قصّ أثره ثم قصّه ولم يُقتصّ منه.. (من قصص قصّاصي الأثر)

قصّ أثره ثم قصّه ولم يُقتصّ منه.. (من قصص قصّاصي الأثر)


قص الأثر أو قيافة الأثر هو تعقب آثار الأقدام والخفاف والحوافر والاستدلال بما يتركه الإنسان من أثر لاستنباط صفات أخرى من صفاته أو معرفة مكانه وتتبعه إليه. ويحسب العرب وخاصة أعرابهم،  أنهم تفردوا بهذه المهارات الفطرية المشحوذة بالتجربة المصقولة بالحياة كضرورة موضوعية مشتقة من طبيعة الصحراء القاسية. فقصاص الأثر رادار بدائي وجهاز تعقب وتنصت ودليل إرشاد للبحث عن الغزاة أو الخاطفين. إنه ضرورة أمنية بدأت كضرورة حياتيه في البحث عن صيد أو طريدة أو فريسة أو قافلة مرت. إنه تتبع هارب أو تائه في بلاد بلا شوارع ولا مواقع ولا خارطة.


وعند ذكر قصاص الأثر يخطر ببال العربي حذاقة الفارس، وفراسة الإعرابي وما يساعده من ملكات ومواهب فطر عليها بالعثور على إبل فقدت وبالتعرف على الناس عن بعد ومن استنتاج أمور كثيرة من معطيات قليلة، كما تنبت الصحراء حياة من شحيح الماء.


 ويخطر ببال العربي مواهب بني مرة قصاصي الأثر الأسطوريين في الجزيرة العربية الذين تجرأوا على خوض الربع الخالي قبل أن تحقق ذلك أدوات المدنية بعصور، وما زالوا يقتفون الأثر لصالح الشرطة مثل مشخص جنائي حتى تحولت إلى مهنة. وما زال ابن الجزيرة يسمي قاص الأثر المري حتى لو لم يكن من بني مرة.


وما أن حلت سينما هوليوود في محلاتنا ومعها قصص "الغرب المتوحش" حتى اقتنع العرب أن الهنود الحمر أيضا قصاصو اثر، وأن منظر الهندي الطويل الشعر الذي يكتفي بلبس الجزء العلوي أو السفلي فقط من الزي الرسمي للجيش الاتحادي، وهو يقتفي آثار هنود آخرين أمام الجيش الاتحادي وبيده رسن الفرس وبيده الأخرى يجس التراب أو الرماد أو يحمل حفنة تراب يشمها، لا يميز بعض المجندين البدو الباحثين عن "المخربين" في خدمة الجيش الإسرائيلي بعد عملية نفذت أو بعد ثقب في سياج حدودي ينم عن تسلل وقع....إنها حرفة ترافق انقراض السكان الأصليين في خدمة من جاء ليحل محلهم.


قصص قصاصي الأثر التي نقصدها قصصا مرة، ولكنها ليست قصة بني مرة من طلقاء البادية.   


ومن ضمن إعجاب المستوطنين الأبدي بالطبيعة والمكان يندرج إعجاب بسكان المكان إذا بقوا جزء من المكان ولم يتجاوزوه إلى الزمان، إعجاب بهم كجزء من المنظر. هذه رومانسية المستوطنين المعجبين بحالة السكان الأصليين البدائية ويعتبرون كل متطور حديث أو متحدث فيهم متمردا على طبيعته كجزء من المكان وعلى سيطرتهم على المكان. وقد اعتمر أعضاء منظمة "هشومير" العسكرية الصهيونية الأولى ما قبل الهجناة كوفية وتنافسوا في إتقان ركوب الخيل في جهد بيِّن للانتماء إلى المكان. ولكن إعجاب المستوطنين بالبدو دمج الرومانسية بالفائدة في مهنة قصاصي الأثر في خدمة المستوطنين ضد المتمردين من السكان الأصليين، ولغرض ملاحقة الفدائيين المتسللين إلى وطنهم، أو الفلاحين المتسللين إلى كرومهم وأراضيهم لجني ثمارها بعد النكبة، ولغرض الكشف عن العبوات الناسفة المزروعة. وما لبثوا أن تحولوا إلى وحدة عسكرية هي وحدة ال"جشَّاشيم" (جمع جشاش). ويمكن ترجمتها بتصرف صوتيا إلى الجس،والعس، والعسس (الحراسة) ومن الجس جس النبض، وتحسسه وتعقبه. وبين الجس والتجسس نشأت قصص قصاصي الأثر في بلادنا. وهي قصص لم تقص، ولا تم الاقتصاص من أبطالها إلا بإهمال الدولة التي تشغلهم لمصائرهم مثل أنصاف ليمون حامض عصرت وألقيت نفاية.


تشرنقت أجسادهم خلف مجساتهم الناتئة، إذ قابلوا دولة المستوطنين وهم ما قبل المرحلة الوطنية أو القومية رحلا أو فرادى مرتزقين بما يتقنون من تقنيات وما يملكون من ملكات، فتخللت الدولة كيانهم حتى خلخلته، ودخلوا في كيانها دون أن يخلوا به. ومسخت هذه الخدمة صورتهم مسخا، وسحقت ذواتهم سحقاً، سخطتهم سخطا كما يقول فلاحو بلادنا، بلادهم. ولم يتبق منهم إلا أوعية جلدية تحملها هياكل عظمية خاوية، ومشاعر اقرب إلى الغرائز المتنبهة... اشتدت وقويت أعضاء جسدهم الأكثر استخداما والمجربة في التقاط الرائحة التي تفوح من النعال وما يعلق بها مثلا، ونمت تلك الأعضاء المدربة بالشم والفحص والتدقيق وتجمعت في بؤرة يلتقي عندها العينان بالأنف المتحدتين في عضو جديد هو "المجس"، عضو هجين بين الخياشيم والمنقار ومجسات الوطواط وشارب القط...أما صاحبه فليس فيه من النفس سوى الشك والتريب وعدم الثقة والعداء للغريب، والاطمئنان لسيده فقط مثل "أفضل صديق للإنسان".


بات يكفي مقتفي الأثر أن يحصل على قوت يومه وأن يربت الضابط على قفاه ليجوب الصحاري وال"سفاري" والبراري بحثا عن الهارببين و"الفراري"، كما يسميهم الفلاحون في بلاده. ويكفي أن يسمع مديحا أو إطراء من سيده لصلابته وشجاعته ليتحول إلى مجس ورادار يتحرك مبتهجاً بخدمة سيده مغتبطا بلقياه... وهو وإن هرول إلى سيده بصمت لا يطيق أن يهينه جنود أو ضباط أو غيرهم ولا يتلقى من أحد أمرا، فهو معتز بنفسه وفيه كبرياء الكلاب الأصيلة التي لا تقبل أمرا أو إهانة إلا من صاحبها وسيدها المباشر حتى لو كان أقل رتبة من غيره.


اشتهر من قصاصي الأثر في بلادنا "عاموس يركوني". الأسوأ والأكثر دموية بين قصاصي الأثر ذوي القدرات الأنفية الخارقة. ولمن لا يذكر، يركوني هو عبد المجيد المزاريب،"عربي" كان يعمل مخضراً قبل نكبة عام 1948، والتقى في السجن قبل العام 1948موشي ديان أبا الرومانسيين الصهاينة الذي يعشق الطبيعة ببداوتها، ويحقد على العرب بمدنيتهم، ويشعر بنقص تجاه الارستقراطية العربية. انضم عبد المجيد المزاريب إلى العصابات الصهيونية، ثم تخلى عن هويته العربية دون أن يتهود دينا، وأصبح اسمه عاموس يركوني. وخدم كقصاص أثر في الجيش الإسرائيلي في ملاحقة الفدائيين. ثم أصبح ضابطا وقائد وحدة فرقة "شاكيد" العسكرية المعروفة بشراستها، والتي اشتهر عنها قتل أسرى الحرب المصريين في سيناء قرب العريش. ومع ذلك عندما توفي دفن خارج سور المقبرة اليهودية حتى لا تتنجس المقبرة بجثة أحد الأغيار!


كان بعضهم يقتفي أو يقص أثر الفدائي المتسلل فإذا وجد طريقه كمن له، ثم عاجله فغدره وقتله. ولكي يثبت أنه قتل ليتقاضى من أسياده ثمنا معلوما كان يقص أذني ضحيته ليأتي بالأذنين لا بالجثة كاملة إلى الضابط المسؤول فيحاسب على الأذن، مثل المحاسبة على الرأس. والمفارقة أني قصصت أثر قص الأثر لغويا فوجدت قص الأذنين متضمنا في معنى فعل قص إذا تعدى إلى الإنسان، قصه تعني أيضا قص أذنيه . وكنت أحسب هذا الكلام من قصص العرب الخيالية من نوع قصص الصيادين الكثيرة وطرفهم الخيالية، ولم أتمكن من تخيل كيف يحمل قصاص الأثر القليل الكلام العديم الرحمة الأذنين، هل يعلقها مثل طيور الحجل، أم يشكها في سلك مثل الأسماك، أم يلفها  بخرقة أو يضعها في كيس ثم يرميها على طاولة الضابط المسؤول. ولكن المبدأ كان صحيحا على كل حال يندق له قصص الزور كما يقال عند البكاء. كانوا يقصون الأثر والأذنين في بداية الخمسينيات بعد النكبة. 


"والمِقَصُّ: ما قصَصْت به أَي قطعت. قال أَبو منصور: القِصاص في الجِراح مأْخوذ من هذا إذا اقْتُصَّ له منه بِجِرحِه مثلَ جَرْحِه إِيّاه أَو قتْله به.
الليث: القَصُّ فعل القاصّ إذا قَصَّ القِصَصَ، والقصّة معروفة. ويقال: في رأْسه قِصّةٌ يعني الجملة من الكلام، ونحوُه قوله تعالى: نحن نَقُصُّ عليك أَحسنَ القصص؛ أَي نُبَيّن لك أَحسن البيان. والقاصّ: الذي يأْتي بالقِصّة من فَصِّها.
ويقال: قَصَصْت الشيء إذا تتبّعْت أَثره شيئاً بعد شيء؛ ومنه قوله تعالى: وقالت لأُخْته قُصّيه؛ أَي اتّبِعي أَثَرَه، ويجوز بالسين: قسَسْت قَسّاً.
والقُصّةُ: الخُصْلة من الشعر. وقُصَّة المرأَة: ناصيتها، والجمع من ذلك كله قُصَصٌ وقِصاصٌ. ... والمِقَصُّ: المِقْراض، وهما مِقَصَّانِ. والمِقَصَّان: ما يَقُصّ به الشعر ولا يفرد... وقصَّه يقُصُّه: قطَعَ أَطراف أُذُنيه؛ عن ابن الأَعرابي. قال: وُلدَ لِمَرْأَةٍ مِقْلاتٍ فقيل لها: قُصِّيه فهو أَحْرى أَن يَعِيشَ لكِ أَي خُذي من أَطراف أُذنيه، ففعلَتْ فعاش. وفي الحديث: قَصَّ اللّهُ بها خطاياه أَي نقَصَ وأَخَذ.
والقَصُّ والقَصَصُ والقَصْقَصُ: الصدر من كل شيء، وقيل: هو وسطه، وقيل: هو عَظْمُه. وفي المثل: هو أَلْزَقُ بك من شعرات قَصِّك وقَصَصِك...
وفي حديث صَفْوانَ بن مُحْرز: أَنه كان إذا قرأَ: وسيَعْلَمُ الذين ظَلَموا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبون، بَكى حتى نقول: قد انْدَقَّ قَصَصُ زَوْرِه، وهو منبت شعره على صدره، ويقال له القصَصُ والقَصُّ.... وفي حديث عطاء: كَرِه أَن تُذْبَحَ الشاةُ من قَصِّها، واللّه أَعلم.
والقِصّة: الخبر وهو القَصَصُ. وقصّ عليّ خبَره يقُصُّه قَصّاً وقَصَصاً: أَوْرَدَه. والقَصَصُ: الخبرُ المَقْصوص، بالفتح، وضع موضع المصدر حتى صار أَغْلَبَ عليه. والقِصَص، بكسر القاف: جمع القِصّة التي تكتب. وفي حديث غَسْل دَمِ الحيض: فتقُصُّه بريقها أَي تعَضُّ موضعه من الثوب بأَسْنانها وريقها ليذهب أَثره كأَنه من القَصّ القطع أَو تتبُّع الأَثر؛ ومنه الحديث: فجاء واقْتصّ أَثَرَ الدم. وتقَصّصَ كلامَه: حَفِظَه. وتقَصّصَ الخبر: تتبّعه. والقِصّة: الأَمرُ والحديثُ. واقْتَصَصْت الحديث: رَوَيْته على وجهه، وقَصَّ عليه الخبَرَ قصصاً. وفي حديث الرؤيا: لا تقُصَّها إِلا على وادٍّ. يقال: قَصَصْت الرؤيا على فلان إذا أَخبرته بها، أَقُصُّها قَصّاً. والقَصُّ: البيان، والقَصَصُ، بالفتح: الاسم. والقاصُّ: الذي يأْتي بالقِصّة على وجهها كأَنه يَتَتَبّع معانيَها وأَلفاظَها....والقِصاصُ والقِصاصاءُ والقُصاصاءُ: القَوَدُ وهو القتل بالقتل أَو الجرح بالجرح.
والتَّقاصُّ: التناصفُ في القِصَاص؛..."


وقص أو قصاصة الأثر هي أيضا قيافة الأثر وقد وجدت في تقفي أخبار القيافة ومعانيها ما يدل أيضا على خصلة الشعر ولكن ليس كالقُصة في مقدمة الرأس بل في مؤخرة الرقبة، أي قفاها، كما وجدت معنى رأس الأذن متضمنا هنا أيضا، إضافة إلى جز الشعر مثل قصه أعلاه وإضافة إلى اقتفاء الأثر واقتفاء الشبه وغيرها ويا لمحاسن الصدف:


" قُوفُ الرقبة وقُوفتُها: الشعر السائل في نُقْرتها. ابن الأعرابي: يقال خذ بقُوف قَفاه وبقوفة قفاه وبقافِيةِ قَفاه وبصوف قَفاه وصوفته وبظَليفه وبصَلِيفه وبصَلِيفَتِه كله بمعنى قفاه. أَبو عبيد: يقال أَخذته بقوف رقبته وصوف رقبته أَي أَخذته كله، وقيل: أَخذت بقوف رقبته وقاف رقبته وصوف رقبته؛ معناه أَن يأْخذ برقبته جَمْعاء، وقيل يأْخذ برقبته فيعْصِرها؛ ... وقُوفُ الأُذن: أَعْلاها، وقيل: قوف الأُذن مُسْتدار سَمِّها.
والقائفُ: الذي يَعرف الآثار، والجمع القافةُ. يقال: قُفْت أَثره إذا اتَّبعْته مثل قَفَوْت أَثَره؛....ويقال: هو أَقْوف الناس. وفي الحديث: أَن مُجَزِّزاً كان قائفاً؛ القائف الذي يتَتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبَه الرجل بأَخيه وأَبيه. ويقال: فلان يقُوف الأَثر ويَقْتافه قِيافة مثل قفا الأَثر واقتفاه. ابن سيده: قاف الأَثر قِيافة واقتافه اقتِيافاً وقافه يقُوفه قَوْفاً وتَقوَّفه تتَبَّعه؛ أَنشد ثعلب:









مُحَلّىً بأَطـواق عِـتـاق يَبـينُـهـا


 


على الضَّزْنِ، أَغْبى الضأْن، لو يَتَقَوَّفُ


الضَّزْنُ هنا: سُوء الحال من الجهل؛ يقول: كرمُه وجوده يبين لمن لا يفهم الخَبر فكيف من يفهم؟ منه قيل للذي ينظر إلى شبه الولد بأَبيه: قائف، والقِيافة: المَصْدر. وفلان يَتَقَوَّف عليَّ مالي أَي يَحْجُر عليّ فيه، وهو يَتَقَوَّفُني في المجلس أَي يأْخذ عليّ في كلامي، ويقول قل كذا وكذا. والقَفْوُ: القَذْف، والقَوْف مثل القَفْو؛ وأَنشد:









أَعوذُ باللّه الجَلِـيل الأَعْـظـمِ


 


من قَوْفيَ الشيء الذي لم أَعلمِ


... وقوله تعالى: ق والقرآن المجيد؛ جاء في التفسير أَن مجاز قاف مَجاز الحروف التي تكون في أَوائل السور نحو: ن، وأَلر؛ وقيل: معنى ق قُضِي الأَمر، كما قيل حم، حُمَّ الأَمر؛ وجاء في بعض التفاسير أَن قافاً جبل محيط بالدنيا من ياقوتة خَضْراء، وأَن السماء بيضاء وإنما اخضرَّت من خُضْرته". ولم يستوطن الصهاينة على ما نعلم في جبل قاف الأخضر بعد، وربما يقتفون أثر ياقوتته التي ما زالت تصبغ لون السماء. ولم يعمل سكانه في قيافة الأثر، كما لم يستقو أحدهم على الآخر بعد بأسطول أميركي بات يصعب لفرط اللغو اقتفاء أثر سبب وصوله شواطئ العراق المدمر.


راجيا من الله ألا يتقوفني أحد في هذا الكلام... أقول قولي هذا واستغفر الله.