من غير كلام!- سعيد سلامة ووليد ياسين يتحدثان عن "خير الكلام"

 من غير كلام!- سعيد سلامة ووليد ياسين يتحدثان عن "خير الكلام"

"قبل رحيل زيدان سلامة بأسبوع التقيته صدفة بعد انقطاع ثلاث سنوات عند باب مكتب المحاماة الذي افتتحه حديثًا آنذاك. سألته: ماذا تفعل، قال: "أراقب الناس"، أجبته: "من راقب الناس مات همًا"، فأجابني: "بل أفكر بعمل مسرحي جديد يجب أن نقوم به قريبًا". ثم حدّثني عن نيّته العودة إلى المسرح واتفقنا على إعادة "لمّ شمل" الحركة المسرحية في شفاعمرو من جديد، ولكن يد القدر شاءت غير ذلك"- يقول محدّثي في لحظة حنين إلى ماضٍ بعيد، وإلى صديق رحل تاركًا وراءه الأمل والفكرة.

محدّثي هو الصحفي والكاتب والممثل المسرحي السّابق وليد ياسين من شفاعمرو، وهو المركّز الإعلامي لمهرجان "خير الكلام"، الذي تنظّمه "مؤسّسة زيدان سلامة للثقافة والفنون" وهو مهرجان الفن الإيمائي الدولي (البانتوميم) الأوّل في البلاد والذي ستستضيفه مدينة شفاعمرو، يوم الخميس القادم، الرابع عشر من نيسان، ويتواصل حتى يوم السبت ( 16/4/2005)، ويشمل 35 عرضاً ستقدم غالبيّتها في مدينة شفاعمرو على مدار ثلاثة أيام، إضافة الى أربعة عروض ستقدم في مدينتي الناصرة وحيفا وقرية عبلين.
أزور ياسين في مكتبه لألتقي به وبصاحب فكرة المهرجان ومديره الفني، الفنّان سعيد سلامة (المدير الإداري للمهرجان هو زاهد حرش)، لنتحدث كثيرًا عن الحركة المسرحية المبتورة لمدينة شفاعمرو وعن محاولة إحيائها عن طريق هذا المهرجان، وعن الراحل زيدان سلامة وعن الصمت؛ وفي الحديث عن الصمت تكثر الكلمات. وشاء القدر أن تأتي هذه الزيارة في يوم ماطر على غير عادة في مثل هذا الموسم، ليضيف المطر بُعدًا رومانسيًا على حديثنا، أو على الأقل لتوجهي أنا في الحديث؛ فأنا لا أخفي عليكم أنّ مزاجي لم يخلُ من الفرح في ذلك اليوم، ويعود ذلك لأنّ "زاوية الراصد الجوي" لصحيفتنا الغراء صدقت هذه المرة، ففرحتُ وارتفع المؤشر في سلم الإبداع خاصتي ولمعت في ذهني المشاكس فكرة أن يكون تقريري صفحة بيضاء، تماشيًا مع موضوع التقرير (صمت، لا كلام، إيماء) لكنني عدلت عن ذلك لئلا أُتهَم بالجنون. وكتبتُ!

راودت فكرة مهرجان "خير الكلام" الفنان سعيد سلامة، الذي تميّز بأداء التمثيل الصامت (البانتوميم)، منذ زمن طويل، لكنها خرجت إلى حيّز التنفيذ قبل عدة أشهر فقط. "الأهداف من وراء هذا المهرجان هي تخليد ذكرى زيدان ودعم الحركة المسرحية في البلاد عامة وإحياء المشهد الثقافي في مدينة شفاعمرو خصوصًا"، يقول سلامة وهو شقيق الراحل زيدان، الذي يُعتبر أول فنان عربي من البلاد طرق باب التمثيل الصامت في مسرحنا العربي في الداخل، دراسةً وأداءً. ويُضيف ياسين: "نحن نسعى لتحويل المهرجان إلى منصّة للحوار الصامت بين شعبي هذه البلاد وشعوب حوض المتوسط".

سلامة: "في هذا الزّمن "الرّديء" كثُر الكلام ونحن جميعًا تعبنا من الكلام. وأنا بالمناسبة لستُ من أنصار مقولة "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، فهناك فرق ما بين السكوت وما بين التمثيل الإيمائي. المقالات والسياسة والشعر وجميع المشاهد الخطابيّة أمست لا تؤثر بالناس. الصّمت سيحدث التغيير المنشود. الصمت أحيانًا أقوى من الكلام بالذات في ظرفنا هذا.. التعبير عن الأشياء عن طريق الجسد والأيماء يلتقطها العقل بشكل أفضل، فكم من مسرحية ناطقة لم يفهمها الجمهور؟ من كثرة الكلام فقدنا الإحساس بالكلمات. بينما في البانتوميم سيفهم الجمهور كل شيء تريد أن "تقوله" لأن لغة الجسد هي لغة عالمية مُوحّدة؛ فالوجه الحزين هو الوجه الحزين في كل مكان وكذلك الوجه المبتسم!"

ياسين: "أعتقد أن هذه أنسب طريقة لإحياء ذكرى الرّاحل زيدان سلامة، وبكل فخر أقول إنه خطا الخطوة الأولى للمسرح الأيمائي في شفاعمرو وفي المجتمع العربي بشكل عام. وهو الذي عرّف الجمهور بهذا النوع من الفن، وهو أول من نقل "خير الكلام" من دون كلام. أذكر أنه عندما بدأ بعرض مشاهد تمثيل صامت كان الهدف من وراء ذلك إضحاك الناس، ولكن فيما بعد، ارتقى في أدائه لينقل معتقدًا سياسيًا آمن به؛ ففي مسرحية "مشوه حرب من الوحدة أ" والتي أنتجها مسرح المركز الثقافي في الناصرة (1985)- طرح زيدان قضية معاناة الدروز من التجنيد الإجباري.

أنا اليوم، وبعد مسيرة طويلة مع الصحافة المكتوبة، أستطيع أن أقول إنّ الصمت أفضل من الكلام، ويفهمه المتلقّي بصورة أفضل ولي على هذا إثباتات عديدة لن أخوض بها الآن!"

سلامة: "في البداية كنت أتساءل، هل كان من الضروري الذّهاب إلى مشروع بهذه الضخامة؟ اليوم، وأنا شاهد على "الضجة" التي يثيرها المهرجان ومدى ترقُّب الناس في الشارع ووسائل الإعلام له، أعرف جيدًا أنّ هذه أنسب طريقة لتجذير هذا النوع من الفن في عقول الناس، وهذا من أهم أهداف المهرجان. نحن نقدّم ما هو جديد لكي نثير الإهتمام عند جمهورنا العربي وعند "الآخر" أيضًا، ولندفع عربة المسرح إلى الأمام عن طريق "ترسيخ" هذا النوع من الفن. وكما يقول المثل الشعبي "إذا العجينة ما بتلزق، بتعلِّم". فنحن نهدف إلى تطوير الفن المسرحي الصامت كي يكون أحد ركائز المسرح في البلاد. نجاح المهرجان سيكون إضافة لرصيدنا كأقلية قومية في البلاد، فرغم الظروف باستطاعتنا خلق جوّ آخر."

ياسين: "لنا كمؤسسة (مؤسسة زيدان سلامة) دور تجاه مجتمعنا، وهو الحفاظ على "الوعي الثقافي" لجماهيرنا العربية. نحن أمام تحدٍّ كبير من دون أدنى شك، فإخراج المواطن من بيته لحضور حدث ثقافي أصبح بمثابة تحدٍّ. لهذا، كنا بحاجة إلى قوة مضاعفة كي نعيد الناس إلى فترة "السبعينات" وهي فترة تفتخر بها شفاعمرو. التلفزيون والفيديو والكمبيوتر وكل هذه العوامل قضت على المشهد المسرحي والأدبي والثقافي في المدينة. دورنا هو إحياء الحدث الثقافي لنعيد لشفاعمرو وللمجتمع العربي بالتالي، مجده."

ياسين: "في البداية توقّعنا دعم المصالح التجارية المتمكّنة ماديًا لكنها خذلتنا (ما عدا واحدة). لكنّا تلقينا دعم "السفارة الفرنسية" التي ستموّل إقامة الوفد الفرنسي. وشركة "نزارين تورز" التّي ساهمت في تمويل تذاكر الفرق الأجنبية المشاركة. "أومنوت لعام" وفرت لنا تكاليف الإضاءة والأمور التّقنية. كما ستغطي بلدية شفاعمرو كل التضييفات المرتبطة بالمهرجان وضيوف المهرجان وستدعمنا، كما وعدت، بمبلغ 25 ألف شيكل. يذكر أن البلدية وفرت لنا مقر "القلعة" (قلعة الظاهر عمر) للتّحضير لمشروعنا، وقاعة البلدية للعروض.

"العديد من وسائل الإعلام تبنّت المهرجان عن طريق الإعلان المجاني، وأذكر هنا أن ما نشرته صحيفة معينة حول "رعاية" المهرجان والذي يُفهم منه أنّ هذه الصحيفة "تبنّت المهرجان ليس دقيقًا، بل ليس صحيحًا."

ياسين: "حتى الآن لا. هناك وعودات فقط، ومن المؤسف أنّ الإعلام العبري يتسارع لتغطية أخبارنا فقط إذا كانت أخبار سيئة تعكس ما هو سلبي في مجتمعنا. حتى "مركز بيرس للسلام" رفض تقديم الدعم بحجة أنّ سُلّم أولوياته مغاير وهذا ما فاجأ حتى أصدقاءنا من اليهود."
سلامة: "عروض شيقة وممتعة وجديدة على الجمهور المحلي، مدة كل عرض ساعة ونصف الساعة تقريبًا، وهي عروض مُوجّهة لكل أفراد العائلة. وهناك مثلاً عرض "تفاعلي" مع الجمهور بحيث يشترك 20 شخصًا من الجمهور في عملية الخلق الإبداعي على المسرح من خلال استعمال أقنعة وما شابه. كما نعد الجمهور بعرضين من نمط ما يسمّى بـ "عروض الشارع"."

ياسين: "أسعار العروض بخسة الثمن (30 شيكلاً للعرض المحلي، 40 شيكلاً للعروض الأجنبية) وهي لا تضاهي سعر وجبة في محلات الأكل السريع."
سلامة: "أمشي في الشارع وما يقولونه لي هو: مبروك ويعطيكم العافية.."

ياسين: "بصراحة أنا تفاجأت بالحماس والترحيب اللذيْن تلقاهما الفكرة. جميع الهيئات الشعبية في المدينة رحّبت بالفكرة، فالعروض المدرسية غطت تكاليف المهرجان وهذا أمر رائع. كما يبدو فالجمهور متعطش لأيام المسرح التي فاتت!"
أعرف أنني ربما أثقلتُ عليكم بتكرار ذكر الحركة المسرحية في شفاعمرو ومجدها المبتور أو الموقوف، إذا كانت كلمة "مبتور" شديدة الوقع عليكم. لكن ماذا أفعل وقد صادفت ثلاثة من روّاد تلك الحقبة من الزمن في نفس اليوم، وهم محدثاي وشخص ثالث اسمه نبيل داموني، التقيته يومها صدفة. فداموني، عرفته في طفولتي إنسانًا مُمازحًا ضاحكًا كلّ الطريق الى "البناء" (مهنته)، ولم أعرف يومًا أنّ شخصيته المسرحية التي عهدتها على منصة الحياة يختبئ من ورائها ممثل هاوٍ شارك في العديد من المسرحيات التي عرضت في شفاعمرو والمنطقة.

لفت نظري يومها أنهم يتحدثون عن تلك الحقبة الذهبية من الزمن بنفس المفردات التي تبرز نقطتيْن أساسيتيْن. الأولى، أنهم "عملوا في النهار لينفقوا "معاشاتهم" البسيطة على المسرحيات: ديكور، إضاءة وتكاليف، في الليل"؛ والثانية أنّ عيونهم "تبرق" عند حديثهم عن تفاعل الجمهور مع المسرحيات في تلك الفترة: "كنا نعرض يوميًا أمام المئات، يوميًا..".

إذا أردتم الإطلاع على هذا النشاط المسرحي الذي شهدته شفاعمرو، ما عليكم إلا تناول كتاب "جذور الحركة المسرحية في الجليل" الذي ألّفه الممثل عفيف شليوط، أو زيارة موقع المهرجان على الإنترنت:

http://zidansalama.jeeran.com/shafaamer/cult.html

وأعدكم بأنكم ستتفاجأون مثلي من الكمّ الهائل من الأعمال المسرحية التي أُنتجت في العديد من المسارح التي نشطت بين سنوات الخمسين والسبعين من القرن الماضي، ومن العدد الهائل من الممثلين القدامى الذين شاركوا في هذه الأعمال المسرحية. قد تكتشفون أقرباء أو جيران (أو "عضو كنيست" حاليًا، محمد بركة، مثلاً) إعتلوا خشبة المسرح وأبكوْا وأضحكوْا، ثم نزلوا عنها ليتركوا فراغًا لم يملأه أحد حتى الآن.
ومن الجدير ذكره هو أنّ الموقع على شبكة الإنترنت يقدم معلومات وافية عن المهرجان وعن مسيرة الراحل زيدان سلامة وعن مدينة شفاعمرو. ياسين الذي قام ببناء الموقع و"شحنه" بالمعلومات لا يخفي تعجبه من عدم قيام بلدية شفاعمرو ببناء موقع للمدينة على الشبكة. ويعمل ياسين حاليًا على إعداد صفحة "أعلام المدينة" التي ستستعرض شخصيات شفاعمرية تركت أثرًا في شتى المجالات وفي جميع أنحاء العالم.

ومن خلال هذا العمل يعدكم ياسين بأنّ هذه الزاوية ستفاجئ الجميع بالمعلومات التي ستطرحها، ثم يقدم لي عيّنة من هذه المفاجأة: "هناك حديث يعتمد على مصدر ديني موثوق يقول إنّ شفاعمرو كانت مسقط رأس اثنين من تلامذة المسيح عليه السلام". أسمع ولا أخفي دهشتي، وأتمنى بيني وبين نفسي ألا يكون أحد هذين التلميذين يهوذا الإسخريوطي، ما غيره!

"نريد تحويل مهرجان الفن الإيمائي الدولي إلى تقليد سنوي نحو ترسيخ وإعادة الحركة الثقافية في المدينة، ومن هنا سنتوجّه إلى البلدية بتخصيص مبنى "القلعة" لنا، ما دام تحرر من الشرطة ومن المراكز الجماهيرية، لكي تكون "قلعة الظاهر عمر" مركزًا ثقافيًا للبلد"- يقول ياسين في خاتمة لقائنا، ليستدرك سلامة بقوله: "عندي لجميع القراء سبب لكي يأتوا إلى المهرجان. أنا أعتقد أن التلفزيون والكمبيوتر أحدثا خللا ما في عقولنا ومن شأن العمل الفني تصليح هذا الخلل. أنا أعتقد، والجميع سيوافق، أنّ الحياة الإجتماعية في الماضي كانت أنشط؛ في المشهد الثقافي لقاء بين الناس، لقاء على شيء جميل، لقاء على حديث آخر بدلاً من حديث العنف الذي نشهده اليوم".

ويختتم سلامة حديثه بجملة كنت سأتبنّاها لو كنت المسؤول الدِّعائي للمهرجان : "نقدم لكم مشهدًا آخرَ!"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص