ياسمين القضبان الحديدية/ سناء لهب

ياسمين القضبان الحديدية/ سناء لهب

بحور الشوق تمتد بلا حدود، والورد يتفتح لعودة الموج الى كل الأسوار الفلسطينية، ثم يفرح الفلاحون بحصادهم، حصاد الثمار الطيبة. كنتُ وراءهم أتخلف عن واجب ثم أمدّ يدي لأقطف بعضًا من ثمار التين وأسمعه هامسًا إلى جانبي... " لا أراكِ لائقة بالعمل أيتها المرأة، استريحي جانبًا وستحظين بأطيب حبّات تين البلدة".

عدتُ خطوة وخطوة لأخرجَ من جيبي هوية، راح يقرؤها... قرأ هوية امرأة فلسطينية فاعتذر واستدار نحو السّور القديم وعاد لي بياسمينة، قلّدها صدري فاكتملت الهوية، ثم قرأها على مسمعي. أنت والياسمين، أجل أنتما فلسطين، ساعتئذٍ شممت الياسمين ولثمت عطره مع رائحة الوطن، ورحت أشمّر عن ساعدي وأحفز همتي لأكون في الموسم القادم.

أنتم يا أهل الأيام القادمة استحلفكم بالله، لا تنسوْا فضائل البساتين الخصبة، ولا تسخروا من أرض أنبتت سنابل القمح ومنحت أهلها مَجدًا وعهدًا طالما افتقده الآخرون. أحببتُ أنفاس الياسمين في تلك الهضاب فكنتم العطر والشرف والحياة. وأزعم أنكم الأرض والسما، تزرع الياسمينة قرب جدول ماء فيسبّح الماء لفوحها ويمضي يروي العطش، وتدبّ الحياة في النفوس العطشى للحرية. يبتسم الياسمين فتضحك الغيوم في السماء. وما أحلاها دموع الفرحة تنهمر من عيون كانون وشهور الربيع.

قولوا لهم إنّ لون الياسمين لا يتغير، أنه باقٍ على بياضه؛ قولوا لهم إنّ الرائحة التي تنبعث منه تحيي الرفات. الياسمين يتجدد مع كل صباح، انثروا بعض الماء على ساقه. وليصل الماء أوّل التراب. يكفي أن يصل الماء أولَ التراب حتى تقيم كل ياسمينة عرسًا لشبابها الجديد. قولوا لهم إنّ ظلاً من ظلال فلسطين تحوّل إلى ماردٍ لا يخشى أحدًا. بقي يسير على طريق الورد الذي زرعه آباؤنا ورفض أن يتلاشى حتى صار جزءًا من تراب أرضنا يتعبّد عليها عرفانًا وإيمانًا.

آه... يا كلّ الياسمين. أموت ألف مرة عند جذرك. قرب موطئ قدميكَ ولا أعيش مرة في حياة غير محسوبة، أمسح دمع العيون التي أضاءت وديان بلادي عرفانًا بالألم والفرحة وقسوة الهجرة. ثم أشمّ جوانبكم وفيها رائحة الوطن، وعلى أطرافها زفات العرس الفلسطيني. لست أعتقد الذكرى وحدها تكفي للوفاء بشوق وجداني انما هو قدري الذي يربطني بكم، وبكل ياسمين الوطن على نحو تحترمه أرواح الأجداد وتقدسه قلوب العشق.

إلى كلّ ياسمينة مزروعة في السجون الأمنية؛
وإلى كل ياسمينة زُرعت في وطن أعشقه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص