حشرجات ذاكرة اسير/ أ. ميلاد ( سجن نفحه)

حشرجات ذاكرة اسير/ أ. ميلاد ( سجن نفحه)


 


حشرجات ذاكرة أسير


 


 






كوني شفتاي وإرتشفي قهوة صباح


لم يبزغ فجره بعد


وقبّلي ميلاد الذي إنتظرناه طويلاً


فلم نأتي ليأتي


كوني كفاي وتحسّسي جدار بيت عتيق


كان متكأ صباي وأنا أنتظر عودتك


فلم أعد أنا...


خذي يا حبيبتي عيوني


خذيها وتأملي مضارب الطفولة


وميادين اللهو البريئة


خذيها وإفتحيها ملء الأفق


عسى أن تجدي بها بقايا


من حلم وبعض الصور


فأنا قد إستهلكت كلّ مخزون الذاكرة


ولم يأتي ميلاد ...


آه ميلاد ...


خذي ذاكرتي وكلّ حواسي


فبعد عشرين عاماً من السجن


لا قيمة للذاكرة سوى جهاز الذاكرة


فأنا أتذكر أني تذكرت ..


والزمان والمكان في السجن توقفا


فلا جدوى من إجترارهما ..


خلصيني من عذاب هذا التكرار


خلصيني من جدران تليها جدران


ومن أسوار لها أسوار


وخذي حواسي


فرائحة دم الرفاق وعرقهم تفوح من جدران زنزانتي


والمكان أضيق من أن يتسع لضحية أخرى للذاكرة


خذي كلّ حواسي يا حياتي


فالموت على يد الجلاد يحتاج الإحساس به


فله طعم وذاكرة.


أما أنا جثة بلا ذاكرة ..


أنا ضحية ذاكرة شنقت


أنا يا حبيبتي أعدم بأحدث وسائل الهندسة البشرية


أنا الميت بروح بلا ذاكرة


أنا أكتب لك في آخر حشرجات ذاكرتي.


يقال بأن ألم فقدان الروح كلسعة سيجارة،


بينما ألم فقدان الذاكرة أشد إيلاماً ويستغرق زمناً بطولها وعمقها


ما الذي نتذكره في آخر طرف الذاكرة؟


وجه الحبيبة .. ملاعب الطفولة ..


أم وجه أمي الذي لا أفلح في إستحضار ملامحه.


الذاكرة جوهر الإنسان ..


فأمنحي ذاكرتي طلقة الرحمة وراحة النسيان


وخذي ميلاد مني ذاكرة للأبد ..


ليكن ميلاد الذاكرة ..


أو ذاكرة الميلاد ..




أ. ميلاد


سجن نفحه