بطاقة معوجة../ راجي بطحيش

بطاقة معوجة../ راجي بطحيش

راجي بطحيش
ندخل إلى السيارة. درجة الحرارة فيها 500 مئوية. زجاجة المياه المعدنية. تغلي . نظاراتي الشمسية التي اشتريتها من البواقي انبعجت. وكذلك بطاقة صندوق المرضى. يصرخ الجميع. علي أن أحل مشكلة الحرارة للكل. بأية طريقة ممكنة لا يهم فكل شيء متعلق بي وبإرادتي. فأنا صاحب الحلول. تعتقد المرأة الجالسة قربي أن في داخلي مكيفا يخرج منه الهواء المثلج النقي والمنعش ويخترق أذناي وفمي وأنفي و..و.. كما تعتقد الكلبة الجالسة في الخلف أنني بمجرد ملامستها وجعلها تلعق أذني فسيتساقط ثلج بلوري ساحر.

أشغل المكيف رحمة بالعباد. كالعادة أو بالطبع تقول لي المرأة التي تجلس بجانبي أن التكييف عال وأنها تكاد تموت من البرد. نخرج من الموقف أو نود الخروج منه. لا سبيل. لقد أضعت بطاقة الدخول وبالتالي علينا قضاء ما تبقى من حياتنا في هذا المرآب المداهم. يصرخ الطفل من وحشة العتمة والهواء الفاتر المنفلت من صهاريج السيارة. ثم تبول الكلبة على أرضية السيارة الجديدة، ويمر عشرون عاما...

ندخل المجمع التجاري أو المول أو الكنيون بلغة الإحتلال التثقيفية. إلهي ما هذا العدد من الأطفال. كيف تساقطوا في هذا الفضاء. واو.. وأخير هواء تكييف طبيعي غير مجبول بغازات الإبادة الجماعية المتدافعة من المحركات. يمتلئ المكان بالآباء المرهقين الذين يبحثون عن أقرب سكين يقطعون به شرايين معاصمهم الهشة أصلا. يتدافع الأطفال. وتكاد الأمهات تقتل واحدة الأخرى من الغيرة وفنون المقارنة. ولا تتنازل أي واحدة منهن عن حشر ذاتها في حفاضات الطفولة المستعملة.

أسمع ضجيجا من بعيد.. صراخا. يقولون بأن أحد الإباء أصيب بانهيار عصبي مفاجئ... داني. كفى كفى كفىىىىىى. نشتري بالونات فتتفجر في وجوهنا. نشتري ماكدونالدز هابي-ميل. نلقي قطعة اللحم المقرفة في وجه با با . ونلهو بـ"شريك" وعصابته. يعتقد البائع في ماكدونالدز أنني اعتقد وأنني مؤمن بأعمق حالات إيماني أن الدمية الوحشية المرفقة بالهابي ميل..هي هدية! نشتري بوظة نلعق منها قليلا. تستقر نصف كرة من البوظة عند حواف شعيرات صدري. لا أعرف كيف وصلت إلى هناك. تستقر ثم تذووووووووووووب.

ندخل منطقة الألعاب. أحاول تحييد تفكيري الجرثومي قليلا. لا استطيع. كل هذه الألعاب مليئة بالجراثيم. أقف بعيدا. تقول لي الكلبة كل شيء في عالمنا هذا مليئا بالجراثيم.. حتى أنا! هل تصدق ذلك؟ حتى أنا! يتزاحم الأطفال حول تماثيل الألعاب التي تشغل بالشيكل.. يطلب مني طفلي أو يأمرني أن نتوجه للعبة الحصان. نذهب إلى هناك. يعمل هذا الحصان بشيكلين وليس بشيكل واحد. أدخل قطعة 2 شيكل جديدة. فيلفظها الحصان. تقول لي إحدى الأمهات التي تملؤها الطاقة أنه علي أن أحول القطعة إلى 2 شيكل منفصلة كي تتحرك اللعبة. أبدأ رحلة البحث... حدا يعطيني ورقة... حدا يعطيني ورقة... على رأي فيروز في مسرحية "المحطة". في هذه الأثناء يضيع كل من/ما كان معي بما في ذلك هاتفي الخلوي.. الخليوي.. النقال.. الجوال.. المحمول.. الموبايل.. المتحرك.. أو البيليفون بلغة الاحتلال التثقيفية. يبكي طفلي قرب الحصان. علي إنشاء مجموعة بالفيسبوك لحل معضلة تشغيل الألعاب بقطع 2 شيكل منفصلة. أعود بالقطع المعدنية. أحاول تشغيل الحصان. أحمل طفلي وأثبته على ظهر الحصان. يبدأ بالتململ..ثم بالاستغاثة.. بخاف... بخاف...
بعد لم الشمل... ننتظر المصعد ننتظر وننتظر.. يصل المصعد حيث ننتظر ولكنه لا يقف.. يلهو به الشبان المراهقون. فيصعد.. ويهبط.. ثم يصعد مرة أخرى.. تقول امرأة عربية ستينية متعجرفة لإبنتها/ كنتها (والفرق شاسع): "شو هدا القرف عندكو، بأميركا مش ممكن يصير هيك. عنا بأميركا... المحلات أنظف.. والبوظة أطيب.. والأكل ببلاش ومرمي بالشوارع... وعنا بأميركا الأطفال مؤدبين.. والكلاب بيعملوش بي بي وكاكي من أصله".. ويصل المصعد...

ندخل إلى السيارة.. الرطوبة ألف بالمائة.. يطلب مني الجميع إيجاد حل فوري للمشكلة.. أفكر بكتابي الجديد.. والسيناريو السينمائي الذي أكتب.. والنص القادم.. والمقالة التي طلبوا مني كتابتها في برلين. ومشاريعي الخريفية الواعدة... نغرق في مستنقع عرقنا... أشغل المكيف.. وأخيرا ماتت السيدة الجالسة بقربي من شدة البرد. لقد أضعت بطاقة الدخول مرة أخرى. كما أن بطاقة هويتي انبعجت وتحللت من شدة الحرارة والرطوبة. سنعيش هنا.. وتمضي عشرون سنة أخرى...