ذكريات مع "البابا"/ سهيل كيوان

ذكريات مع "البابا"/ سهيل كيوان

عاش في قريتنا رجل عرفناه باسم( البابا)، كان هذا لقبه الذي غلبَ اسمه، كان الطريق أمام بيته رحبًا يغرينا بكل ألوان اللعب، وخصوصًا كرة القدم  البلاستيكية، التي ما كنا لنشتريها لولا اجتماع قروشنا على قلب طفل واحد، هذه الكُرة، التي كانت أغلى ما نملك، ولكنها كثيرًا ما كانت تسقط وراء الجدار الذي يحجب كل شييء وراءه سوى شجرة التوت شديدة الخضرة التي ترتفع أعلى من البيت، وحينئذ نقف محتارين ماذا نفعل! حتى يأتينا صوت (البابا) حازمًا دون أن نراه" لن أسلّمكم الكرة"، حينئذ تبدأ جوقتنا بالتوّسل والرجاء إلى أن نسمع صرير بوابته الخشبية ليطل نصف إطلالة منها بطلعته المهيبة ولحيته البيضاء، محاولا رسم ملامح غضب على وجهه لإخافتنا ومعلنًا "في المرة القادمة سوف أشقّها بالسّكين" ثم يرمي الكرة إلينا، وبما أنه لم يستطع إخفاء  طيبته تحت قناع الغضب المصطنع، فقد كنا نواصل اللعب، ومرة بعد مرة تسقط الكرة وراء الجدار، ومرة بعد أخرى نبدع في التوسّل عندما يخرج إلينا غاضبًا" شو هذا هون.. شارع حيفا"؟! ونحن لم نكن قد رأينا ما أسماه "شارع حيفا"، ولكن افترضنا أنه شارع واسع، وهناك أطفال سعداء يلعبون كرة القدم في رحابه.

لم تقتصر علاقتنا به على الكرة، فقد كان يخرج إذا ما سمع كُفرًا أو شتيمة ليجمعنا حوله ويحثنا على احترام الله والأنبياء وأمهاتنا وآبائنا والمسنين، وعندما يضبطنا متسللين إلى التوتة لنسرق ثمارها الحمراء التي كنا نحب حموضتها قبل النضوج يقول"طيب يا أحبابي استنوا عليها شويّ حتى تستوي..سيكون طعمها حلوًا لذيذا"!

كان السعيد منا من يقع عليه اختيار(البابا) كي يشتري له غرضاً من البقالة، كبريت، كيس لوكس، زجاجة لمصباح الكاز، إبر أو خيطان، وغيرها، لأنه سيكافئه بترك بعض القروش له، كان يطلب هذا كل مرة من طفل آخر لإرضاء الجميع.

توطدت علاقتنا ب(البابا)، فصار يسألنا من منكم يعرف القراءة! يُمسك المصحف الكريم، ويضع أصبعه على آية ويطلب أن نقرأ، فنقرأ بنجاح أكثر أو أقل، فيهز رأسه مستحسنًا أو مستاءً ومصحِّحًا، ثم يقف بيننا ليروي  لنا قصص الأنبياء والصالحين ومعجزاتهم ومنهم (ستنا) مريم العذراء، وطفلها يسوع الذي نطق في المهد وشفى الأبرص، وأن إيماننا لن يتم حتى نؤمن بكل الأنبياء والكتب السماوية ويوم القيامة والملائكة التي تحوم حولنا ولا نراها، بل ويجلس على الكتف الأيمن لكل واحد منا ملاك يسجّل له حسناته.

علّمنا أن نرفع كسرة الخبز إذا وجدناها على الطريق،  نقبلها ونضعها على جبيننا بخشوع، ثم نتركها في مكان مرتفع بعد أن نبلّها بالماء، كي لا تداس النعمة ولعلّ طيرًا يستفيد منها! علمنا الرحمة بالحيوانات وخصّ منها القطط كما  فعل النبي محمد(ص) الذي لم يزعج قطة نامت على طرف عباءته!

في أحد الأيام تجرأ أحد الأولاد وسأله "جدّي أبو علي ليش الناس يسمونك البابا"؟ فقال مبتسمًا:"هو أكبر رجل دين عند النصارى، يسمونه قداسة البابا، يقولون إنني شديد الشبه ب(البابا) الذي يعيش في الفاتيكان، ولهذا أطلقوا عليّ هذا اللقب". وبدا مسرورًا وهو يقول "وهل هي درجة بسيطة أن يكون الواحد بابا! من يصلها لا بد أن يكون شديد التقوى ويعرف مخافة الله".

كبرنا وانشغلنا، وما عدنا ننتبه لل(بابا) أو نذكره لأننا لم نعد نراه، سمعنا عنه قصة يرددها الناس مع بقرته التي كان اسمها (تقوى)، ذهب بها إلى الحقل ليحرث عليها، ولكنها أبت وتمنّعت، لم يضربها البابا أو يرغمها على العمل، ببساطة قال لها" ليش يا تقوى ما قلتِي لي من البيت إنك تعبانة وما بدك تشتغلي" وقفل عائدًا بها الى بيته!

اعتكف (البابا) في بيته ونادراً ما ظهر على الملأ، يُقال أنه حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ويتلوه ليلا ونهارا، وتقول إحدى بناته إنها كثيرًا ما فوجئت  بوالدها متحدثاً مع الملائكة، ويبدو أنه صار ينسى كثيرًا حتى أقرب الناس إليه، إلى أن فوجئنا  بالمنادي ينادي في مكبر صوت المسجد:" يا أهالي قريتنا الكرام نعلمكم بوفاة المرحوم..محمد علي الحسين.."البابا" أبو علي  يكون الدفن بعد صلاة العصر، إنا لله وإنا إليه راجعون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018