كَ..وُجوه أخوة يوسِف

كَ..وُجوه أخوة يوسِف

نبال شمس

طِفلة أسطورية.. مِن نِقاط التَوراة تاهَت خُطاها إليَّ. سَألتني عَن صِراع إسْماعيل مع إسحاق، فَكانَ التَأمل سَيّد الصِراعات.
تأمَلتُ سُؤالها فَعرفْت سِرّ قََبل أن نَكون وسِرّ أن نَكون.
سَقَط السِكّين الحادّ فَتناقلْنا أوْجه المَذبَح عَلى كُل أشْكاله.
غَفَت على وَرَقةِ تين.. يَبُسَت وَرقة التين حملت سرّ أن لا نكون.
بِماذا نَحلم؟؟
بِذات الحُلم عِندما رَأيتها تَحْلم أن يُراودها الحُلم.
******
لقد وَصَلتُ لذات المَكان، إلى أين؟
إلى حَيثُ لا أدري، لكن السور عَلى حاله والعُشب أصْبحَ اصفرَ بلونِ الذهبِ، فما أغْلى العُشب الأصْفر وما أبْعَدنا عن الذَهَبِ.
وَكََََأني كُنْت هُنا ذات يَوم..اسْتشعرتُ القِصّة.
قُلت والقَول غير مسموع: أين زَنابِق الحَقل والتين؟
في الحَقل شَجر لَوْز مَبتور وبَعض الحِمضيات مِن اللَيْمون يابِس الأغْصان.
صِراعات شَهِدت عَليها الطَبيعة..فَنامَت عَكا بِثوب جَديد واستفاقت عَلى صَوت أطفال غُرباء.
*************
لقد وصلت لِذات المَكان، إلى أين؟
إلى بَقايا مِن بَقاء وذاكِرة.
وَكَأني كُنت هُنا ذات يَوم..اسْتشْعَرتُ القِصَّة لَكنها لَم تَكن أسْطورة.
الحالة كانَت عَودَة ...والحال رَحيل.. ضيقُ وَقت.. يَسبقني.. يَسبق قَلمي فالِت الخُطاة في وَهجِ الشمسِِ.
سائلٌ عن أهل البِلادِ.. باحثٌ في أَزقةِ عَكا عن خُطى الذي رَحَل عنها..وفي بَحر يافا عن رِواية، ما زالت مَفتوحة الصَفحات..لم تُدَوَّن آخر سُطورها.. علّ احَدهم يعود لِتدوينها.
سرّ الصِراع الأول...
سرّّ السِكّين..
سرّ لامْرَأتين وسِرّ لِطفلينِ...مُنذ نَعَف التاريخ أول أسراره عَن غيرة النِساء وَقَتل الأطفال والصِراع مِن اجل البِقاء، فَكان التَأمل سَيّد الصِراعات.
اسْتشعَرت الأسطورة.
قالت الأسطورة اليَهودِية وما أقسى الأساطير عَلى وَقع الآذان:
دَمينيوكرات صِديقّ يهودي، قَتَلَ ابنه وابنته لأنهما خالفا قانون التَوراة...وَجه الصراعات كَوجوه أخوة يوسف.
طِفلان يَلعبان وعًُمّال يَشتغلون وَوالد يُقيم الصَلاة في الليلِ وفي النَهارِ...
ذِئبٌ وبِئرٌ ولُؤلمٌ...صِراع يوسف مع الخَوف ؟ أم صِراع الحَياة مع يوسف؟
صِراع قابيل مع هابيل أم صِراع الاثنينِ عَلى البَقاء؟
لَست ادري إن كانَت أسطورة أو حَقيقة، لكنهم تَناقلوها من لِسانٍ إلى لِسانٍ ومِن كِتابٍ إلى كِتابٍ حَتى كادَت تَكون الحَقيقة العاكِسة لضوء مُغلقٍ تَرَعرعَ في عَتمةٍ، بَينَ أساطير التَوراة..عَكس عَتمة الحَقائق إلى نور جَليّ.
قُلت والقَول غَيرَ مَسموع: أين زَنابِق الحَقل والتين؟
أينَ الصَبي الذي اطعَمَ العُمال وماتَ والطِفلة الجَميلة المَمْنوعَة كانت من محادثَة الرِجال؟
في الحَقلِ شَجر لوزٍ مَبتورٍ وبَعض الحِمضيات مِن الليْمون يابِس الأغْصان.
تَمايَلت شَجرة التين اليابِسة، مُعلنة قَتل طِفل خالفَ قانون التَوراة.
******
قرأت القَصّة، لم تَكن أسطورَة.
طارَ السُنونو إلى ساحة الحَناطير* فتَشَ عَن يُعاد الحيفاوية في أرْوِقة حَيفا.. سُداسِية أخرى مُجردة البَقاء..بَقيت قَيْد وَرَقة فارِغة لم يُدونها إميل حَبيبي قَبل رَحيله عَنّا.
فَتَش السُنونو فَوقَ قَصر الخوري عَن بَقايا ذاكرة وَحِنطة.. لَم يَجد الذاكرة ولا سَنابل الحِنطة.
يُعاد وجبينه وأم الروبابيكا الباقِية في وادي النَسناس نِساء تَبحثن عَن أغان لِلفرح في مَبان لَطخ الطوب الحَديث مَعانيها.
إميل اختارَ البَقاء في حَيفا تَخليدا لآخر مَرثية حَزينة عَلى جِبال الكَرمل لِتُعيد بَعض بَقايا..مِن بَقاء وذاكِرة.
لَقد وَصلت لِذات المَكان، إلى أين؟
إلى يافا الحَزينة..حَمَلت ذاكرة العَصافير المُهاجرة نََحو البَحر وطوبها القَديم نَحو الانْدِثار.
إلى الجَليل، طُبوغرافيا تَكاد تَكون مَنسوفة المَعالِم..ما زالت مَوجودة لكنها تَبحثُ عَن وجودها داخل نَفسها.
إميل فضّل البَقاء في حَيفا في ارض البُرتقال الحَزين تِلك الأرض التي كَتب عَنها غَسان كَنفاني تاركاً لنا عَكا الجَميلة تَبْكي حُقول البُرتقال الحَزين وترثي آخر ما تَبقى مِن بَقايا ذاكرة حَزينة.
لم يَكُن خُروجاً عادياً بل حَمَل بَصمة لا لَون لَها سِوى طَعم الغُربة.
سَقَط السِكَين الحادّ..كُلنا تَناقَل المَذبحة وَتَناقل (طُهر) السِكّين.
يبُس البُرتقال فَحَملنا رَقما جَديدا.. مَحذوف الألفية وَمَنسوف المِئات بَقي هَشّاً يُراقص أربَع عَشرات ويَربط أعْناقنا بَينَ حُدود ثَمانيته.
*****
طِفلة أسطورية.. مِن نِقاط التَوراة تاهَت خُطاها إليَّ. سَألتني عَن صِراع إسْماعيل مع إسحاق، فَكانَ التَأمل سَيّد الصِراعات.
تأمَلتُ سُؤالها فَعرفْت سِرّ قَبل أن نَكون وسِرّ أن نَكون.
سَقَط السِكّين الحادّ فَتناقلْنا أوْجه المَذبَح عَلى كُل أشْكاله.
غَفَت على وَرَقة تين.. يَبُسَت وَرقة التين حاملة سرّ أن لا نكون.
بماذا نحلم؟؟
بِذات الحُلم عِندما رَأيتها تَحْلم أن يُراودها الحُلم.

*ساحة الحَناطير: ساحة باريس اليوم في مدينة حيفا.

.