هواء طلق.. هذا هو السلام الحقير.. / رشاد أبوشاور

هواء طلق.. هذا هو السلام الحقير.. / رشاد أبوشاور

ليس كابوساً ما نراه...
ليس حلماً مزعجاً...
إنه واقع دموي عياني ملموس
هناك طرّاد عسكري - صناعة أمريكيّة أو أوربية؟! - قبالة الشاطئ الفلسطيني، عليه جنود، ومدافع، وصواريخ، وكمبيوترات، ومناظير ليليّة فائقة الدقّة...
وهناك ( هدى) ووالدها، وأمها، وأخواتها، وأخوتها، وأبناء وبنات الجيران...

هناك مزق من خيمة نصبت لتظلّل رؤوس من ذهبوا إلى البحر لالتقاط الأنفاس بين وجبتي قصف صاروخي، بين تشيعين للحم شهداء المقاومة : أبو سمهدانه وثلاثة من رفاق السلاح، وجنازة أشلاء أطفال وأمهاتهم حصدهم موت عشوائي، ذنبهم أنهم تواجدوا في الشارع لحظة انقضاض الطائرة...

مشهد مستفّز : فلسطينيون يتمددون على الرمل، في العراء، تحت السماء، اقتناصاً للحظة صفاء، على مهاد من رمل غزّي...
استفزاز فلسطيني، من أطفال وطفلات يبنون بيوتاً من الرمل، يلعبون لعبة بناء بيوت لا تقصفها الطائرات، بيوت ستعيش فيها هدى، وخديجة، وزينب، وعايشة، ومحمّد، وعبد الرحمن، وعمر، ومحمود...

تنجب البنات اللواتي كبرن من أزواج يعملون في الحقول، والمدارس، والمكاتب، ويصطادون آمنين في بحرهم، و..يعودون آخر النهار إلى أسر تعيش حياتها براحة بال، في بيوت لا تهدمها الصواريخ على رؤوسهم.

هذا إرهاب !.. فهؤلاء الفلسطينيون يتكاثرون رغم حصد الآباتشي لهم، يعيشون بعناد، يلعب أطفالهم على الرمل، بل ويسبحون بدون مايوهات أنيقة مستوردة، بمزق من سراويل، بفساتين بالية، يتراشقون بالماء، ينطّون كالدلافين الصغيرة المرحة..
شيء مستفّز حقّاً !.. إنهم مرحون رغم الحصار والجوع !

ما العمل مع هؤلاء الفلسطينيين ؟!
بدقّة تلتقط أجهزة الرادار حركة والد (هدى)، الذي وعدها وأخوتها باصطحابهم إلى البحر إن هم نجحوا في المدرسة !...
نجحوا بتفوّق، حفظوا دروسهم رغم قلّة الزاد، ونشاف الرغيف، والنوم بمعد خاوية، فخيارهم أن ينجحوا، تماماً كما نجح آباؤهم وأمهاتهم من قبل، فعاشوا، وتعلّموا، وبنوا أسراً، وقاوموا ظروف التشريد واللجوء.

البحر أمامكم يا أطفال فلسطين، والعدو يترصّدكم، وليس لكم إلاّ الموت والسباحة بدمكم...

في الشوارع، والأزقة وأنتم تتوجهون إلى المدارس، أو تعودون منها منشدين ( موطني)، سيباغتكم موت، هو هديّة سلام حقير مع عدو حقير، برعاية راع حقير، باتفاقيات حقيرة...

يا (هدى ) لقد هدموا بيتك الرملي، وقتلوا أباك وأمّك، ونثروا لحم أسرتك على الرمل، فرمل شاطئ غزّة يلوّن بالدم الفلسطيني، ومن أسرتك بقيت أنت وشقيق واحد...

وهناك، هناك في مرمى النظر، نظرنا ونظر العالم، ينتصب مقاتلو جيش الديمقراطية المباركة أمريكيّاً بكامل عتادهم، وهم منتفخون نشوةً بانتصارهم على أجساد فلسطينية جاءت لتستحم بالهواء، والرمل، والشمس، وماء البحر، فعوقبت على شهوتها للحياة !

الشرعيّة الدوليّة منشغلة بالمونديال الكروي!

عيون العالم مشدودة إلى برلين، وميونخ، وفرانكفورت...
الناطقون الأمريكيون يعتبرون ما تفعله ( إسرائيل) دفاعاً عن النفس، فأنت يا ( هدى) ووالدتك، ووالدك، وأسرتك، أسفرتم عن حبّكم للحياة، وعلى الحرص على ما يربطكم بالبحر، وهذا هو الإرهاب بعينه، لأنه يعني أنكم لن تغادروا فلسطين التي تحبّون بحرها، وشمسها، وتتحملون الأهوال حبّاً بها...

هذا هو الإرهاب لأنه يدلل على مدى رغبتكم بالعيش، فأنتم دفنتم بطلاً من أبطال شعبنا - جمال أبوسمهدانه- وتوجهتم صوب البحر، ولسان حالكم يقول: للموت وقت، وللحياة وقت، ولن يكون وقتنا كله موتاً...

هذا خطير يا (هدى)، خطير عليهم، فبعد كل ( تمويتهم)، ها هو جيل يتناسل في زمن التدمير، والتجويع، والحصار، فيدرس في غرف درس متهالكة، وعلى سبوّرات متآكلة، ومقاعد مخلّعة، وبالخبز الناشف وحده يخاتل جوعه، ويواصل الحياة...

هذا خطير، إنه الإرهاب بعينه، لذا يأمر الضابط البحري _المتحضّر، المبارك بالديمقراطية الأمريكيّة _ محاربيه أن يتابعوا تحرّك العدو على الشاطئ و.. تدمير بيوت الرمل التي بنتها ( هدى) وصويحباتها...

إصابات مباشرة، يا للدقّة ! إنها التكنولوجيا الأمريكيّة المتوارثة من إدارات متتابعة تتسابق على حقن ( إسرائيل) بكّل ما يبيد الفلسطينيين...

قادتك يا (هدى) لن يسمّوا الأشياء بأسمائها، فالإدارة الأمريكيّة هي (الراعي)، والشرعيّة الدولية هي التي يجب أن تلبّى أوامرها، والنفاق الأوربي الرسمي الذي صدر لنا البلاء الصهيوني يجب أن يشكر على الفتات الذي يتصدّق به علينا ليبرئ ضميره المثقل بالجريمة والتواطؤ...

يا هدى : نحن الذين نجونا من الصواريخ بالصدفة، نحن الذين بالحّظ لم تعجننا الصواريخ الفراغيّة الأمريكيّة في بيروت...
نحن الذين متنا عطشاً في وديان وتلال وجبال ومغاور حيفا، وعكّا، والخليل، ونابلس...
نحن الذين نجونا من مذابح خان يونس، وقبيّة، والدوايمة، والطنطورة و...
نحن الذين رحّلنا عن بيروت قبل مذبحة صبرا وشاتيلا...

نرى فيك يا ( هدى) كل ما عانيناه، وكّل ما ينتظر أبناءنا وبناتنا وأحفادنا، فهذا عدو لا يعرف الرحمة، ولا يسمع بالإنسانيّة، وهو سرطان لا يعالج بالمسكنّات...

أنت يا (هدى) الفصل الجديد في كتاب الجريمة، بعد فصل شقيقك محمّد الدرّة، وبينكما، وبعدكما فصول من قتل وحشي، وصراخ، ونعف رمل وتراب على الرأس أمام أمّة يتفرّج (حكّامها) على دمنا، ويعانق حكّامها القتلة الصهاينة على أشلائنا.

للعالم اللاهي موندياله، وللعرب اللاهين موسم نومهم الطويل، ولفلسطين مونديالها الذي سينتهي بالنصر، مهما قصفنا عدونا المجرم العنصري بحممه...

لفلسطين مونديال بطله شعبها العنيد الكبير على الموت، الذي سيسجّل هدفه الكبير في صدر التاريخ مهما طال زمن الموت والخيانة : الفوز بالحريّة...

أنا مقهور يا (هدى) لأنني لم أتعلّم كيف أتحوّل إلى قنبلة أكبر من طموح إيران النووي، فعدّتي هي الكلمات، وبها أحلم، وأكتب، وأرسل الرسائل...

يا هدى ستعيشين، وستكبرين، وتنجبين، وستعطين أسماء والدتك، وأخوتك، وأخواتك، لأسرة تكونينها على أرض فلسطين...

السيّد رئيس السلطة: اسمح لي أن أسألك: ما رأيك في هذا السلام الحقير ؟ وكيف لا تفهم لماذا يفعل الجيش (الإسرائيلي) ما يفعل؟!

هذا الجيش يعتبر (هدى) وأفراد أسرتها، وكّل شعبها..أعداء!
هذا العدو الحقير، يا سيادة رئيس السلطة، لم يمنحنا سوى الموت، الموت الذي لا يرّد عليه بغير المقاومة...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018