عصيّ الدّمع../ بسام الهلسه

عصيّ الدّمع../ بسام الهلسه

ترغب في البكاء.لا قهراً ولا حزناً ولا فرحاً، بل البكاء الخالص لِـذاتِه، كما ضبابٍ ناعـسٍ، أو شِتاءٍ وحشـي حميم.
كم مـرَّة أوشـكـت وهَـمَـمْـت ــ أو هـكـذا ظنـنـت ــ لكـنـك لم تسـتـطع، وظـلـت دمـوعـك مُكابـرة،عَـصِيَّـةً، لا تـرِيـم.
تجهـل كُـنه هذه الرغـبة المبهـمة التي تعـتادك من حيـن لحيـن. وحينما تـتـذكر المَرَّات التي بكـيت فيها، تجد أنها لم تبلغ عدد أصابع اليــد الـواحـدة.

* * *

في الرابعة عشرة من عمرك بكيت أول مرة عندما توفي الرئيـس جمال عبد الناصر، أو "أبو خالـد" كما اعتاد قومـك أن يـقـولـوا مـن بـاب الألفة والتـقـديـر.
تذكرُ الموقـف بوضوح: شعرت بغـصَّـةٍ واختناق فيما كنت واقـفاً تستمع إلى المذياع وهو يعلن الخبر: تماسكت وإنزويت في العتمة. وفجأة- ودون أن تدري- تـحَـدَّرت الدموع السـخينة من عينيـك، فتظاهـرت بانشغال ما وأشحت بوجهـك جانباً كي لا يـراه رفاقـك المتوترون الملتفـون حول المذياع.
لم تبـكِ بعدها سـوى ثلاث مرات: مرَّة في موقـف قهـرٍ وغيـظٍ، ومرتيـن إثـر وداع عزيـزَيـن رحـلا فجأة إلى الأبد، بكاء صامتاً مـكـلوماً انطـلـق فغَـلبَـك على نفـسك.

* * *

ليس اعتذارا ما ترويـه، ولا تبريراً لسلوك شعوري يبدو مخالفاً لتنـشئةٍ ثقافية ترى في بكاء الرجال علامة ضعف.
فأنت لم تبـكِ من ضعـف ولا فـزع عند المحن والملمات التي ألِفتها إلى درجة اللامبالاة بها وكأنها أمور طبيعيـة. ففي الظروف الصعبة الطارئة، وحتى الخطرة جداً التي عايشتها، كنت ــ وما زلت كما تأمل ــ تتصرف بهدوء تلقائي كمن يـزاول أمرا إعـتـاد عليـه.
ما ترويه إذاً، هو استرجاع لما ترغب به الآن ولا تستطيعه. لعله يفتح باباً لدمعك الحَبيس المضطرم الذي لا تعرف سِـرِّه. لكنك لا تريد أن تبكي هذه المرة على أحد، بل على آمال حشدتها وعَبَّأتها عبر السنـيـن، وعلى عيـون حزينة غادرتـها اللهـفـةُ وبَـرَّحَها الصَّبرُ الجميل وشوق الانتظار، فاتكأت كإضمامة وردٍ على طاولة في مقهى مُعتمٍ خلا من الرواد.

* * *

ــ لم لا تـستـطيـع البـكـاء؟
ــ لعلك خَجِلٌ من نفسك؟ أو تخشى أن "يذاع لك سِر"؟
ــ لا أنتظر منك أن تخبرني. أعرف أنك لن تعترف، وستحدثني عن شأن آخر.

* * *

تلوذُ بصمتك، مُوارِياً ما أنت فيه بابتسامةٍ حارقة..
ويندلـعُ ســؤالٌ تعـرف مُسبـقاً إجابته:
من ذا الذي يفهمك في ذا الزمن القاحـل الموحش؟
ترغب في البكاء.. لكنك لا تجد صدراً تبكي عليه!

* * *
آهٍ عليك...