ياسر أبو ليمون قُتِلَ في جنين.../ نقولا زيادة

ياسر أبو ليمون قُتِلَ في جنين.../ نقولا زيادة

قرأت في النهار بتاريخ 24 نيسان (ابريل) 2004 خبر اغتيال ياسر أبو ليمون في جنين في اليوم السابق. لم أكن سمعت شيئاً عن هذا الرجل قط. ولكن لما قرأت الخبر عرفت ان هذا هو الضحية الفلسطينية على أيدي السفاحين. - "كان استاذاً في الجامعة الأميركية في جنين". هذا الذي أيقظني من الحلم. وجود جامعة أميركية في جنين. حملني الخبر ما يزيد على ثمانية عقود من الزمن - طبعاً أعادني ولم يفتح أمامي مغلقات المستقبل. يومها ذهبنا الى جنين (من بلدتنا الناصرة) لأن والدتي عثرت على عمل جيد هناك.

جنين تلك التي أقمت فيها نحو سبع سنوات, حيث عرفت كل ما يمكن لولد بين سن العاشرة والسادسة عشرة (1917-1923), ان يعرفه عن مثل هذه المدينة الصغيرة.

كان عدد سكانها نحو أربعة آلاف نسمة. منهم 43 من المسيحيين. وباستثناء أسرة واحدة, كان الباقون غرباء عن جنين. بعضهم جاء موظفاً في أواخر عهد الدولة العثمانية وانتقل بعدها الى العمل في دولة الانتداب, والبعض الآخر جاء موظفاً جديداً أيام الانتداب, وثمة أسرتان لأخوين جاءتا من رفيديا (قضاء نابلس) للعمل في الخياطة (بدلات) وبيع الأقمشة. وكانت جنين تنتقل, بخاصة بعد بدء الحكم البريطاني, من لبس القنباز الى لبس البدلة الافرنجية على مهل. وكانت ثمة أسرة فتحت فندقاً في جنين بعد دخول الجيش البريطاني الى فلسطين نهائياً (1918).

لم يكن في جنين كنيسة. لكن كان خوري يأتينا من قرية الزَبابْدِة (من قضاء جنين), حيث كانت توجد فئة مسيحية كبيرة, مرة في الشهر ليصلي للمسيحيين. كان البيت الذي يقطنه جميل قعوار, وهو جزء من الدار الكبيرة التي يملكها بشارة عطاالله, يحوي قاعة كبيرة. كان يصلي الخوري على القاعة حيث تصبح مكاناً صالحاً لإقامة القداس. كان جميع المسيحيين المقيمين في جنين (الـ43 ومنهم 28 من روم أرثوذكس والباقون كان بينهم روم كاثوليك وبروتستانت ولاتين وواحد من أتباع الكنيسة السريانية) - كان هؤلاء جميعاً يحضرون القداس, لكن المناولة - تناول القربان - كانت تقتصر على أفراد طائفة الروم الارثوذكس. على ان جنين لم تكن هذا فقط. بالنسبة إليّ, كان الهمّ الأكبر ان الحكومة التركية كانت أقفلت المدرسة الرسمية, وأعطت المبنى لفرقة صف الضباط الألمان (الذين كانوا جزءاً من القاعدة الجوية الألمانية هناك). لكن المدرسة فتحت بعد بدء الادارة البريطانية العسكرية بمدة قصيرة.

كانت جنين محطة على سكة الحديد الموصولة من العفولة الى جنوب فلسطين. (هذا التمديد كان من السكة الحديد الحجازية التي بنيت في أيام السلطان عبدالحميد وتم انشاؤها في أيلول (سبتمبر) 1908, اذ سار أول قطار من دمشق الى المدينة المنورة.

ومعنى هذا ان جنين كانت مرتبطة بحيفا بهذه السكة من طريق العفولة. وكانت جنين محطة على طريق عربان كانت تبدأ في القدس وتنتهي في طبريا (عبر نابلس - جنين - الناصرة). وكانت جنين تجمع فيها الغلات الزراعية وبخاصة الحبوب من جنوب مرج ابن عامر, وتنقل الى حيفا وسواها.

كانت الزعامة في جنين يتنازعها آل عبدالهادي وآل العبّوشي. آل عبدالهادي أصلهم من عرّابة - قرية كانت تابعة ادارياً الى جنين - وآل العبوشي كانوا من جنين. لكن آل عبدالهادي كان لهم مركز كبير في المدينة يتمثل (بالحاج) قاسم (بك) وأخيه عفيف وابن عمه نظمي. وكان هؤلاء يملكون بيوتاً كبيرة واسعة في البلدة. كان الناطق باسم آل العبوشي فهمي, وكان خطيباً من الدرجة الأولى, وكان له قرص في كل عرس. حتى لما جاءت فرقة تمثيلية الى جنين ومثلت رواية صلاح الدين الأيوبي (من وضع الشيخ نجيب الحداد) وغناء سلامة حجازي القى فهمي العبوشي خطاباً طويلاً قبل بدء التمثيل ليشرح الرواية وخلفيتها التاريخية وأهمية المغني الكبير سلامة حجازي (مع انه لم يكن هو المغني يومها). أقول هذا لأنني حضرتها يومئذ سنة 1921 - وهي أول رواية تمثيلية أحضرها في حياتي. ودفعت قرشين ونصف القرش... كانت أسواق جنين الأسواق العادية التي تزود الناس بحاجاتهم. لكن الأمر اختلف بين آخر عهد الدولة التركية وبين ما تم بعد الاحتلال البريطاني. فقد كانت السنتان الاوليان لسكنانا في جنين آخر سنتين من سني الحرب العالمية الأولى. لذلك هذه الدكاكين لم يمكن ان يجد فيها المرء ما يحتاج. فكل ما كان يأتي الى بلاد الشام كلها من الخارج حرمت منه. فتركيا دخلت الحرب الى جانب ألمانيا, فقامت سفن الانكليز والفرنسيين بقطع الطرق التي توصل الرز والسكر وكاز القناديل والشاي والأقمشة وما الى ذلك. لذلك لم تكن هذه الأشياء, ولا الأقمشة والأدوات المنزلية البسيطة متوافرة في الدكاكين. لكن كل هذا وجد بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين بفترة وجيزة.

كانت أسواق جنين الرئيسة ثلاثاً, اثنتان تتجهان من الشرق الى الغرب, والثالثة اتجاهها من الشمال الى الجنوب. وتنفتح السوقان الأولتان منها على الشارع الرئيس. كان حسني سبع العيش يملك أكبر دكان للتموين في جنين. وفي سنة 1920 جاء اخوه فايز سبع العيش من سورية بعد قضاء الفرنسيين على مملكة فيصل - اذ كان فايز ضابطاً في جيش فيصل - وانضم الى أخيه. لكنه ظل يعتمر الفيصلية, الى ان لُفت نظره الى وجوب الاقلاع عن ذلك.

وكان أبو سخا يملك دكانا تهمنا نحن التلاميذ لما فتحت المدرسة - اذ كنا نجد فيها حاجاتنا من الورق والدفاتر اللازمة للفروض المدرسية. والى جانبه كان ثمة حوانيت تبيع الأقمشة الخاصة بالسيدات. وكان فريز مزنر يملك مخزناً للأقمشة الرجالية للبدلات, وأخوه يوسف كان ماهراً في صنع أحذية الرجال. وفي هذه السوق الشمالية من السوقين الممددتين من الغرب الى الشرق كان برهان عبدالهادي يملك حانوتاً لبيع الحبوب الجافة التي تستعمل في الطبخ - الفول, العدس, الحمص! كان جمال عبدالهادي, ابن قاسم بك, في صفي في المدرسة, وكان برهان أخوه الأكبر منه, لكنه لم يكن الأكبر بين اخوته لذلك كنتُ مرات أزور برهان في دكانه. كانت دكانه مرتبة, فالحبوب كانت توضع في مربعات خشبية مرتبة. كان برهان يعرف اللغة الألمانية. لذلك كان يقول دائماً - بعد انتهاء الحرب سأذهب الى ألمانيا لأدرس طب الأسنان. وفعلاً ذهب, ودرس طب الأسنان, وعاد الى فلسطين وأخيراً فتح عيادة له في القدس. وقد زرته في عيادته مرات, لكنني لم أعالج أسناني عنده, كنتُ قد تعرفت الى طبيب أسنان جيد, وكنتُ أذهب إليه عند الحاجة.

لم يكن في جنين مكان لبيع الصحف. كان هناك مشتركون قلة في صحيفة الكرمل لنجيب نصار حيفا, ولفلسطين عيسى العبس يافا... هذه كانت تصل الى أصحابها بالبريد, وتنتقل الى آخرين بحكم الصداقة أو الزمالة أو الجوار. اما نحن فلم نكن مشتركين في أي منها. لذلك فإن الاخبار كانت تصلنا مشافهة من واحد لواحد. وكم كانت تختلف في تنقلها زيادة ونقصاناً حيث لا تكاد تفهم ما يقال.

الأخبار الرئيسة التي كانت تشغل بال الجميع الى سنة 1918 هي التي تخص الحرب واحتمال انتهائها. بعد انتهاء الحرب لم يتحسن الوضع. ومعلمونا الذين تولوا تدريسنا في مدرسة جنين الابتدائية ما كانوا يسمعون الأخبار أو يعرفون عنها. لذلك كان حديثهم - خارج الصف ان كان هناك حديث - هو عن أيام دراستهم, وعملهم قبل الحرب. بل كان هناك من "يفْشُر" انه كان يقاتل في جيش فيصل في الأردن وسورية. لكن تبيّن لنا بعد ذلك انه هرب من التجنيد في أيام الحكم التركي وكان مختبئاً, فلا قاتل الى جانب الأتراك ولا الى جانب فيصل.

هذا بعض ما تذكرته لما قرأت الخبر عن الجامعة الأميركية في جنين. لكن ليس هذا كل ما هنالك.

زرت جنين مرات بعد ان تركتها, ورأيت التقدم فيها - مدارس وأبنية وحوانيت وجرائد للبيع.

وبعد الانتفاضة كانت قصص مخيم جنين تدخل الألم الى نفسي.

لكن جامعة في جنين كان خبراً مفرحاً جداً, وغريباً.

بعد كتابة ما تقدم كنتُ أتحدث مع الدكتور جورج أعرج من بيت جالا, فأخبرني ان أخاه المهندس هو الذي بنى مباني الجامعة الأميركية في جنين, وكان هذا قبل نحو عشر سنين.

(عن "الحياة")