عزمي بشارة../ فوزية رشيد

عزمي بشارة../ فوزية رشيد

عزمي بشارة، صاحب الكاريزما القوية لكأنه رئيس دولة تاهت عنه رئاسته، فاستغل وعيه المتقدم، لنشر الاضاءات في محيطه الفلسطيني الصغير، بعد ان تم اغتصاب وطنه في 48، وهو ابن هذا التراب، مثلما نشر إضاءاته في أطار
أطروحاته الثاقبة حول هموم وطنه العربي الأكبر، فكان ابناً للاثنين، كلما رسخ بوعيه في الترابين، رسخ بقدميه فيهما.

وهو يواجه حكومة الدولة الصهيونية العنصرية، بكل ما تستدعيه الحكومات المتتالية في دولة الاغتصاب، من تداعيات شعبية وتاريخية واسطورية وجغرافية ونفسية، مشحونة معاً بالممارسات العنصرية واللاإنسانية، ضد شعب ارتأى بعض المستعمرين ان ارضه تخلو منهم، فقرروا اقامة الكيان البغيض، الذي منذ ان تم قيامه في ظل الامبراطورية البريطانية العظمى وهي في أفولها، حتى شكل مرادفاً لكل أعمال العنف والابتزاز والأطماع اللاإنسانية ليس في فلسطين وحدها، وإنما تجاه كل أراضي المناطق المحيطة بها، فلم يسلم لبنان من الاحتلال في جنوبه، ولم تسلم سوريا في جولانها، ولم تسلم مصر في سينائها، فاذا ما اكتملت العدة واكتمل العديد، جاء الطمع الاستعماري الأزلي ليحاول فرض هيمنته وأدوات استلابه تحت نظريات جديدة - قديمة، وتحت مشاريع تتناسخ في ذاتها، وآخرها "الشرق الأوسط الكبير" وهذه المرة في إطار وتحت ظلال وحراب الامبريالية الامريكية العظمى.

عزمي بشارة المسيحي وبأطروحاته الاسلامية العميقة، وابن الجليل بتحركاته الفلسطينية المؤثرة، ووعيه القومي المتقدم، بعد ان دمج في فلسفته، (وهو الذي يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة) خلاصة الآراء الرزينة، التي ليس بامكان إلا مفكر مثله، أن يضع نسب الخلطة فيها بشكل متوازن كما يفعل، ليقدم رؤية سياسية ناضجة لعرب 48 من خلال التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه، وليقدم رؤية أخرى لفلسطين المحتلة عام 67 في الضفة الغربية وغزة، وليقدم بعد ذلك رؤية خالصة تدمج الحلول في بعضها من أجل فلسطين ككل، وتوصل الحلول الفلسطينية بمحيطَيْها العربي والدولي.

وهو المشغول بقضايا الواقع العربي، وليتحدى حكومة الاغتصاب ودولتها برؤية قد تكون الحل الأكثر واقعية اليوم، وهو دفاعه عن مفهوم "دولة اسرائيلية لجميع مواطنيها" بمعنى الاقتسام المتساوي عبر الديمقراطية للحكم بين اليهود والعرب، البالغ عددهم نحو مليون ومائتي ألف فلسطيني تمت تسميتهم "عرب اسرائيل"، فيما هم الأصل والجذر والامتداد للتراب وللتاريخ وللحضارة في فلسطين، لذلك فمن البدهي ان يشاركوا في حكم وطنهم مادامت دولة الاغتصاب تدعي الديمقراطية.

هذا المفهموم، وتجليات وعيه السياسي والوطني والقومي الاخرى، جعلت منه هاجساً مؤرقاً للحكومات الاسرائيلية العنصرية المتلاحقة، التي تسعى لو استطاعت إلى طرد كل فلسطينيي 48 الذين بقوا في أرضهم، من أجل إقامة دولة يهودية خالصة، فاذا بعضو الكنيست المفكر والسياسي المؤثر عزمي بشارة يحرج الدولة العنصرية ويكشف زيفها الديمقراطي، حيث لا ديمقراطية مع العنصرية ومع تهميش الفلسطينيين، ويكشف زيف حداثتها، حيث لا حداثة مع وعي اقامة دولة دينية (يهودية طبعاً)، ويكشف زيف ادعاءاتها حول حقوق المواطن الاسرائيلي، حيث المواطن الفلسطيني العربي حامل الجنسية الاسرائيلية يتم التعامل معه على أنه مواطن درجة عاشرة.

ويكشف زيف تمدنها وتحضرها وهي تسرق التاريخ الفلسطيني وتراثه وتدمر اثاره وتلحق ذلك كله بدولتها المسخ، حيث تقوم على الهجرات اليهودية من كل مكان، فيما حق العودة للفلسطيني خط أحمر، فاذا ما امتد عزمي بشارة بوعيه وتحركه بعد ذلك عروبياً، اصبح كالشوكة الدامية في خاصرة الكيان العنصري المحتل، كما اصبح خطابه خطاب الوجع في
الكنيست الاسرائيلي الذي كان عضواً فيه، وقدم استقالته مؤخراً منه في القاهرة.

لذلك فان الحملة الاسرائيلية الشرسة ضده، والمتلاحقة من دون توقف باتهامات مختلفة كأن تتهمه بدعوته إلى المقاومة الشعبية ضد اسرائيل، او تنظيم زيارات غير شرعية لعرب اسرائيل لسوريا، او الاتهامات الأخيرة حول تسريب معلومات أمنية اثناء حرب اسرائيل على لبنان يوليو 2006م وقبلها، والهدف واحد: هو استهداف وعي عزمي بشارة، واستهداف ما يمثله كنموذج من وعي سياسي وطني وقومي واستهداف منطقه ومفهومه حول "اسرائيل لكل مواطنيها"، وبالتالي استهداف ما يمثله هذا الوعي من ازعاج وخطورة على الكيان الصهيوني المغتصب.

ومن هنا فان مناصرة عزمي بشارة من كل الأحزاب والمؤسسات الشعبية والسياسية والعربية والدولية المدنية، هي مناصرة للحق وللديمقراطية والقيم الانسانية التي يمثل عزمي بشارة فيها أحد وجوهها المهمة والبارزة، من حيث صياغة الوعي العربي الجديد في كل مكان وليس في فلسطين وحدها.

"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018