قصة قصيرة: الذي حدث أمس/أحمد كمال زكي

قصة قصيرة: الذي حدث أمس/أحمد كمال زكي

بمجرد أن وطأت قدماي أرض المحطة، شعرت بأن شيئا قد تغير عن كل مرة .. كنت – كعادتي – مرهقا من السفر.. تعجبت من تلك الوجوه الواجمة التي تمتلئ بها المحطة.. فبائع الكشري لا ينادي كعادته على الجائعين، و بائع العرقسوس لا يعزف سيمفونياته المعتادة لجذب الظامئين.. الجميع ليسوا كعادتهم. بخطى ثقيلة تكاد تلتصق بالأرض عبرت حتى وصلت إلى السيارة ( السرفيس ).. ألقيت بنفسي على أحد المقاعد. الجميع يحملون وجوها متجهمة عابسة.. قلت بصوت مرتفع:
- وحدوا الله..
لم يحرك صوتي لهم ساكنا، شعرت و كأنني أجلس بين تماثيل من الشمع. تجولت بنظرات مهتزة بين الجالسين في السيارة. أيقنت أن شيئا خطيرا قد حدث في أثناء غيابي أمس.. نظرت إلى جارتي و سألتها:
- ماذا حدث ؟!
لم ترد.. تأففت فحسب و أشاحت بوجهها عني.. لم أيأس.. بل نظرت إلى هذا الذي يجلس خلفي و بادرته قائلا:
- ماذا حدث ؟!
هو الآخر فعل ما فعلته جارتي.. بينما تشجع أحد الجالسين و سألني:
- ألا تعرف ماذا حدث أمس ؟!
أجبته بتلقائية:
- لا .. فأنا لم أكن هنا.
بعدها تعالت ضحكاتهم التي امتدت حتى انتهت بالبكاء.. ثم سكتوا جميعا.. لم تنطق إلا أعينهم التي صوبت أسلحتها على رأسي. ضقت بالأمر. طلبت من السائق أن يتوقف حتى أنزل. أوقف السيارة بعصبية.. أمسكت أعينهم بتلابيبي، و ألقتني خارج السيارة، طوقتني الحيرة، تساءلت:
- ما هذا الذي حدث أمس و أثر في تصرفات الناس بهذه الطريقة؟!
لَمََّا أُرهق عقلي دونما أدنى وصول لما حدث.. شعرت بإرهاق السفر مضاعفا.




السر




لم أستطع مواصلة السير.. بمجرد أن رأيت تلك الحديقة التي لم أجلس فيها قبل الآن.. أقسمت قدماي على عدم الحركة حتى تنالا قسطا من الراحة. حديقة جميلة، كنت أراها دائما من نافذة السيارة. مشغول أنا جدا بهذا الذي حدث أمس. لم أجد في الحديقة غير رجل واحد.. مَنَّيْتُ نفسي بمعرفة السر منه.. سأستدرجه حتى أعرف ما حدث.. اقتربت منه، قلت متظاهرا بأنني أعرفه من قبل:
- كنت متأكدا أنني سأجدك هنا.
- .......................
- أبحث عنك منذ الصباح الباكر؛ لأعرف رأيك فيما حدث أمس.
- ما زلت لا أصدق !
لم أعرف ماذا أقول.. لابد أن أعرف السر، حاولت استدراجه قائلا:
- أنا لم أصدق أيضا عندما رأيت ما حدث.
قَطَّبَ ما بين حاجبيه، و اشتعل وجهه بالغضب، ثم قال بعصبية:
- أنت تكذب.. أنت لا تعرف ماذا حدث أمس.
قلت مترددا:
- نعم.. لا أعرف ما حدث .. لـ..كـ..
قبل أن أتم كلامي، كان الرجل قد انطلق من أمامي. رأيته يجري بسرعة غريبة حتى استحال إلى نقطة سوداء صغيرة، ابتلعها شارع جانبي. شعرت بالضيق يلسع وجهي، سرت واجما لا ألوي على شيء، يكاد رأسي ينفجر من قسوة التفكير.



حيرة




مازال الطريق طويلا، و مازلت مشغولا بالذي حدث. حاولت التكهن فلم أستطع. الغريب في الأمر هو تأثر الناس بهذه الطريقة، و تطيرهم من هذا الذي حدث أمس.
تذكرت يوم النكسة.. يومها كنت ضمن المنكوسين.. كانت القنابل تزحف وراءنا.. تتعقبنا و كأنها هي العدو. مازالت رائحة الجلد المشوي تسكن أنفي.. بل مازالت أشلاء زملائي تتناثر من حولي. كل هذا لم يؤثر في الناس مثل هذا التأثير الذي أراه. صحيح أنهم حزنوا، و انسابت الدموع من أعينهم دونما استئذان.. إلا أنهم لم يجعلوا الذي حدث محرما على أحد التحدث عنه، كما يحدث الآن.
بل و يوم عبرت مع زملائي القنال، و لقَّنَّا الإسرائيليين درسا لن ينسوه، خرج الناس إلى الشوارع فرحين أيما فرحة.. أذكر ذلك المهرجان الذي أقاموه لي عندما كنت عائدا إلى أهلي لمجرد أنهم لمحوا زيي الحربي.. بل و الاحتفالات الرائعة التي قوبلت بها في بلدي، كانوا بعدها لا ينادونني إلا بالبطل، رغم كل هذا، لم أر ما أراه اليوم.. فما هذا الذي حدث أمس، و لا يريد أحد إخباري به؟!




ارتداد




توسطت الشمس صدر السماء. وَمَضَتْ بعقلي، الذي أظلمته تلك الأحداث، فكرة منطقية.. إذا كان ما حدث أمس شيئا خطيرا كهذا الذي أراه محفورا على وجوه الناس، فبلا أدنى شك سيكون الخبر الرئيس للصحف المسائية.
تجاهلت الإرهاق الذي يحوطني من كل اتجاه، انطلقت إلى بائع الصحف، التقطت جريدة " المساء " و أسرعت إلى منزلي.. على غير العادة لم أجد زوجتي و لا الأولاد في انتظاري.. تجاهلت هذا أيضا.. ألقيت حقيبة سفري على السرير، ثم أمسكت الجريدة و .. عشر مرات و أنا أقلبها ذات اليمين و ذات الشمال.. تأملتها صفحة، صفحة.. كلمة، كلمة.. بل كنت أفتش بين السطور لعلني أجد ما يشفي غليلي.. لا شيء غير عادي.
سمعت صرير الباب. لابد أن زوجتي و الأولاد حضروا. تهلل وجهي؛ فهي لا شك عندها الخبر اليقين عن الذي حدث أمس.
بمجرد أن رأتني زوجتي.. ألصقت ضحكة جامدة على وجهها، كعادتها دائما عندما أعود من سفرياتي، ثم ألقت في وجهي كلمات الترحيب المملة. لم أهتم بكل هذا.. نظرت إليها بتودد، ثم سألتها:
- ماذا حدث أمس ؟
تجمدت ملامحها فجأة، و ألقت ابتسامتها المصطنعة على الأرض، ثم صرفت الأولاد من الحجرة، و أغلقت الباب بإحكام قبل أن تسألني:
- ألا تعرف ؟
صرخت بغضب:
- لا أعرف.. لذلك أسألك.. ماذا حدث أمس ؟
تقهقرت إلى الخلف.. صَرَخْتُ:
- لا تفعلي مثلهم و أخبريني ماذا حدث..
لم تهتم بصراخي.. بل أسرعت خارجة من الحجرة، و أغلقت الباب من الخارج. حاولت تحطيم الباب. لم أستطع. لكمني إرهاق السفر لكمة قوية ألقتني على السرير.. فنمت.



مجنون




قمت فَزِعًا من النوم. أشعر بشيء يثقل رأسي. ذابت تفاصيل الحجرة في الصورة الضبابية التي التقطتها عيناي، ثم لم تلبث أن اتضحت، تبينت المكان.. اكتشفت أنها غرفة بمستشفى.. صرخت:
- ماذا حدث أمس ؟!


* * *


الحق أقول، إنني سعدت بمعاملة العاملين في المستشفى، فقد أحضروا لي صحيفة لأشغل وقتي بها.. كانت الطبعة الثالثة من " المساء ".. و لأنني أعرف ما بها، فقد لاحظت أن هناك خبرا جديدا في الصفحة الأولى.. قرأت: " تلقى مستشفى الأمراض النفسية و العصبية مريضا جديدا اليوم، أبلغت عنه زوجته – مشكورة – حيث إنه لا يعرف الذي حدث أمس ".. صرخت:
- أخرجوني من هنا.. أنا لست مجنونا..
سمعت طرقا شديدا على الباب.. أحسست به على رأسي.. أيقظت عيني. زالت تفاصيل المستشفى، و حلت محلها تفاصيل غرفة نومي. تحسست سريري.. مازلت أشعر بالتعب و الإرهاق.. تهاوى رأسي على الوسادة.. و نمت.