في ذكرى غسان كنفاني: أين أم سعد؟/نضال حمد

في ذكرى غسان كنفاني: أين أم سعد؟/نضال حمد

تطل علينا ذكري استشهاد واغتيال الأديب والسياسي الفلسطيني الكبير غسان كنفاني ولا نعرف كيف نستقبل تلك الذكري الباقية فينا بقاء النكبة و كرت الإعاشة الذي لم يعد يعين أصحابه علي العيش، فحتي وقت غير بعيد كان فقراء المخيمات يسدون الرمق من الإعانات، أما بعد عودة صناع اوسلو في الفاتح من تموز (يوليو) 1994 إلي أراضي سلطة ما سمي يومها بالحكم الذاتي المحدود، أصبح كرت الإعاشة طيارا مثل الفراشة، لكنه بنفس الوقت قبيح إذ أنه يحمل ذكري اللجوء ورائحة التآمر الدولي علي شعب أنجب غسان كنفاني وغيره من جيل النكبة الفلسطينية الكبرى.

في تموز (يوليو) شهر العوز العقائدي عاد الذين عادوا إلي البلاد مثلما عادوا دون أن تعود الفكرة لبدايتها، كانوا يعدون لفكرتهم أفكارا غريبة وأخري معيبة، كانوا يظنون بأن دولتهم المتصورة أصبحت قاب قوسين وبأن الاحتلال سيعيد التين واللوز في تموز وآب وأيلول، ولم يتذكروا بحر ايلول الجديد، ظنوا أنهم مثل يوسف حين تطاول أخوتهم عليه، اعتقدوا انهم ضحية الجوار، لكنهم كانوا ضحية سوء الاختيار والخيار، فلا القرار الوطني المستقل بقي مستقلا ولا التدخلات توقفت ولا الخربشات انتهت، ثم كان ردهم أن اهجروا الأشقاء والتحقوا بمعسكر السلام مع الأعداء، فأصبحوا في المعسكر الآخر بعيدين عن ابو علي إياد وابو يوسف النجار وابو جهاد وطلعت يعقوب ووديع حداد وابو العمرين فؤاد زيدان وابو اياد وجيفارا غزة وغسان كنفاني، صاروا من خارج معسكر العطاء وعلي مسافة بعيدة من مقابر الشهداء ومعسكرات الاحياء...

كانوا يعدون لتموزهم التسعيني منذ تموزنا كلنا، تموزنا اللبناني وحرب الجسور التي حطمت جسور التواصل مع الأصول، ففي بداية الثمانينيات، كانوا هم موعودين بالدولة وكنا نحن سكاري في حب الكفاح وفي خمرة الثورة، لذا قدمنا الغالي والنفيس علي مذبح القداسة الفدائية، وهم جنوا ثمار الكفاح بجوائز سلمية واتفاقيات لا تليق بالتضحيات والجراح ...

كانوا مثلما كانوا ومازالوا مثلما كانوا علي وهم السلام يعيشون، ظنوا ان البساط الأحمر في مراسيم استقبالهم هناك سيعطيهم دولة وسوف يحرر ما تبقي لنا من ارض البرتقال الحزين. فكانت مراسيم استقبالهم هناك مراسيم حداد هنا وهنالك، إذ ذكرتنا عودتهم العرجاء بخذلانهم لشهداء النضال الوطني الفلسطيني الذي كان، فحضرت أمامنا الصور والأسماء كأنها كلمات من كتاب الجهاد.

في 14 من تموز (يوليو) يحل يوم معركة حطين وصلاح الدين وفتح القدس وتحرير فلسطين من الغزاة الاستعماريين، ويوم الخامس منه هو يوم الحاج أمين الحسيني، وفي الثامن من شهر التين والعنب يكون يوم استشهاد غسان كنفاني بقنبلة موقوتة فجرت سيارته في بيروت، وفي السابع والعشرين يوم رحيل القائد الفذ أبو علي إياد، الذي قال جملته الشهيرة نموت واقفين ولن نركع ثم استشهد ...

تعود دورة الأيام بعد لف ودوران دام 355 يوما، تأتي ذكري غسان ومعها نكون قد دخلنا في تواريخ فلسطينية جديدة، تواريخ لا تخلو من الحزن والألم والحسرة علي أمة ممزقة أضاعت التاريخ وفقدت المستقبل لتبقي عالقة ومخبطة ومحبطة من وفي حاضر أليم.

تعود الذكري لتأتي من حيث ذهبت، تحضر بيننا وتنظر في عيوننا فتجد في بياضها سوادا أشبه بسواد المرحلة، ولا تجد في حقول ذاكرتنا المثقلة بالزرع الصناعي وبالكيماويات المستوردة من برتقال بلادها الحزين سوي تأتآت التائهين علي دروب الآلام السلمية، وتسمع مع ذكراهم قهقهات الذين لا يهمهم من الوطن سوي جيوبهم،وعلي الجانب الآخر تهدر قرقعة البطون الفارغة، بطون الجياع من شعب الشهداء والعطاء.. ولا تسمع القرقعة عند أصحاب الواقعية الفارغة والعقلانية الدارعة، بل تسمع في مخيمات الجوع حيث العطاء والفداء والإبداع، فالجوع العقائدي موجود في الأمكنة التي لا وجود فيها للسماسرة وتجار الوطن، فتلك الأمكنة مسلحة باسمنت فلسطيني وطني متين، ولا تقبل بالاسمنت الذي يستورد من وحي كمب ديفيد لبناء جدار بينها وبين فلسطين التي ترفض نتاج ونتائج كمب ديفيد السابق واللاحق. هؤلاء هم يا غسان أبناء الوطن المثخن بالجراح، وطنك البرتقالي الدماء والدموع، أما أصحاب البطون المكورة والمدورة، فلا مكان لهم في بالنا وهم ابعد ما يكونون عن حدودك يا غساننا وعن حزن اطفالنا.

آه يا غسان ! أم سعد فقدت السعد والسعادة وبعض أبناء جلدتها الذين صاروا من عبيد امريكا وعبدة الكاميرات والسفر علي أفضل الطائرات، وفقدت كذلك العرب والعاربة والأجانب ولم يعد لها سوي الدعاء لله في دور العبادة، والترحم علي دلال وعندليب وريم وهنادي ووفاء، إذ لم يعد هناك في بلادنا فرق في الشهادة وفن الاستشهاد بين الرجل والمرأة والفتاة والشاب...

لا ! لكننا أصبحنا كلنا نعيش في سرير كيان عابر، وعلي فراش فوق ارض ثابتة لا تغور عن الدنيا ولا تغوص في الوحل.. أصبحنا بلحمنا الذي لا يقبل التقطيع ولا يعرف سوي الجزارين، قضية يريدونها في موت سريري، لكن رغم هذا لا يمكنهم سلخنا عن جلودنا، فنحن من صنع السرير، الفراش فراشنا، أما العابرون علي شوارعنا فلا مكان لهم بيننا،حيث حياتهم ليست ملكهم وحياة سريرنا الثاني عشر ملكنا وحدنا..

نعم يا غسان ان الأرض أصبحت أكثر حزنا مما كانت يوم كنت مازلت ترسمها بريشة قلبك وحبر حياتك، ويوم كانت تقول لك ولراشد حسين : أنا الأرض فلا تحرموني المطر.. برتقالها صار أكثر كآبة وأقل عصيرا... لقد عصروا برتقالنا وامتصوا دمنا ونهبوا حقوقنا وسرقوا بلدنا وجاء منا من يوقع لهم علي صك براءة، فسافر بعض أبناء ارض البرتقال الحزين إلي ارض جنيف البعيدة، حيث قرروا هناك تكملة تجارتهم بما تبقي من أرض البرتقال أو تجربة عبقريتهم السلمية عبر شم رائحة الوعود من بعض أبالسة يسار اليهود..

هذا سؤال مهم وصعب يا رفيق الدروب الوعرة، العالم منقسم علي نفسه، منه من هو معنا ولا يفهمنا، ومنه من هو ضدنا ولا يريد فهمنا ولا يبدي استعدادا لفهمنا، ومنه من هو معنا لأن الحق معنا والحقيقة معنا والعدالة تنقصنا ورحمة ذوي القربة. العالم يا غسان لنا ولهم وعلينا وليس حتي النهاية معهم ومعنا وليس عليهم حتي النهاية.. العالم مازال رهينة المحارق والتاريخ والإعلام المضاد، ورغم هذا استطعنا إحداث ثقب كبير في جدار الخزان، فتمكن الكثيرون من سماع صوتنا ومن هؤلاء بعض ممن كانوا لا يسمعون أو لا يريدون الاستماع...

هؤلاء أصبحوا أنواعا وأصنافا، منهم من باع البارودة واستورد بدلا منها سيارة أمريكية أو أوروبية، ومنهم من تمسك ببارودته ودأب علي صيانتها خوفا من الأيام القادمة، وهؤلاء هم الذين حموا شعبهم يوم قرر الاحتلال تصفية حساباته مع الشعب علي طريقته المعروفة. لم يعد هناك الكثير من رجال جمهورية المنفي الثورية، وبعض الذين قادوا النضال من منافي الثورة أصبحوا أقرب الناس لمن يقيمون في خبر كان، أو لعلهم يعيشون الآن آخر لحظات كانَ وأخواتها وأوسلو وشقيقاتها...
هل مازال عندكم رجال لا يموتون ؟

مازال عندنا أصحاب مراكز لا يموتون أما القادة الحقيقيون فيستشهدون كل يوم، ففي الانتفاضة الثانية فقط رحل أبو علي مصطفي رفيق دربك بعملية اغتيال شبيهة بعملية قتلك، استشهد وهو رجل ينتمي للقواعد والمواقف الصعبة، كما اعتقل رفيقك الآخر رجل المغاور والتخفي والعمل الصامت، رجل إعادة البناء والعودة الي الينابيع أحمد سعدات،وسجانوه نفر من الرجال الذي يموتون وقد لا يذكرهم التاريخ كباقي الرجال في بلدك، لأنهم خذلوا كل قداسة وجدت في فلسطينك. واستشهد شيخ المقاومة احمد ياسين ودكتور الاستشهاد عبد العزيز الرنتيسي وقادة وكوادر ومقاتلون ميدانيون كبار وعظماء لا بد للتاريخ ان يذكرهم بجلل واحترام وتقدير.

لدينا الكثير، الكثير، لدينا أمهات الشهداء اللواتي يعشن أعراس الشهادة كل حسب طريقتها الخاصة.. لدينا ام نضال فرحات وريم الرياشي والكثيرات من نسوة فلسطين الماجدات. ولدينا شعب لا يموت ولا يقبل بين صفوفه الميتين من الأحياء.. فهذا شعب الشهداء والعطاء والفداء، شعبك يا غسان..

ولدينا أيضا قصصك ورواياتك وإبداعك الملحمي وأدبك الملتزم والمقاوم، من أم سعد وبرقوق نيسان حتي رجال في الشمس وارض البرتقال الحزين بما فيها ابعد من الحدود وقتيل في الموصل، ويا ريتك تعرف يا صديقنا ما حل بالموصل وأهل العراق، فقد ذهب العراق إلي الأعداء بعد سجن داخلي دام عشرات السنين وعلي اثر غزو خارجي دام عدة أسابيع.. وصار القتلي في الموصل وبقية مدن بلاد الرشـــيد بالعشرات يوميا .. كما تبقي لنا وعندنا مجموعة ما تبــقي لنا من قصتي الصقر والعــــروس حتي قصـــة رأس الأسد الحجري .. تبقي لنا تراثك الأدبي والفني والسياسي العريق، منه نتزود بالقــــوة كلما خارت قوانا... تبقي لنا كذلك كرت الإعاشة وأصـوات بطون جائعة تكاد تطغي علي صوت الثورة الفلسطينية وصوت فلسطين وصوت الانتفاضة وصوت المقاومة وصوت السلطة وصوت الأمة العربية الواحدة، الهامدة ...