الحبّ "فكرة" جميلة..

الحبّ "فكرة" جميلة..

 

د. زياد الزعبي

 لماذا تظل المرأة التي نخلقها ، التي ترسمها أحلامنا وأشواقنا ،  التي يكونها خيالنا وحنيننا إلى ما نفتقد ، ونزوعنا إلى الغائبة التي  تندي جفاف أرواحنا بقطرات محبتها ، أعظم بكثير من تلك التي  نلقاها عياناً ، وأكثر تأثيراً من تلك التي تقترب منا حتى

 تضيع ملامحها وتفقد ألقها ، وحرارة وجودها ، وجمر حضورها  في دواخلنا؟ ولم يظل المحبون أسرى "المحبوب" الغائب؟ ولم  يُقارف البشر هذا الفعل الثابت جوهره ، المتغيرة صوره ،  المتكررة أحداثه وشخصياته؟ أليس التحديق في نماذج التضاد  العميق بين النساء الحلم والنساء الواقع إجابة على هذا  السؤال؟، هل يعود هذا إلى مقولة بروست: "الحب يتولد غالباً عن  السرّ ، والسعادة التي تقترن بالحب لا تكمن في الواقع نفسه ، بل في خيالنا نحن"؟ نعم - ربما - فنحن حين نسترجع صور المحبين المجانين ،  وأولهم قيس ليلى الرمز أولاً ندرك هذا ، فقد  كان يحرق ذاته ،  ويتقوقع فيها باحثاً عن البدوية "ليلى" التي تأتي  إلى خيمته ، وتناديه وهي ممسكة بأحد أعمدتها ، ولكنه لا  يسمعها، ولا  يجيبها: لأنه كان غائباً عنها فيها ، كان يسامر ليلى "الخيال" الذي يعشش داخله ، ولذا لا داعي لحضور ليلى التي تسعى على قدمين ، فحضورها سيقتلها ، ولكي يبقى الحب لا بد أن يظل المحبوب في حالة غياب ، أما حضوره فيعني الخروج من حالة الظمأ إليه إلى "الارتواء" ، والارتواء إشباع "وكل ما يضمن الإشباع للحب لا بد أن يقتله ، ويقضي عليه" كما يقول بروست ، وكما قال جميل بثينة:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيى إذا فارقتها فيعود

فهذا البيت تعبير عميق مدهش عن "موت" الهوى في الحضور ، وحياته في "الغياب" ، وهو تعبير عن ظاهرة مثلها الشعر العذري عند العرب سلوكاً وفناً شعرياً. فقد جهد الشعراء العذريون في "إبعاد" محبوباتهم قدر جهدهم في "استحضار" خيالهن ، وشوقهم القاتل إليهن. لقد حرصوا على غياب "المحبوب" ليبقى "الحب" متقد الجذوة ، ولتبقى صورة المحبوب نقية بيضاء لا تداخلها بقع الواقع وأدرانه.

إن إعادة قراءة قصة قيس لبنى في ضوء فاعلية الغياب ، يجب أن تطرح سؤالاً محورياً حولها ، وهو: لم لم يطق قيس قرب لبنى ، ومسكنها معه ، فعمد إلى تطليقها؟ ألأنها لم تنجب أم لأن والديه أجبراه على طلاقها؟، ربما يستطيع المرء أن يدرك يقيناً أن "قيس" لم يكن ليفترق عن لبنى إرضاء لأي أحد ، لقد طلقها لتبتعد عنه ، لتمتلك وجودها الفعال في روحه ، غُيبت مطلقة: ليتعمق حضورها حبيبة بالصورة التي يرسمها لها خيال محبها ، صورة المرأة الحلم ، المرأة التي يشغله غيابها ، ويستفز حواسه ، ووجوده ، ويجعله يدرك معنى الحياة ، ويمنحه قدرة خلاقة على الحب والإبداع والإحساس وتجديد عالم الخيال ، قوة خلاقة يبثها ألم الحب ، ولوعة الاشتياق ، وفتنة الغياب ، وملامح المرأة التي لا توجد إلا في مخيلة محبها.

فأنى نجد المرأة التي يمكن أن تمنحنا كل هذا؟ أتراها المرأة التي تحضر طيناً أمام العين؟ أتبقى في هذا الحال مصدر اشتياق وحنين وألم؟ لا ، فالحالة العشقية مقرونة بالغياب ، كل العشاق في التاريخ جهدوا في سبيل إبقاء محبوباتهم في حالة غياب ، لأن غيابهن يمثل السر الأعمق لحضورهن في الروح والخيال: ولذا كان منطقياً أن "يطلق" قيس لبنى: لكي يحافظ على حبه لها ، لقد كان حبه أعظم أهمية من "محبوبته".

[وما الذي فعله العذريون الآخرون؟ جميل بثينة ، وكُثيّر عزة مثلاً ، لقد وجدوا حلاً مريحاً لتثبيت حالة "الغياب": غياب المحبوبة. اختار بعضهم نساءً متزوجات يستحيل الوصول إليهن أو الارتباط بهن ، واختار بعضهم انتهاك القواعد الاجتماعية في "القبيلة" لكي يصلوا إلى حالة "الحرمان" الدائم من المرأة التي يتغزلون أو يشهّرون بها. التشهير بالمرأة غزلاً كان - كما يقال - سبباً كافياً لحرمان الشاعر - الرجل من الزواج منها أو الوصول إليها. كان أولئك الرجال يعلمون هذا علم اليقين ، ولكنهم يقدمون مصرين على "فعلتهم": التشهير المؤدي إلى "الحرمان" ، ومن هنا بالذات تتفجر الحالة العشقية التي تستحضر "المرأة" خيالياً في صورة نورانية لا يمازجها الطين ، صورة مجردة عن المادة ، صورة تخضع لرغباتنا كبتاً وإشباعاً ، نراها كما نشتهي لا كما هي ، ونمنحها الصفات التي نريد ، لا الصفات التي توجد فيها ، ولهذا فإن حضور المحبوب يشوش الحالة المثالية المتخيلة في نفس المحب ، وقد يكون سبباً في تدميرها. كما تشير كثير من الدراسات السيكولوجية التي تبحث في انهيار العلاقات بين الأزواج ، إذ ترى أن الزواج يقضي عل كل الأسرار ، ويُجرد الآخر الرجل أو المرأة من كل الصور الجميلة المتخيلة له ، ولا يبقى سوى المعايشة اليومية بكل تفاصيلها التي تكشف عن التناقضات بين ذاتين مستقلتين قد تشرعان في ممارسة "التكاره": الوجه الآخر من الحب ، كما يرى عالم النفس بيير داكو. وكما يرى زهير بن أبي سلمى :

لعمرك والخطوب معبرات وفي طول المعاشرة النقالي

إن مقولة إن المحبوبة "هي أنموذج المرأة التي لا يتزوجها المرء أبداً ، فقد يتوقف حينئذ عن حبها: لأنها تكف عما هي إياه" ، تمثل توصيفاً متجدداً لطبيعة العلاقة "العشقية" ، كما يتعرف المرء إليها في بعدها التاريخي ممثلة في التراث العربي بالحب العذري ، وقصصه ، وممثلة في الواقع الرّاهن بالانكسار المتكرر لحالات الحب الذي يحقق هدفه بالوصول إلى موضوعه.

رأى المجنون ليلى في "منامه" ، فقال:

أفـــي النوم يا ليلى رأيتك أم أنـــــــا رأيتك يقظاناً فعندي شهودهــا

ضممتك حتى قلت: ناري قد انطفت فلم تطف نيراني وزاد وقودها

ويستطيع قارئ البيتين المتأمل أن يستبين "حالة الرؤيا" التي تجتمع فيها لحظة الحلم بلحظة اليقظة ، حتى ليصل المرء إلى الشك فيما يرى بصرياً أو خيالياً ، ولكن الانتصار الحاسم الذي يقطع الشك هو "الحلم" ، الحلم الذي يزيد "الحب" تأججاً ، و "المحبوب" ابتعاداً: لأن صورة الوصل الحقيقي في اليقظة كانت ستقود إلى "انطفاء نار الحب" ، أليس هو القائل:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا ما فارقتها ويعود

وهذا بالضبط ما يمثل حالة مرعبة يجهد "المجنون" في الفرار منها ، ولذا فالوصل يجب أن يكون مقصوراً على "الحلم" الذي يؤجج نار الشوق ، والألم ، والحنين إلى المحبوب الذي لا بد أن يظل حاضراً في "الغياب" ، لكي ينتصر "الحب".

فهل يعني هذا أن الإنسان يعايش متخيلاته أكثر مما يعايش واقعه؟ وأن الحب والسعادة ، والشقاء ، والظمأ ، والحنين ، والارتواء لا وجود لها إلا في خيالنا؟ وألا يعني هذا أن الإنسان يمتلك حرية تشكيل الكون وعلاقاته به من خلال "قواه الخيالية" التي تُركب الصور وتلونها كما تريد أن تراها؟

إن مثل هذه التساؤلات لتتجلى عبر استحضار قصص من الحياة الواقعية ، ومن الواقع المتخيل في عالم الكتابة. وهو ما يظهر أن "الحب وهم بالتأكيد بما هو مجرد تجل" على حد تعبير داكو. أو "سبب العشق فكري ، وكلما قوي الفكر زاد العشق ، وبعد الوصول لا يبقى الفكر" ، كما يقول ابن قيم الجوزية في روضة المحبين. وذهب ابن سينا قبل هذا إلى القول: "العشق مرض وسواسي يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل". وهذه الأفكار حول الحب تركز على "فكرة الحب" ذاتها بوصفها "وهماً" ، أو "وسواساً" ، أو تركيزاً فكرياً خيالياً على "صورة" ، أو "امرأة" يجعلها المرء موضوعاً لحبه ، ومعاناته ، وعذاباته ، وعطشه الذي لا ينطفئ ، ويركز على أن بقاء فكرة الحب واستمرارها تستدعي غياب "موضوع" الحب "المحبوب" ، إذ لا بقاء للفكرة مع الوصول ، أو على حد تعبير ابن أبي حجلة في "ديوان الصبابة" : الشوق يزول بالوصال"، لأنه سفر القلب إلى المحبوب فإذا وصل انتهى السفر". ولذا يجب أن تبقى المرأة فكرة جميلة ، كما يقول الشاعر:

سمراء يا حلم الطفولة وتمنع الشفة البخيلة

لا تقربـي منـي وظلـي فكـرة لغـدي جميـلــة

وتشكل القصص والحكايات والنصوص التي تحشدها الكتب المؤلفة عن الحب عند العرب على هذين البعدين مستندة إلى تصورات فلسفية ، ونفسية تبررها وقائع الحياة الإنسانية في أبعادها الطينية والسماوية على حدّ سواء ، وتوجهها عقائد "المؤلفين" إلى الجهة التي تريد. فقد ذهب الفقهاء - وهم أكثر من ألف في الحب - إلى "تديين الحب" ، وتوجيهه وجهة دينية محكومة بالقيم والأخلاق والمبادئ الدينية التي تسعى إلى ترسيخ مبدأ العفة ، وإلغاء العلاقات الجسدية بين المحبين ، بل وتنزيههم عن ذلك ، لكي يتم لهم الوصول في العالم السماوي ، وكتب الفقهاء مثل: "الزهرة" لابن داود ، و"طوق الحمامة" لابن حزم ، و"تزيين الأسواق في أخبار العشاق" للأنطاكي ، و"ديوان الصبابة" لابن أبي حجلة ، و"مصارع العشاق" لابن الحسين السراج ، و"روضة المحبين" لابن قيم الجوزية ، تذهب كلها في هذا الاتجاه التدييني للحب ، وتجعل العفة مبدأ أساساً يعصم من الوقوع في الخطيئة ، وترى أن أعظم اللذات ما تجرد عن الهياكل الجسمانية.

لقد جعلت هذه القصص والنصوص الحب موضوعاً دينياً ، والمرأة فكرة أكثر منها "مادة" ، وقدمت في سبيل ترسيخ هذه التصورات سيلاً من التمثيلات ، والحكايات ذات الطابع النمطي الذي يخدم التصورات المقررة مسبقاً ، ودعمتها بأفكار فلسفية ، ونفسية ، وطبية ، بعد أن حددت ملامحها الدينية المقررة في النصوص الشرعية أو الفقهية ، ويكفي أن يقرأ المرء "مصارع العشاق" ، والكتب الأخرى المشابهة ، ليدرك أنها كلها قامت على ما جاء في الأثر: "من عشق فعف فكتم فمات مات شهيداً". فقد كان هذا الحديث أساس قصص العشق كلها التي تنتهي بموت المحبين ، بالطبع من أجل الوصول إلى صورة ثابتة لـ "شهداء الحب" الذين انتصروا بالعفة على الشهوة فاستحقوا لقب "الشهادة".

وفي كل تلك الكتب تتجلى فكرة "غياب" المرأة - المحبوبة جسداً ، وحضورها المستحوذ على محبها روحاً وفكراً وخيالاً ، لتؤكد أن "المرأة" ، في أدبيات الحب ونصوصه ، كانت دائماً فكرة أو خيالاً أكثر من كونها "موضوعاً". وكونها فكرة يعنى بالضرورة غيابها ، وهذا ما صعّدها بالتالي إلى فكرة الحب المطلقة عند المتصوفة الذين يذهبون إلى أن "شرط المحبة أن تكون ميلاً بلا نيل ، وشرطاً بلا جزاء". وهنا تبلغ الفكرة أقصى غاياتها.

هذا وجه واحد من وجوه "الحب" ، وتبقى وجوه أخرى كثيرة تحتاج للتأمل والمعالجة ، وربما للمعايشة. وأهمها وجوه الاتصال والانفصال.

 

 

* باحث وناقد أردني