذا أقول؟"
طَلَبتُ بعض الوقت حتَّى أفكر فأنا لم يسألني أحدٌ هذا السؤال مِن قَبل.

وفي اليوم التّالي أعطيتُ هذا الطالب ورقة ظننتها تبدأ بالإجابة على سؤاله، وهذا نَصُّها:

إذا قال لك شخص من فلسطين صباح الخير، الإجابة المنطقية هي صباح النّور، أي صباح عَدَم انقطاع الكهرباء. وإذا أردت أن تقول بما أحسن من ذلك، يجب حينها أن تتطرَّق الى امور تُهِم الشعب الفلسطيني مما سيجعل اجابتك كما يلي:

صباح النور وزوال الجدار وانتهاء الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى وعودة اللاجئين والوحدة الوطنية والوحدة العربية والاعتراف الدولي والاعتذار الدولي والشوارع النظيفة والطفولة البريئة من أعمال الكبار، والماء الكافي، والقدس عاصمة الدُّوَيلَة الفلسطينية، وحريَّة التعلم، وإعادة بناء فلسطين، وحرية السفر، اضافة الى الكنافة والفلافل والفراولة والخَس والعَكُّوب في الشتاء ومناقيش الزعتر، والهندباء والسندباء إذا أردت، وكواعب العنب وقبلات التين المعلقة على الأشجار واللوز الأخضر والزيتون الأسود والبندورة الحمراء وحليب العصافير. .

وحين تنتهي من التحية يكون قد حان موعد صلاة الظهر فَتنطلق في طريقك ليقول لك شخص آخر "مرحبة". وطبعا الإجابة "مرحبتين"، إضافة الى ما تَيَسَّرَ لك من التحيات المناسبة وعلى هذا فلن تلاحظ وقت العصر وهو يمر بك مسرعاً وأنت ما زلت منهمكاً في الرَّد على "مرحبة". ثم يأتي المغرب ولا يمكن تجاهل وصوله، لأن مصابيح النور شبه المُعَطَّلة تبدأ بالغمز، فتمضي في طريق عودتك إلى منزلك . . وهنا يراك جارك، فيقول لك: مساء الخير!