لماذا نحترم الماغوط؟/ عبد الرحيم الخصار

لماذا نحترم الماغوط؟/ عبد الرحيم الخصار

اذا فتحت الألبوم الحديث للشعرية العربية ستجد صورا صغيرة لا تكاد تحصى، بعضها واضح و البعض الآخر يغطيه السديم، وأنت تقلب عشرات الصفحات يمكنك من حين لآخر أن تصادف صورا من الحجم الكبير، سيبدو لك السياب نحيفا بابتسامته الجانبية الشهيرة داخل إطار كبير لا يحاكيه سوى إطار نازك والبياتي، ستبدو لك فيما بعد صورة أدونيس بعينيه الدائريتين اللتين يتقافز منهما الطموح، صورة أدونيس أيضا كبيرة، لكن يعتريها الغموض، ثمة صور عديدة لشعراء من القرن الماضي تركوا أنفاسهم تسري في هذا الجسد الغريب الذي نسميه: الشعر.

هؤلاء الشعراء لا تتزايد درجات محبتهم لدى القراء بتزايد عدد دواوينهم أو عدد المهرجانات التي حضروها، بل تتزايد بعدد الآثار التي يخلفونها في نفس من يقرأهم.إنهم شعراء بسيطون كالماء واضحون كطلقة مسدس على حد تعبير الشاعر رياض الصالح الحسين ، ليس أولهم خليل حاوي الذي مات منتحرا بلبنان، ولا حسب الشيخ جعفر المنسي هناك، وليس أوسطهم عبد الله راجع أو ابراهيم نصر الله أو عدنان الصائغ، وليس آخرهم لقمان ديركي بسورية أو أحمد بركات بالمغرب.

الكتابات المتميزة كالنقوش العتيقة تقاوم الزمن وتبقى خالدة على الأحجار والجدران وحتى في المغارات والكهوف، النصوص العميقة تجد القارئ العميق حتى في الأدغال، ألم يقل الشاعر عبد اللطيف اللعبي: ثمة كاسر يقرأني ؟
هذه الجمل المتعاقبة هي تمهيد للحديث عن صاحب واحدة من الصور الكبيرة داخل الألبوم الحديث للشعرية العربية، فالذين جايلوا الماغوط والذين وصلوا إلى أرض الشعر بعده أكنوا له احتراما هائلا ومحبة شاسعة.

منذ النصف الأخير من القرن الماضي وإلى حدود السنة الثالثة من الألفية الجديدة ظل الماغوط في أعين القراء هو الماغوط، لم تتغير ملامحه ـ فقط ظهرت عليه علامات الشيخوخة ـ فمواقفه هي مواقفه: تمرده، احتجاجه، وسخطه، عزلته وخوفه وريبته ووساوسه مازال محمد الماغوط يشبه صورته القديمة، ما زال كما تجلي في بداياته، لم يغادر خندقه الأول، إذ ظل متمرسا بأدواته نفسها وبمعجمه الهجائي وبنبرته الجارحة، لم تغيره الشهرة ولا الاستقرار، بل ازداد ضراوة وضجرا، كأنه لم يغادر الغرفة التي شهدت آلامه وأوجاعه الأولي، كأنه غير قادر علي التنكر لأيام التشرد والتسكع والخواء ـ 1ـ .

ربما ميزة الشعراء الكبار، في الغالب، أن يعيشوا الحرمان والبؤس والمرارة، فالماغوط ينتمي إلي عائلة شعرية كانت تفترش الألم وتتغطي بالتعاسة، الفقر بيتها الشاسع والجوع رفيقها البدي، فآرثر رامبووجان جينيه وادغار آلان بو آباؤه، أما إخوانه وأبناؤه وحفدته فهم كثيرون داخل الوطن العربي وخارجه:

أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف
ولكنني أحب الرصيف اكثر

أحب النظافة والاستحمام
والعتبات الصقيلة وورق الجدران
ولكني احب الوحول أكثر.

ـ شوارد الدم ـ

كانت حياة الماغوط قاسية، مغلفة بالفقر والشتات والحزن، ثم إن تجربة السجن قبل بلوغه العشرين غيرته بشكل جلي من مجرد فلاح بسيط إلي كائن آخر يسكنه الرعب وتتقاذفه الكوابيس السجن والسوط كانا معلمي الأول، وجامعة العذاب الأبدية التي تخرجت منها، إنسانا معذبا، خائفا علي الأبد ہ في حوار جريء مع بول شاؤول طلب منه الإدلاء برأيه في بعض الشعراء فقال عن أدونيس: لا يعنيني، وعن أنسي الحاج: شاعر، وعن الماغوط: شاعر كبير. لم يكن موقف شاؤول مجانيا، بل كان مبنيا علي خبرة كبيرة بالشعر ومحيطه، ثم إنه رأي أجيال متعاقبة. والحقيقة أن صورة الماغوط أصبحت تتسع شيئا فشيئا ـ مع تعاقب الأجيال ـ حتي بدأت تغطي صور أسماء كبيرة داخل الألبوم : أدونيس مثلا، يوسف الخال، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا...كأن حركة شعر الرائدة لم تنتج، في العمق وفي الجوهر، سوي الماغوط، رغم أن جسده الشعري كان أضخم بكثير من الحيز الذي كان يشغله في غرفة شعر ثم إنه لم يكن يتبني الخيار الأيديولوجي الذي كان يتبناه زملاؤه، فقط كان يتبني خياره الشعري لم يكن الماغوط من الأساس معنيا بتلك الأيديولوجيات يسارها ويمينها .. كان أكثر حدية ومزاجية وأكثر ميلا إلي التحرر من أعباء تلك المعايير الناجزة في السلوك والشعر

:::
يقول الماغوط عن تلك التجربة: كان أفراد جماعة شعر يكتبون في المطلق، أنا حاولت أن أسحبهم إلي الأرض، لكني بقيت طارئا مثل ضيف علي طرف المائدة، وافترقنا لأني شاعر أزقة ولست شاعر قصور .ہ
لم يكن الماغوط في حاجة إلي شهرة تشد نظر العابرين إليه، ولم يكن يبحث عن عظمة وهمية مثل أقرانه بقدر ما كان يبحث عن لقمة يضعها في فمه:

الجوع ينبض في أحشائي كالجنين.
ـ نجوم ومطر ـ

كان يطالب بحقه في الحياة، ثم إنه شاعر وعلي هاته السماء الغامضة التي يسمونها الوطن أن تحمي شعراءها كي يواصلوا ما كانوا قد بدأوه :

هذا الفم الذي يصنع الشعر واللذة
يجب أن يأكل يا وطني
هذه الأصابع النحيلة البيضاء
يجب
أن ترتعش
أن تنسج حبالا من الخبز والمطر
ـ جفاف النهر ـ

إذا عدنا إلي التاريخ الشخصي للماغوط فهو من مواليد 1934 بمدينة السلمية السورية، زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح، آثار أقدامه لا تزال في دمشق وبيروت، متسكع كبير تعرفه كل الأرصفة والأقبية والحدائق العامة وكل الصالونات والفنادق والمقاهي والصحف ودور النشر، وكل الكتاب والرسامين والصحفيين وعمال المقاهي وشرطة المرور والسجانين وقطاع الطرق وكل النساء اللاتي أحبهن أواللاتي نظرن باستعلاء إلي مظهره الريفي البائس واخترن مجالسة غيره
:::

لكن إذا بحثنا في تاريخه الشعري سنجده أقوي وأعنف:

أنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال
ـ تبغ وأسمال ـ

أنا مزمار الشتاء البارد
ووردة العار الكبيرة
تحت ورق السنديان الحزين
ـ الرجل الميت ـ

أنا فقير يا جميلة
حياتي حبر ومغلفات وليل بلا نجوم
شبابي بارد كالوحل
عتيق كالطفولة
ـ تبغ وشوارع ـ

كان الماغوط يحب أن يضع الوطن فوق كرسي المساءلة بدل الاحتفال المجاني به والإفراط في تزيين وجهه بالمساحيق بغية جمال وهميي، كانت علاقته بالوطن معقدة وعنيفة لاشيء يشرحها سوي هذا المقطع:

لاشيء يربطني بهذه المروج
سوي النسيم الذي تنشقته صدفة فيما مضي
ولكن من يلمس زهرة فيها
يلمس قلبي.
ـ مقهي في بيروت ـ

إننا نحترم الماغوط لأنه من القلائل الذين سبحوا ضد التيار العتيق أعذبه أكذبه فلم يكن يكتب سوي حياته وحياة أشباهه ن لم يغبر جلده، ولم يلهث خلف البريق، حتي في كتاباته كان صافيا إلي درجة التكدر المطلق، لم يستعر معطفا من أحد، وإنما وضع أسماله علي الورق، لا يمكن أن نصنف نصوصه ضمن إطار البوح والتشظي والاحتراق .. وما إلي ذلك من الكلمات التي تبدو سطحية وهجينة ومبتذلة أمام عمق وقوة ما يكتب، لم يكن الماغوط في حاجة إلي المعاجم القديمة لترقيع نصوصه بألفاظ تحط من قيمة النص وتقتله أكثر مما تحييه، فهو علي عكس أقرانه وعكس زخم هائل من الذين دخلوا إلي غرفة الكتابة سواء من الباب أوالنافذة كان يكره التشدق في اللغة، لم يكن يتوسل الكلمات التي تموت بمجرد أن تغادر الشفتين، بقدر ما كان يرسل في أنينه الدائب كلمات تستعيد حياتها أكثر كلما احتكت بالهواء.
أبدع الماغوط في كتابة الشعر (حزن في ضوء القمرـ غرفة بملايين الجدران ـ الفرح ليس مهنتي(.). والمسرح (العصفور الأحدب ـ المهرج ـ ضيعة تشرين ـ الغربة ـ كأسك يا وطن ..). والرواية( الأرجوحة )والسينما( الحدود ـ التقرير )والمسلسلات التلفزيونية ـ (حكايا الليل وين الغلط)، وبالقدر ذاته أبدع في صناعة عالمه الشاسـع يحده من الشـــرق الحزن ومن الغرب العــــزلة العزلة خليلتي، لا أحب أن أقابل أحدا، أحب الوحدة وأحب الصمـت وأشعر بالارتباك بوجود الآخرين أنا إنسان سوداوي وتعيــس، لم أعرف الفرح طول عمري فقد عشــت في البرد والوحل وبين المقـــــابر، وإلي اليوم أحس أنني متشرد في الروح والقدمين، عالمي هو الكتابة، أنا خارج دفاتري أضيع، دفاتري وطني .
يبدوفي النهاية أننا سنكون أشد إجحافا في حق الماغوط إذا صنفناه ضمن جيل الخمسينيات، فهو ربما يسبق بنصوصه المتفردة أيضا أجيالا راهنة وأخري لم تولد بعد، إذا أردنا أن نحسم الأمر فالماغوط ينتمي إلي جيل ودع الشمس باكرا وأيقن أنها لن تعود في الغد

::: شاعر من المغرب


هوامش:
1 ـ زوايا، العدد 3، ديسمبر 2002
2 ـ سيف الرحبي، نزوى، العدد 31 ، تموز (يوليوز) 2002
3 ـ علي عبد الكريم محمد الماغوط: حطاب الأشجار العالية كتاب في جريدة، العدد 60، جريدة الصباح المغربية.
من حوار مع الماغوط، أ جراه خليل صويلح، زوايا، العدد 3
2

--------

المصدر