نسويّتي، وعزمنا على المقاومة، وعزمي بشارة../ د.نادرة شلهوب- كيفوركيان

نسويّتي، وعزمنا على المقاومة، وعزمي بشارة../ د.نادرة شلهوب- كيفوركيان

عزمنا على المقاومة -مقاومة الإبادة الإثنيّة المتمثّلة في قانون المواطنة الحديث وسياسات التمييز، والتهويد واختزال (أو بالأحرى: محو) العدل والعدالة للفلسطينيّة والفلسطينيّ، والتشهير، والعنف المستمرّ...- يجرَّم بقوانين المغتصِب قائلين لنا إنّ القضيّة شخصيّة ضدّ "جرائم" واختراقات د. عزمي بشارة للقوانين الإسرائيليّة.

عن أيّ قضيّة شخصيّة يتحدّثون ونحن نَعِي أنّ من "يتواقحن ويتواقحون" للمطالبة بحقّهم في العيش بأمان، في حقّهم بالتعليم، في السكن، في المطالبة بحقّهم في التواصل مع أبناء شعبهم، في الكتابة، في رفض مصادرة الأراضي وهدم البيوت، وغيرها من المسلكيّات المقاوِمة، هؤلاء يُعتبرون كمن يشكّلون "تهديدًا أمنيًّا على الدولة"؟!

لقد بَنَت هذه الدولة -منذ قيامها- أيديولوجيات وتبريرات أسموها "التهديد الأمنيّ"، وبنوا حولها مخابرات عسكريّة ووحدات تحليليّة وتفكيكيّة وسياسات تطبيقيّة هدفت في الماضي وما زالت تهدف في الحاضر- بحضور عزمي بشارة أو بغيابه- إلى الإبادة الإثنيّة للفلسطينيّ في وطنه.

فلو عدنا إلى خطاب موشيه ديّان في 30/4/1956، عند مقتل روعي روتنبرغ، لسمعناه يقول: ..."علينا ألاّ نلقي اللوم على القتلة... ولِمَ نستغرب من كراهيتهم الشديدة لنا؟ ثماني سنوات وهم يقبعون في مخيّمات اللاجئين في غزّة، وعلى مرأى منهم نحن نسيطر على أراضيهم وقراهم التي عاشوا فيها مع آبائهم".

ويتابع ديّان قائلاً: ..."نحن جيل من المستوطنين؛ وبدون قبّعة الفولاذ وقوّة المدفعيّة لن نتمكّن من زراعة شجرة أو بناء بيت. علينا ألاّ نخاف عند رؤية الكراهية التي تملأ وتصاحب حياة مئات الآلاف من العرب الذين حولنا. علينا ألاّ ندع أعيننا تراهم، خشية أن تضعف أيدينا... علينا أن نكون مستعدّين ومسلّحين، أقوياء وقُساة"... (ترجمة الكاتبة)

إنّ مقاومتنا لمحاولات تجريم مَن يطالب بحقوق شعب عانى النكبة والشتات والتهجير والسياسات العنصريّة على أنواعها هي قضيّة نسويّة واجتماعيّة مسيَّسة. فالفكر النسويّ يطرح -وبجلاء- كيف أنّ الشخصيّ هو سياسيّ، وأنّ ما يحدث مع عزمي بشارة اليوم سوف يحدث لكلّ مَن يتحدّى سياساتهم ودولتهم العنصريّة، لذا فإنّ قضيّة عزمي بشارة هي قضيّتي، والتهم الموجَّهة إليه هي تُهَم موجَّهة ضدّي كفلسطينيّة، وهي قضيّتنا جميعًا.

ولماذا أقول إنّ القضيّة -قضيّة تسميتنا بالتهديد الإستراتيجيّ واتّهام عزمي بشارة في هذا الوقت بالتحديد- هي كذلك قضيّة نسويّة؟ الأيديولوجيا النسويّة بدأت بمقاومة التشييء والإخراس. النسويّة تهتمّ -في ما تهتمّ- بحرّيّة التعبير وإخراج الصوت المقموع. النسويّة ترفض عدم المساواة السياسيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. النسويّة تشدّد على الحقّ في الحفاظ على الهُويّة. النسوية تجادل وتتحدّى انعدام المساواة وتناضل لتحقيقها.

لذا، فهي تشكّك في التعريفات العنصريّة والمميِّزة على أساس العرق، أو الثقافة، أو الجنس، أو النوع، أو الدين، أو الطبقة، أو الجنوسة، وغيرها. النسويّة تنتقد الحركات والقوى السياسيّة المهيمنة، وتدعم المقاومة والحقّ في المقاومة، وتؤكّد على أهمّيّة الحركات الشعبيّة والمفكّرين الأصلانيّين -كالمفكر عزمي بشارة- في تخطّي حواجز القوى المهيمنة وتحدّي التشييء والاضطهاد وَ "ثيولوجيا الأمن".

ويأتي التحليل الذكوريّ واتّهامات المغتصب لعزمي بشارة بلغة الشاباك الممنهجة والمبنيّة على تبنّي اغتصاب الآخر لغةً وأيديولوجيا. وتأتي هذه اللغة الذكوريّة المعسكرة لحمايتهم ممّن كان وجودهم، ولا زال، يُعتبر "تهديدًا أمنيًّا" لأمن وأمان المغتصِب من عدالة وطاقة ودافعيّة وثقليّة صوت الضحيّة.

ويعزّز هذا الخطاب المنمَّق بمهننة خبراء أمريكا الفاشلات والفاشلين، يعزّز خطاب المغتصِب بـِ "خوفه" المستمرّ، لأنّه- يا حرام... لا ينام الليل من "الإرهاب" ضدّه.. "إرهاب" مَن يقاوم الاعتداء والاحتلال والشتات والتطهير الإثنيّ المستمرّ. ولماذا الخوف من المقاومة... مقاومة إرهاب الدولة... أوليس من الإنسانيّ والنسويّ والعاقل أن ترفض الضحيّة الاغتصاب المستمرّ لغةً وسياسةً ونمطَ حياة؟!

هل تريدون أن نصفّق لكم كلّما مررتم بدبّاباتكم المَقيتة داهسين بها آمالنا، وأمننا، وبيوتنا، وأحلام بناتنا وأبنائنا؟! هل تريدون أن نقبل بإخراس أصواتنا وطاقاتنا كصوت ودافعيّة عزمي بشارة لأنّه تحدّث بلغة صعُبَ على المستشرقين القدامى والمستشرقين الجدد وواضعي السياسات العنصريّة والمصهينة تقبّلها؟!

وهل تتوقّعون ممّن يرفضون العنف والاغتصاب والفصل والقتل وعسكرة المسارات والبيوت والاقتصاد والثقافات أن ينتبهوا إلى رفاهيتكم، ويقلقوا لـِ "خوفكم"، ويتغاضوا عن صناعاتكم الأمنيّة والتي بدأت قبل النكبة، وما زالت تصنع الخوف كمنتوج "وطنيّ" محلّيّ؟! ولماذا تصنعون الخوف؟! لحمايتكم من مواجهة الحقيقة؟! لنكرانها؟! لشعوركم بالذنب، أََم للاستمرار في تحقيق الأيديولوجيا الصهيونيّة؟! ولِمَ كلّ هذا الخوف؟! وما سبب التصنيع المتواصل للخوف؟! هناك مَثَل يستخدمه أهل البلدة القديمة في القدس، وتعلّمته من حماتي، يقول: "لا تنام بين القبور... ولا تحلم أحلام مزعجة". نحن لم نُدخلكم إلى المقابر... اخترتموها بسياساتكم المصهينة -لا السياسات الـمُلْغِية للآخر فحسب، وإنّما السياسات المبنيّة على استمراريّة اغتصاب الآخر.

إنّ عملي النسويّ الطويل الأمد يؤكّد- بكلّ ما في قدرة العدل من حماسة ودافعيّة- ويرفض إطلاق سراح المجرم، يرفض تقاعس مؤسّسات الضبط الاجتماعيّ وفشل القانون والجهاز القانونيّ، يرفض تحويل القضيّة إلى قضيّة لوم الضحيّة، وإخراس وكَمّ أفواهنا. القضيّة أبعد من ذلك بكثير؛ ودعوني أشرح موقفي مستخدمةً مثالاً من سياق نشاطي النسويّ وكتاباتي الأكاديميّة البحثيّة.

في أبحاثي -كما في مقاومتي النسويّة- حاربتُ ما يسمّونه بالعذر المُحِلّ والعذر المخفّف المقبولَيْن في النواميس والقوانين الذكوريّة القامعة، لا سيّما تلك المتعلّقة بقضايا قتل النساء. هذه الأعذار تخفّف عن المجرم الجُرْم أو تُحلّه من العقاب مستعملة الأعذار الذكوريّة المُحلّة للجُرم (والتي لا صلة لها بأمني كامرأة، ولا علاقة لها بأمن المجتمع)، وتعالج الخوف المجتمعيّ (والتي لا صلة لها بخوفي من الإجرام المستمرّ) من ارتفاع نسبة الإجرام والفوضى بواسطة قتل الضحيّة - فتخفّف العقاب على المجرم وتكافئه. فكيف تريدونني أن أقبل أعذاركم المُحِلّة والمخفِّفة والتي تنحدر من أيديولوجيات الثيولوجيا الأمنيّة والمصنَّعة من "الخوف" المبرَّر بحججكم العسكريّة. لن أقبلها... ولا تقولوا إنّ القضيّة هي قضيّة شخصيّة! بل هذه قضيّتي... وقضيّتنا... ولا تطلبوا منّي تقبّل خيارات التعايش المتبادل (أو البحث عنها) وأنتم تستمرّون في احتلال أرضي، وفي القتل والتشتيت وعدم الاعتراف بحقوقي وحقوق أبناء شعبي.

إنّ طلباتكم من ضحيّة اغتصابكم -التي ما زالت تقاومكم وسياساتكم "السلمية" المكمّمة بمهارات الإخراس الموساديّة والمزيَّنة بنعتنا بالإرهابيّين خفيةً وعلنًا- هي كمن يطلب أو يقترح عليَّ قبول القانون القامع الداعي لتزويج المغتصِب للمغتصَبة... للوصول إلى "سلام اجتماعيّ"... وهذا ما لن أقبله، وما سأقاومه بكلّ ما أُوتيتُ من قوّة.

إنّ صراعكم معنا ومعي هو ليس صراعًا على قدرتنا على إرهابكم وخلق الرعب في قلوبكم... لأنّي أنا الخائفة والقلقة والمرعوبة من قدراتكم على حياكة تُهَم وجرائم أنتم مَن صَنعها وأسماها وسوَّقها. أنا خائفة وأعيش رعبًا ما بعده رعب، بينما أنتم المجرمون الذين بدأتم شلاّل المجازر والدماء، وبدأتم قصّتنا التي لم تنتهِ بعد مع الشتات والتهجير والحياة تحت الحكم الإداريّ والعسكريّ.

أنتم الذين طعنتم وأفقرتم اقتصادنا سارقين لأراضينا والموادّ الخام التي تحويها، ولبيوتنا ومزارعنا ومنتوجاتنا ومصارفنا. أنتم الذين عسكرتم مدننا وقرانا، هدمتموها وحاولتم مرارًا وتكرارًا إيذاءنا -وبطرق يرفض القانون المكتوب وغير المكتوب تقبّلها.

أنتم الذين حرمتمونا من التواصل مع أبناء وبنات شعبنا، مطلِقين علينا أسماء ترمي إلى إلغائنا- كما في المصطلح "عرب إسرائيل"- كي تُؤَسْرِلونا، وفشلتم. أنتم الذين حاولتم -وما زلتم تحاولون- محونا عن الخارطة، محطّمين قرانا ومؤسرلين مدننا. الآن تنعتوننا بـِ "الخطر الأمنيّ"، وأنتم بأنفسكم وسياساتكم الصهيونيّة وضعتم بناتكم كأبنائكم في سياق الخطر الأمنيّ المستمرّ، ولم تُعيروا مستقبل أبناء الأجيال القادمة الذين وُلدوا ضحايا لجشعكم الأعمى أيّ اهتمام.

أنا لست بـِ "خطر إستراتيجيّ"... أنا أحاول العيش في بلادي بكرامة وحرّيّة وأمان ومساواة كاملة. أنا أحاول حماية بناتي من الملاحقة والتمييز والخوف المستمرّ. أنا أحاول تعليم طالباتي وطلاّبي بعمق، بطرح حرّ ومشاركة بالمعرفة، بحوار ديمقراطيّ، وبكثير من الحبّ، حاميةً لحرّيّتي الأكاديميّة ولقلمي الناقد.

أمّا أنتم... فأنتم مصدر الخطر على بناتكم وأبنائكم ومهندسي فيزياء وكيمياء الخطر الأمنيّ الخانق لأنفاسنا. لماذا أخافتكم كتاباتنا ووثائقنا (وثيقة عدالة؛ والرؤية المستقبليّة؛ ووثيقة حيفا؛ وغيرها)؟! ولماذا أوصلتكم كتاباتنا ونشاطاتنا الرافضة لاستمراريّة الاغتصاب والاحتلال والإبادة العرقيّة إلى تلفيق التهم وتصعيد سياسات تصنيع الخوف؟! وحتّى متى ستستمرّون في هذه السياسات العسكريّة، النابعة من الفكر الصهيونيّ، والبارزة في أقوال وسياسات قادتكم كموشيه ديّان وشارون وأولمرت وغيرهم؟!

نقف اليوم على أعتاب ذكرى النكبة، ويساورني السؤال: هل يُعدّون لنا نكبة مجدّدة؟ وهل عزمي بشارة هو "بشارتهم" لي -كامرأة فلسطينيّة- بأنّهم سيبتدعون أسلوبًا جديدًا للاغتصاب، ويبحثون عن طرق جديدة ليزوّجوا المغتصب ويحلّلوا الجريمة؟!

وما هي القوانين الجديدة والتي سيسنّها المغتصِب لتبرير استبداده؟! فكلّنا نعلم أنّ الرأي العامّ -وخاصّة الشاباك الإسرائيليّ- قد جرّمَ عزمي بشارة، كما جرّمَنا جميعًا لكوننا فلسطينيّين -أقلّيّة وطن- ولأنّنا نرفض الصمت لغةً. من يشعر بالرعب اليوم هي أنا، وإنّ من يخشى ما يخبّئه لنا المستقبل كفلسطينيّات وفلسطينيّين هم نحن؛ ولكن ما لا أتردّد في قوله، وما يفرضه عليّ تاريخي ومعاييري القيميّةُ النسويّةُ والأيديولوجيّة، هو أنّ المقاومة الفكريّة، ضدّ ذكوريّة الخطاب المهيمن وعسكرته، هي أقلّ ما يمكن فعله اليوم في هذه الظروف المرهبة والقامعة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018