صخب زائف في المدينة../ ناصر السهلي*

صخب زائف في المدينة../ ناصر السهلي*

سيدة.. لا يمكن تقدير عمرها.. وشابات يصغرنها قليلا.. شباب في مقتبل العمر.. ورجال ينزلون من سيارات باهظة الثمن.. صاحب الربابة يجلس على الرصيف، ويضع بعض الريبوبيكيا، أكبرها كف يد وعين زرقاء يقولون أنها تقي من "الحسد" دون أن أرى شيئا نحسد عليه في اللحظات التي تلت ما كنا نُحسد عليه حقا، لتتوزع بغير انتظام على الرصيف.. وبعض مفاتيح وأجراس.. أشياء أخرى، قوس يساعد الربابة على إصدار صوت مزعج ولائحة مكتوبة بخط اليد وبلغة إنكليزية " للبيع".. على بعد أمتار بائع الذرة المسلوقة والفول والحمص والترمس.. وفي كل زاوية عربات بائعي القهوة.. ركوة مر عليها دهر فصارت بلا شكل ولا لون إلا إذا تفحصتها عن قرب..

أقطع مسافة الاختناق..
سيدة.. لا عمر لها وشابات يتبعنها للدخول إلى مقهى "يوروبيان" ( هكذا هو الاسم بأحرفه اللاتينية واسمه الانكليزي).. متخصص بقطع الحلوى.. تمر شابات في مقتبل العمر بالقرب من محل متخصص بزيادة الصخب الزائد بمكبرات صوت يرتج الرصيف مما تصدره من موسيقى وأغان.. يعتقد مالكه بأن الشارع والمدينة ملكه.. تماما مثلما يفعل أصحاب السيارات باهظة الثمن.. إذ لا احترام.. ولا نظام الأولوية مفهوم عند تقاطع المشاة، يركنون سيارتهم على نصف الرصيف بعكس السير ليتناولوا لفافات الشاورما.. يركنون ظهورهم ليشبعوا بطونهم بما يلوكون ونظرهم بما يرون..

أقطع مساحة اختناقي..
نزولا.. صعودا نحو قلب المدينة القديمة.. فأنا تربطني بالأحياء القديمة علاقة حميمة.. ربما في طفولة مبكرة كنت أرى المدن القديمة انعكاس لطهارة الانتماء لصلصال الأرض.. في دمشق كانت أجمل الأزقة.. وفي القصبة الجزائرية أشياء كثيرة تتشابه مع قصبة نابلس..

في الطريق كل شيء رتيب.. أدخل المقهى.. لا أسماء عربية للمقاهي وهي التي تنتشر بلغة إنكليزية كالتي تمد لسانها بوجهي ولغتي العربية..

في المقهى لا رائحة للبن.. وقد أكون مثل بقية هؤلاء الذين يجلسون يغوصون في تناول القهوة التي تناولوها في بيوتهم قبل قليل من وصولهم.. ربما خرجوا من رتابة الأريكة.. ومنظر الصالون.. والصور واللوحات المعلقة.. قد أكون مثلهم.. تناولت القهوة قبل قرار الخروج.. أكرر طلبي " قهوة سادة وكأس ماء مثلج".. لكني لست مثلهم، فلا لوحات معلقة عندي ولا جدران تغطيها مطرزات.. ولا سجاد يفترش الأرض.. فرشتي تحاذي الأريكة.. كتب متناثرة.. وترتيب غائب.. تتناثر صحف وكتب.. بقايا شمع محترق ومغشوش..

أعاود لعبتي.. أتفرس الوجوه استراقا.. أراقب هذا الصخب الزائف.. زاويتي التي أحتفظ بها تبقى هي زاويتي.. لا مفر من وصول قهقهة على أي شيء لتطن في أذنك فتعيد ترتيب المشهد من جديد.. لا مفر من أن تكتشف، في ارتباك الحديث واستفسارات لا يطرحها من يعرف الآخر بعمق، بأن عاشقين يخرجان للمرة الأولى..

ماذا تخفي هذه الوجوه التي تصطنع صخبا زائفا لحياة سجن كبير لا لباس موحد فيه ولا نظام صارم ولا تعذيب جسدي.. قد يكون فيه بعض النفسي.. أراقب، ولا شيء مجانيا ومباحا أكثر من المراقبة اختلاسا كي لا أزعج هؤلاء المندمجين في ذائقة غير ذائقتي.. رجل لم يتقن صباغة شعره الرمادي، يجالس شابة بنصف عمره.. سيدة غارقة في حاسوبها.. وآخرون يتحذلقون حول طاولة دائرية الشكل عن كل شيء بنكهة تطعيم اللغة العربية بجملة انكليزية من بين كل ثلاثة جمل عربية..

يحمل البعض هاتفين أو ثلاثة هواتف.. سجائر مارلبورو.. وبعضهم يتبعه من يحمل له تلك الأشياء بعد أن يركن سيارته أينما شاء، للدلالة على "المكانة الرفيعة".. تصيبني مشاهد هذا النمط من الاستعراض "ألذكوري" برغبة في التقيؤ.. تمر عشرون دقيقة قبل أن أجد نفسي مرة أخرى في الشارع.. لا بوصلة ولا اتجاه ولا حتى إدراك بما حولي..

قبل المغادرة لا بد لي أن أستمع لتعليقات طريفة في ثرثرة أنثوية عن "لابد أنه أجنبي".. وكأن خيبة ظن تصيبهن حين أطلب من النادل الذي يعرفني قهوتي السادة.. ويا لهذا التناقض المنقلب على رأسه.. في البحث عن تمضية الوقت في صخب مصطنع.. لفرح يبدو على الوجوه بشكل ماكر يخفي كل إرهاصات الخذلان بمرحلة التمويه التي نغوص في مستنقعها.. فالسياسة هبل.. والثقافة تتحول إلى آخر صرعات الموضة و من اللباس إلى الهواتف ونغمات متبادلة..

في السجن أو الإقامة الجبرية يتفنن المعتقل في قراءة ما أمكنه.. وفي السجن يبتدع المسجون طرقه كي يحافظ على عقله.. في السجن كان لي صديق يقول: أجمل اللحظات أن تحصل بطريقة ما على فنجان قهوة.. تتفنن في صنعه بشتى الطرق.. تجهز نفسك لرسم لوحة أو كتابة شيء يجول في رأسك.. وفجأة لشدة فرحك تندلق القهوة على كل استعداداتك.. فعلى ماذا ستركز غضبك؟
غضبي أنا؟

في الصخب الزائف لمدينة سجينة تصير صدفة، أو غريبة، أن تتواجه والحقيقة.. فالحقيقة أن جل من يمارس الصخب يعرف زيفه.. لكن ذائقة الحياة تتغلب على رائحة الموت المحيط والمرغوب لهؤلاء الذين يعرفون حجم كارثة الاغتراب عن الواقع ومبادلته بأي شيء يذكر بأن ثمة حياة خلف سياج هذه المدينة المتحولة إلى سجن يقسم فيه ناسها إلى طبقات ومقامات هي أيضا زائفة.. كما هي البطولات التي يثرثر عنها من لم يعايش منها شيئا.. ومن يسأل طالما أن الزيف لعبة يجيدها متحذلق وسط مريدين لا يعرفون شيئا عما كان.. بقدر تعلقهم بما هو الآن.. ونفورهم مما هو آت..

في طريقي الذي أقطعه سيرا على الأقدام، ثمة مجموعة من السائحين.. يلتقطون صورا لرجل الربابة.. والشوارع والبيوت.. ولأنفسهم وسط كل هذا.. تدور في مخيلتي نبوءات تحولنا إلى فرجة.. قالها دريد لحام.. وقالها محمود درويش.. ووسط كل هذه العبثية نصير فرجة شئنا ذلك بممارسة اختيارية أو بانقياد وراء صخب زائف يسرق منا حقيقة هذا السياج الذي يكبل "ما تبقى" لنا..

ينقص الصخب إعلان صريح وجريء عن إفلاس كامل للشعارات وإدعاءات "الطهارة الثورية" التي جعلتني أعيش حالة غثيان في بيت لحم.. في استعراض البطولات والقبل قبل أن تذوب المساحيق وتزال الأقنعة.. ينقص هذا الصخب اعتراف صريح وأكثر جرأة بأن المرحلة تتطلب أكثر من الكذب والتمويه الممارس.. وأن كارثة نورثها لجيل تاه في كومة الخطابات والشعارات.. فهرب نحو الوجبات الأسرع في معالجة ذاتية لاكتئاب وصدمات مزمنين في هذا الانفصام المرضي والذي تخيلته يوما عرضيا..!