الجنون عين العقل..! / حسن يوسف

الجنون عين العقل..! / حسن يوسف

أعتقد أن مجتمعنا يعيش حالياً مرحلة ناشطة من التنمير وإطلاق الأحكام، حيث إن بعض المنمرين قد يقومون بإلغاء شخصية إنسان تشكلت على مدى أكثر من نصف قرن في أقل من نصف دقيقة، واختزالها إلى صفة هامشية من صفاتها!

والحق أن إطلاق التهم والأحكام من أسهل الأمور في الحياة، الأمر العسير العويص هو الفهم! والحق أنه من المتعسر فهم قيمة أي شخص أو حدث أو رقم، إلا عندما نعرف نوعه وظرفه، فشتان بين كيلو البطيخ وكيلو الذهب وشتان بين من يملك الملايين فيتبرع بالمئات وبين من يملك المئة فيتبرع بها! ‏

وقد استنتجت بعد تفكير طويل أن كل شيء يأخذ هويته من الظرف المحيط به، فما أكثر الأشياء التي تبدو جيدة لكنها تخبئ الخبث في داخلها، وماأكثر الأشياء التي تبدو خبيثة لكنها عند اختبارها واستجلاء كل تفاصيل دورها تثبت أنها تلعب دوراً ايجابياً في الحياة.

حتى المعلومات الصحيحة قد تكون مظللة في كثير من الأحيان. والشيء الصحيح في كثير من الأحيان قد يكون عين الخطأ في ظرف ما. ‏

قبل حوالي عام تناولت حقيبة حاسبي المحمول من المقعد الخلفي للسيارة، وقد دهش أصحاب المحلات المجاورة للجريدة عندما رأوني ألقي بحقيبة الحاسب المحمول أرضاً. ‏

قد يبدو من الجنون أن أقوم بإلقاء حقيبة الحاسب المحمول على الإسفلت هكذا، لأنه جهاز حساس غالي الثمن! ‏

والآن دعوني أصف لكم تلك اللحظة لتروا أن ما قد يبدو لكم من بعيد ضرباً من الجنون، لم يكن في الحقيقة سوى عين العقل! فقد أحسست فجأة أن وزن الحقيبة يتناقص بسرعة كبيرة، وخلال أجزاء من الثانية أدركت أن حاسبي المحمول يقع من الحقيبة وقد ينكسر عند ارتطامه بالإسفلت لأنني لم أغلق سحابها ولأن القفل الحديدي قد انحل في الطريق بسبب اهتزاز السيارة، وهكذا خلال أجزاء من الثانية قررت أن أفلت الحقيبة لعلها تحمي الحاسب من الكسر عند ارتطامه بالأرض، وهذا ماكان! لم ينكسر الحاسب . ‏

الحركة التي بدت للمراقب من بعيد ضرباً من الجنون، كانت ضمن ظرفها الخاص عين العقل!. ‏

في التاريخ ثمة أمثلة كثيرة مشابهة ، تظهر أن ماقد يبدو عين الصواب قد يكون في الحقيقة عين الخطأ ،والآن سوف أطرح عليك أيها القارئ العزيز عدة أسئلة أرجو أن تجيبني عنها. ‏

السؤال الأول: إذا كنت تعرف امرأة لديها ثمانية أولاد، ثلاثة منهم مصابون بالصمم، واثنان منهم مصابان بالعمى، وواحد منهم متخلف عقلياً، وهي مصابة بداء السفلس وهي حامل بطفلها التاسع، فهل تنصحها بإجراء عملية إجهاض؟ ‏

أرجوك هنا أن تجيب على السؤال قبل أن تتابع القراءة. ‏

هل حسمت أمرك وقررت؟ اعلم إذاً أنك إذا قررت أن تنصح تلك الأم بإجراء عملية إجهاض فقد حكمت لتوك بقتل أعظم موسيقي في تاريخ البشرية: لودفيغع فان بيتهوفن! ‏

السؤال الثاني: إنه الوقت لانتخاب زعيم جديد لقيادة العالم وصوتك في الانتخابات قد يغير مجرى التاريخ، وهناك ثلاثة مرشحين، المرشح الأول يتعامل مع السياسيين غير الشرفاء ويستشير المنجمين ولديه عشيقتان، وله عادة في التدخين المشترك، ويشرب من ثمانية إلى عشرة كؤوس من المارتيني كل يوم. ‏

المرشح الثاني: طرد من وظيفته مرتين، ينام حتى منتصف النهار، تعاطى الأفيون أثناء دراسته الجامعية، ويشرب ربع ليتر من الويسكي كل مساء. ‏

المرشح الثالث: بطل حرب يحمل عدة أوسمة، وهو نباتي لا يدخن، يشرب كأساً من البيرة في المناسبات، وهو لم يخن زوجته أبداً. ‏

أي واحد من هؤلاء المرشحين تختار؟ ‏

هل حسمت أمرك؟ اعلم إذاً أن المرشح الأول هو الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، أما المرشح الثاني فهو أشهر رئيس وزراء في تاريخ بريطانيا، ونستون تشرشل، أما المرشح الثالث فهو الزعيم النازي أدولف هتلر، قد يكون من المفيد أن أذكركم بأن هتلر تزوج إيفا براون قبل يوم واحد من انتحارهما، وبالتالي لم يكن يملك الكثير من الوقت لاختبار إخلاصه الزوجي. ‏

نعم، إن بعض المعلومات الصحيحة قد تدفعنا لاتخاذ قرارات خاطئة! واعلموا أن ما قد يبدو ضرباً من الجنون في السياق العام، قد يكون في سياقه الخاص حكمة خالصة!


"شام برس" ‏

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018