بشارة في حوار مفتوح بمنتدى "الدستور" الثقافي..

بشارة في حوار مفتوح بمنتدى "الدستور"  الثقافي..

عمان - الدستور: دعا المناضل الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة قيادة الشعب الفلسطيني بفصائلها كافة الى أن تدرك ان الظرف الفلسطيني يحتاج إلى تغيير بنيوي ، فإما الرضا بما هو موجود والانتقال إلى موقع الدولة ، أو العودة إلى مواقع حركة التحرر الوطني.

وشدد في حوار مفتوح عقد في منتدى "الدستور"، الاثنين الماضي في العاصمة عمان، على أن المنطقة تمر بأوضاع عصيبة وخطيرة ولا يحتاج المرء إلى جهد كبير ليتوقع حصول مثل هذه التطورات فيها ، منذ أن بدأ التدخل الأميركي بالشكل المباشر بعد 11 أيلول.
ولفت الى أن ما يجري في غزة ، يشكل خطورة كبرى خلافاً لمن يرى الموضوع كخلاف فصائلي أو عشائري يحل بالقبلات أو بما يسمى في فلسطين (بوس اللحى) ، والاتفاقية الاخيرة هي رقم 12 ، التي وقعت بين حماس وفتح ، لذا أعتقد أن الأزمة بنيوية وهناك استخفاف عندما يتم التعامل مع الموضوع كصلح عربي ، فالمسألة مهمة وخطيرة وبنيوية تخص حركة التحرر الوطني الفلسطيني بدأت تظهر الآن ، وإذا لم تتم معالجتها بالشكل اللازم فأعتقد أنها ستكون نوعا من الحتمية التاريخية أو قصة موت معروف سلفاً بلغة ماركيز ، أي نوعا من الحتمية القدرية البائسة الناجمة عن أوسلو ، وكأن هناك قدرا بأن أوسلو يؤدي إلى هذه النتائج ، ولذلك إذا لم يتم استدراك الأمور بأسرع وقت ممكن ، فأعتقد أن الموضوع خطير وله علاقة بما كنت أسميه أمامكم في بضعة لقاءات ماضية في عمّان من أيام أوسلو "أزمة هوية عند حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي أخطر ما حصل لها باعتقادي من أيام أوسلو" .

وبغض النظر عن كل التشخيصات التي قمنا بها من أيام أوسلو ، فنحن الذين عارضنا أوسلو في حينه. أخطر ما في الأمر أن حركة تحرر وطني أو حركة وطنية فقدت مواقع حركة التحرر الوطني ، تخلت عنها بقرار ، تخلت عن مواقع حركة التحرر الوطني بقرار ، من أجل إنقاذ قيادة هذه الحركة من الزوال التاريخي ، تخلت عن موقع الحركة ولم تصبح دولة.
وقال ان حركات التحرر الوطني تتخلى عن موقع حركة التحرر الوطني بفرح وباحتفال لأنها أصبحت دولة ، نحن لا نتمسك بموقع حركة التحرر الوطني كهدف ، هذا ليس هدفا قائما بذاته ، فحركة التحرر الوطني هي أداة للتحرر ، وحركات التحرر الوطني عموماً تفرح عندما تتخلى عن موقع حركة التحرر الوطني إذا أصبحت دولة وتحررت ، ولكن ما وقع للشعب الفلسطيني هو أمر خطير للغاية ، وممكن أن هذا من مميزاته الحالية عن بقية الشعوب ، وخصوصية التعقيد عن بقية القضايا المعقدة التي نعرفها في العالم ، بأنه تم مغادرة مواقع حركة التحرر الوطني دون الوصول إلى موقع الدولة ، فهذا بالضبط ما يجري في غزة الآن.
فما كان قادراً عن الإمساك بالشارع الفلسطيني حتى تحت الاحتلال هو قيم ومبادئ ومعنويات وهيمنة ثقافة حركة التحرر الوطني على الشارع بغض النظر عن مدى نضجها ، حيث كان هناك مشروع وطني يتحكم بالشارع حتى في غياب أمن وطني فلسطيني ، حتى في ظل الاحتلال ، فيتحكم بمعنويات الشعب الفلسطيني ويتثقف الطفل الفلسطيني على أنه جزء من مشروع. هذا فقدناه وفقدنا أصدقاءه ومريديه في العالم ، وأصبح مريدوه في العالم مصدر حرج لنا لأن قيادة الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة ترى أن كل قيادة أخرى في العالم ، غير الولايات المتحدة لا حاجة لها ، أي أن هناك استراتيجية واحدة وهي استراتيجية التعويل على السياسة الأميركية في المنطقة وأي شيء آخر هو إضافة ولا حاجة له ، وبالعكس ، فان مظاهرة يسار أو غيرها قد تسبب لنا إحراجا مع نوع أصدقائنا الجدد في العالم.

غادرنا هذه المواقع بما فيها العالم الثالث ، إلى درجة أن فلسطينيي العراق لا يجدون من يتكلم باسمهم ، أكاد لا أصدق حجم ما جرى بعد أوسلو ثم بعد فقدان ياسر عرفات ، أنه لا يوجد حتى ادعاء لتمثيل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ، في محاولة حتى للتهرب من تمثيل الشعب الفلسطيني ، وإلا كيف لا يجد 20 ألف فلسطيني في العراق مهددون بالقتل بسبب فلسطينيتهم من يتحدث باسمهم الآن في الجامعة العربية ، ولا يجدون من يقول للدول العربية بأن يخجلوا على أنفسهم ويستضيفوا الـ 20 ألف فلسطيني في العراق. فقدان موقع حركة التحرر دون أن نصبح دولة ، بمعنى التسيب الموجود على الساحة الفلسطينية ، لا يوجد قيم ومبادئ وثقافة حركة تحرر وطني تضبط الشارع من ناحية ، ومن ناحية أخرى لا توجد دولة تفرض القانون بسيادة القانون ، فلا دولة ولا حركة تحرر ، فهذه أزمة بنيوية لا تحل بتقبيل اللحى ، وهذا ليس سوء فهم أو عدم تفاهم أو قضية تحل بوساطة كما تحل الخلافات العشائرية ، لأن بذور هذا الواقع ، ومسبباته موجودة وتغذى يومياً.
واكد أن الشعب الفلسطيني يعاني من الحصار الإجرامي من كل الجهات ، رغم اتفاق الطائف ، لأن القضايا لا تحل بالصلح ، أو بإرضاء هذه الدولة أو تلك ، لأهداف استراتيجية وطنية ، وإنما لأهداف أخرى متعلقة بالعلاقات مع تلك الدولة دون التوصل إلى صيغة تنتج وحدة وطنية أو تنتج كسرا للحصار. فحصار بهذا الحجم على مخيم لاجئين بهذا الحجم ، «وسأتناول هذه النقطة بعد قليل».

كيف نصور غزة وهي مخيم لاجئين ونتحدث عنها كأنها منطقة محتلة ، فهي مخيم لاجئين وليست منطقة محتلة.

الحصار الإجرامي الذي تتعرض له غزة ، حولها الى معسكر اعتقال ، حتى لو لم تكن الأسس التي تحدثت عنها وهي فقدان حالة التحرر الوطني دون الوصول إلى موقع الدولة ، وحتى دون ذلك ، إذا حاصرت مليونا ونصف مليون شخص أو مليوني شخص وراء سياج وأسلاك شائكة يتولد عنف داخلي وعنف سجناء ، فهناك مسؤولية مباشرة للحصار عن تولد اعمال العنف في ظروف من هذا النوع..

وقال: لا أدري من هو الشعب الذي تعرض إلى حصار على هذه البقعة الضيقة ، بهذه الكثافة السكانية ، وهذا الكم من السنوات ، فلا أعرف حالة من هذا النوع.. الانحلال الذي حصل نتيجة لمغادرة مواقع حركة التحرر الوطني دون أن نبني دولة بسيادة قانون وبأجهزة أمن مركزية أدى إلى انفراط عقد الولاءات ، على مستوى فصائل كانت تسمى الفصائل وقسم منها أصبح بحاجة إلى شراء ولاءات عشائرية ليضمن بقاءه.

والولاءات العشائرية كما تعلمون ، في مناطق الصراع في كل المنطقة العربية متغيرة ، تنتقل حسب الظرف. لم أتخيل ان نعرف هذا الوضع على الحدود اليمنية السعودية ، ونعرف هذا الوضع في مناطق مختلفة ، لكن في فلسطين تستأجر عائلات وعشائر من قبل فصائل ، فهذا أمر لم أتخيل أن يحصل ، هذا فقط ممكن بعدما تم التخلي عن أخلاقيات حركة التحرر الوطني. أصبح بالإمكان تخيل وقوع شيء من هذا النوع ، عنف من هذا العنف ، وانتشار سلاح بهذا الشكل.

المشكلة لا تحل بالحديث عن مسؤولية أو عدم مسؤولية أفراد وعدم القدرة على السيطرة على أفراد وانفلات أمني ومثل هذه المصطلحات.

وطالب د.عزمي قيادة الشعب الفلسطيني بفصائلها كافة بأن تدرك ان الأمر يحتاج إلى تغيير بنيوي ، فإما الرضا بما هو موجود والانتقال إلى موقع دولة بما هو موجود ، أو العودة إلى مواقع حركة التحرر الوطني كما تتطلب شروط هذه العودة.

وقال: من دون ذلك أعتقد أننا سننتقل من هدنة إلى هدنة دون فرج حقيقي ، وأنا أتحدث عن هذا الموضوع بكل مسؤولية ، وأعتقد أن جزءا من الاستنتاجات الحالية عند البعض ، له علاقة بهذا الأمر. مثلاً النقاش حول حق العودة ، فمجرد مناقشة هذا الموضوع هو إمعان في هذا النهج ، نهج مغادرة موقع حركة التحرر الوطني. ان التركيز على أن حق العودة غير واقعي أو أن إسرائيل لن تقبله أو من الخطأ التمسك به أو أنه عائق أمام السلام ، في مثل هذا الظرف ، يعني تعميق نهج مغادرة موقع حركة التحرر الوطني وأهدافها دون أن نصبح دولة.
هناك خديعة كبرى يجري ترويجها ، يجب فضحها ، ومسؤولية الإعلام الواعي أن يقوم بذلك ، خديعة كبرى يشارك بها المستوى الرسمي العربي بدرجات متفاوتة ، أن المشكلة مع إسرائيل هي حق العودة.

يعيدها أولمرت ونحن نعيدها وراءه . أقول هنا بغض النظر عن مدى تمسكنا بهذا الحق أم لا ، فهناك من يعتقد أن عدم التمسك به ينهي القضية الفلسطينية لتصبح صراعا إقليميا بين دولتين وليس لي مصلحة به كفلسطيني ، والفلسطينيون في العراق ليس لهم مصلحة فيه ، والفلسطيني في لبنان أيضاً ليس له مصلحة فيه. وبغض النظر عن كل هذا... هل صحيح أنه إذا تم التنازل عن حق العودة تحل القضايا؟

هل سئل أولمرت من أحد الصحفيين أنه إذا تم التنازل عن حق العودة هل ستعود إسرائيل إلى حدود الـ67 ؟
بالطبع سيكون جواب أولمرت: لا.. لكن لماذا لا يستطيع أحد سؤال أولمرت هذا السؤال، فهذا الصمت هو الخديعة ، وهذه هي طريقة السلام التي تعني كما يسميها الغربيون ، أن تقطع القطعة الأولى والثانية والثالثة والتنازلات أو نهج المراحل ، ولكن مقلوباً. بالطبع نهج مراحل إسرائيلي وليس فلسطينيا. كنا نتهم بتبني خطة المراحل ، الآن أنا أتهم إسرائيل بتبني خطة المراحل ، حيث يحاولون اسقاط حق العودة ، بعد ذلك تصبح القدس هي العائق ، وبعد أن تنتازل عن القدس ، فلن يعودوا إلى حدود الـ67 حيث ان هذه أيضاً تحتاج إلى تعديلات. في الحقيقة ، إسرائيل لا توافق على أي مركب من مركبات مبادرة السلام العربية ، لكن لماذا لا يقال هذا الأمر، لماذا الخداع ،
لأن من الأسهل أن نقول انهم غير موافقين على حق العودة ، وإذا أصبح هذا الأمر جاهزا ، أو تحتاجون جهوزية عند الفلسطينيين للتنازل عنه فهو الأسهل ، فاللاجئون الفلسطينيون خارج الأرض المحتلة ، ولا يوجد أحد يتحدث باسمهم بشكل منظم. وأسهل شيء الآن تحييد هذا الموضوع.
ونأتي للقدس ، لنرى كم أضعفنا سكانها العرب ولم يعد هناك من يتحدث باسمهم. وعن قصد لم تتشكل لهم قيادة ، وسنرى مدى الصعوبة فيما بعد بالحديث باسم القدس. أين هو المجتمع العربي المنظم في القدس ، الذي أفنى فيصل الحسيني عمره في محاولة إثبات وجوده وتجذيره؟ .

لماذا لا نقول لشعوبنا ان قرار حق العودة هو قرار أمريكي كانت الولايات المتحدة تحرص على تقديمه للأمم المتحدة منذ عام 1949 وحتى 1993 ، وتوقفت بعد أوسلو لأن الطرفين بدءا الآن بالاتفاق ولم تعد الأولوية لحق العودة. القرار 194 ليس قرارا من العالم الثالث ، ولا من دول عدم الانحياز حيث لم تكن موجودة ، ولا قرارا سوفييتيا.

194 قرار أميركي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين ، قدم للهيئة العامة للأمم المتحدة ، وحاولت بريطانيا أن تنضم لها ورفضت أميركا ، لأنها أرادت أن تتصدق هي بالحقوق الإنسانية للناس ، وبقيت كل عام تكرره ، وأوقفت تقديمه للأمم المتحدة مع أوسلو ، بمعنى أن الأطراف بدأت بالتفاوض ، لذا فلا داعي للتحدث عن حقوق عودة. وهذه هي خطورة عملية السلام. فعندما تدخل في عملية مفاوضات ثنائية استبدلت ما يسميه العرب الشرعية الدولية بالشرعية التفاوضية ، حيث انتهت الشرعية الدولية وهناك شرعية يتفق عليها الطرفان. هذا فقط نموذج على ما تعنيه عقلية العملية السلمية وتأثيرها على مسألة الحقوق والمنطق والذي قلناه في تلك الفترة والذي نحن ممعنون فيه ، ولن يتوقف عند التنازل عن حق العودة إذا استمرينا به ، ويتجسد بشكل خاص بالمناشدات المستمرة من المستوى الرسمي العربي لبوش أنه: أين الدولة الفلسطينية التي وعدت بها، فكأن الدولة الفلسطينية هي غاية الأمانة للشعب الفلسطيني ومقابلها نجهز نفسياً لتقديم حق العودة والقدس والمستوطنات ، أي نقدم كل شيء مقابل الدولة الفلسطينية فقط لكي ينفذها بوش.

لكن حتى هذه لم ينفذها بوش. هذه هي الأجواء التي أعتقد أنها جهزت الحالة الثقافية والنفسية والمعنوية للشعب الفلسطيني للانحلال الذي نراه في غزة. لا توجد حركة تحرر ولا توجد دولة تفرض القانون بالقوة ، وأعتقد أن هذا أمر خطير لا يمكن أن يبقى في مجال أو أن يبقى في سياق التذمر والغضب المنتشر في صفوف المخلصين من أبناء شعبنا.

كلما ظهرت هذه الصور عبر التلفزيون أو وسائل الإعلام ، فهذا الوضع بنيوي حتي وهو غير مشتبك فهو مشتعل وموجود ، والجمر تحت الرماد طيلة الوقت إذا لم نقم بحل هذه القضية البنيوية بالكامل. لا بد من مراجعة كل هذه الأمور.
وقال د.بشارة: لو كنت أضمن أن حل السلطة الوطنية الفلسطينية لن يؤدي إلى انقلاب تقوم به أجهزة أمنية وتستلم هي السلطة مستغلة الفراغ ، لقلت بحل السلطة الوطنية الفلسطينية ، والعودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية والنضال ضد الاحتلال. فما دام الحصار مضروبا حول شعبنا فليكن ، ولكن على الأقل نحن نعرف أن هذه معركة مفتوحة وليست مسألة تفاوض تحت سقف حركات التحرر الوطنية من أجل ترتيب وضع للنخبة الفلسطينية لتستلم قيادة سياسية ، ولا يهمني ماذا يكون اسمها إن كان فتح أو حماس.واضاف: مبادرة السلام العربية في حقيقتها وفي جوهرها هي مبادرة مقدمة لأميركا وللرأي العام الأميركي وليس لإسرائيل ، كإجابة على تدهور صورة حلفاء أميركا العرب في الولايات المتحدة الأميركية قبل 11 أيلول.

أي أن هدفها القول للرأي العام الأمريكي: اننا لسنا بهذا السوء ، ولا نستطيع اجراء إصلاحات ديمقراطية لدينا ، ولا نستطيع أن نكون متنورين ، لكن يمكننا ارضاءكم في الموضوع الفلسطيني، ونرضي الأكثر ليبرالية فيكم ، والأكثر ليبرالية في أميركا في قضايا المرأة وغيرها من القضايا هم لسخرية الأقدار أكثر الناس قربا من إسرائيل.

اللوبي الإسرائيلي عموماً في المعسكر الأكثر ليبرالية. بالطبع تغيرت الأمور في السنوات الأخيرة بنيوياً أكثر ، ولكن في المجمل على الأقل نكسب هؤلاء.

مبادرة السلام العربية هي حملة علاقات عامة ، ولكن رسمياً هي موجهة لإسرائيل. أعتقد أنه وقع هنا خطأ كبير في حياتنا السياسية والثقافية وكيفية تعاملنا مع هذه المبادرة.

إسرائيل رفضت المبادرة كطرف وجهت اليه بالأساس ، وعندما يتم تقديم مبادرة سلام يرفضها الطرف الموجهة له تنتهي مهمة المبادرة أصلا.

وبما أن إسرائيل ترفضها فلماذا نتمسك بها، هناك أمر غريب في السلوك السياسي. فمبادرة السلام يقدمها القوي وليس الضعيف ، فالضعيف إما أن يستسلم أو ينتصر ويقدم مبادرة سلام بعد انتصاره.

أفهم منطق السادات ، على عوجه ، أفهم أنه رجل دخل حربا وأعلن بعدها مبادرة سلام. دخل الحرب ليعمل نوعا من توازن القوى ، ليعلن بعد ذلك مبادرة سلام. أهم ما يجب أن يتوفر لمبادرة السلام هو أن أكون قادرا على فرضها أو فرض جزء منها ، أما مبادرة سلام من طرف ضعيف فهي تفسر كضعف ولا تفسر بأي شكل آخر. لكن إسرائيل رغم هذه المبادرة قامت بعد ذلك بالدخول الى رام الله حيث كانت عملية نتانيا ، والعرب لم ينتظروا ، وعلى الفور خفضوا سقف المبادرة من خلال خريطة الطريق ،
خريطة الطريق افتخر بها العرب ، مع أنها تخفيض لسقف مبادرة السلام. في خريطة الطريق ذكر بوش مبادرة السلام العربية بأنها واحدة من مصادر مرجعيات خريطة الطريق ، وإسرائيل قالت عن خريطة الطريق في واقع الحال انها ممتازة وعظيمة ولكن وضعت 13 ملاحظة ورفضتها ، وانتهى الموضوع ، فمبادرة السلام دفنت تقريباً ، وذهبنا إلى خريطة الطريق وصرنا نتحدث عن تطبيقات خريطة الطريق ، لكن ماذا حصل؟ لكن أين الشعوب ، ولماذا لا تسأل زعماءها ما الذي حصل في خريطة الطريق؟ اشغلونا أكثر من سنة في خريطة الطريق ، لكن كيف اختفى موضوع خريطة الطريق<
أولاً إسرائيل قتلتها بـ 13 ملاحظة ، وثانياً قامت إسرائيل ، باعداد بديل عن خريطة الطريق هو فك الارتباط من طرف واحد ، بمعنى أنها لم تهتم بخريطة الطريق التي عرضها العرب.
إسرائيل تريد عمل ما تريده. انسحبت من غزة دون مشاورة أي أحد ، لكن ماذا عمل العرب عندما انسحبت إسرائيل من غزة من طرف واحد، أصبح العرب يتوسلون إسرائيل لتشاورهم ، أو على الأقل تظهر بأنها تشاورهم ، فشارون بعد أن قام بكل شيء دعوه الى شرم الشيخ ليجلس معهم ويتصور معهم ليظهر أنه يناقشهم فقط ، وخرج بيان شرم الشيخ يقول: اننا نعتبر فك الارتباط جزءاً من خريطة الطريق رغم أنف شارون،، لكن شارون قام بهذا العمل لأنه لا يريد تطبيق خريطة الطريق ولكي لا يفرض عليه تطبيق خريطة الطريق بالشكل الذي تريده أميركا. هذا الكلام قاله أمامنا في الكنيست ، لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟
أحبطت خطة شارون بالانتخابات الفلسطينية ، حيث ثبت أن هذا الشعب عظيم. لا يهم عندي لمن قام بالتصويت ، فالفارق عندي أن تصويته كان بـ (لا) ، فقاموا باجراء انتخابات حرة وديمقراطية وبرقابة غربية ، ونسف الفلسطينيون كل شيء.

تفاجأ العالم ، بانتخاب حماس لتدير حكومة ، وحماس ضد أوسلو وضد كل البرنامج من أوله لآخره ، بغض النظر عن سلوكها الأخير ، لكن على الأقل هذا هو برنامجها السياسي الذي نزلت به بالإضافة إلى نهج المقاومة.. الأمر الآخر ، بدأت تظهر بوادر فشل المشروع الأميركي في العراق وانسحاب (نيوكونز) وبدأ الضغط يخف على الحالة السياسية العربية.
وأخيراً العدوان الإسرائيلي على لبنان بمبادرة إسرائيلية وبتشجيع أميركي. تم العدوان على لبنان وفشل. أولمرت كان في وضع حرج شديد عالمياً وأمام شعبه. عالمياً حكومته انتخبت لاستكمال الخطوات من طرف واحد ، أي أن نموذج غزة سيطبق في الضفة.. المشروع الأميركي متعثر ، محاولات إنقاذ المشروع الأميركي في لبنان بواسطة هذه الحرب أيضاً فشلت ، فبهذه النقطة تحديداً نعيد إحياء مبادرة السلام العربية، هذا أمر غريب، إسرائيل ترفضها ، ولم يصدر عن إسرائيل سوى تصريحات أفضل قليلاً من تصريحات 2002 ، بمعنى أنها تشجع العرب وهو نهج جيد ، حيث قال أولمرت: ليجتمع معي العرب ولن يسمعوا مني كلمة لا.. فتستطيع أن تقول ما يلي للعرب: اجتمع مع العرب ، وكلما كان العرب أكثر كان أفضل ، فتقول للعرب: مبادرة السلام عظيمة ونحن نشعر بأنها نهج ممتاز ، والعرب تخلوا عن لاءات الخرطوم وحتى عن برنامج قمة فاس الذي هو البرنامج السياسي الوحيد الموجود لدى العرب كعرب ، وليس كدول منفردة.

كل هذا جيد وعظيم ولكن تمسككم بحق العودة عائق للسلام. ومشكلة القدس ، فنحن لا نستطيع التخلي عنها ، ولكن المبادرة ممتازة ، أما القدس الموحدة فستبقى عاصمة إسرائيل الأبدية.. وأيضاً الموقف العربي بمسألة حدود الـ 67 والإصرار عليه يشكل مشكلة. وهكذا يقول اولمرت جميع اللاءات دون استخدام كلمة لا. ولكن مضمون الكلام هو الرفض.
في نفس أسبوع إعلان مبادرة السلام العربية ، وبنفس الخلفيات ، وبنفس الأجواء الإيجابية التي صورت عربياً كإيجابية ، قيل مثلاً ان مسيرة القدس وتحرير القدس وتوحيد القدس لن تشارك فيها أميركا والاتحاد الأوروبي رغم أن إسرائيل دعتهم.

أنا أستغرب كيف تعمل الفضائيات العربية، كلها قالت ان أميركا رفضت دعوة إسرائيل للمشاركة بمسيرة توحيد القدس ، مع العلم أن أميركا دائماً ترفض لأنها رسمياً لا تعترف بتوحيد القدس ، والاتحاد الأوروبي لا يعترف بتوحيد القدس. ان تصوير ذلك كإنجاز هدفه ايجاد انطباع نفسي أن هذه المبادرة خلقت جوا وحركة ، وهذا خداع. الشيء المهم الذي حصل في موضوع القدس هو جلسة حكومة فيها مليار ونصف دولار لتعزيز تهويد القدس.. الحقيقة ساطعة كنور الشمس ، ولا تحتاج إلى تعليقات ، إذا توفرت فقط النوايا الحسنة. المكتوب الإسرائيلي يقرأ من عنوانه في هذه المرحلة.

وثمة نقطة أخيرة بالنسبة لمبادرة السلام العربية وهي الترويج عربياً بأنه كان ممكنا للعرب خلال قمتهم في الرياض أن يتنازلوا عنها ، وبالتالي إنجاز كبير أنهم تمسكوا بها. وشعر كثير من الوطنيين والقوميين بالارتياح أنه بعد قمة الرياض على الأقل لم يتنازل العرب عن مبادرة السلام. وبالمقابل فان التمسك بمبادرة السلام العربية ، التي يرفضها الطرف الآخر هو تنازل ، لأنه يحول المبادرة إلى موقف ، الموقف العربي الشامل في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي ، وأقصد بالموقف العربي إذا آمنا بأن هناك كيانا عربيا. الدول العربية لكل منها موقف ومفاوضات واتفاقيات سلام ، فهذا واقع قد حصل ، وأنا أتحدث عن الموقف العربي الشامل ، فما هو الموقف الشامل للعرب ككل؟ آخر شيء كان فاس ، ولا يوجد بعد فاس تطورات مهمة حصلت في الموقف العربي الشامل.

وشدد بشارة على ان الموقف العربي هو لاءات الخرطوم وقمة فاس. أما مبادرة السلام فتصبح موقفا عربيا إذا وافقت إسرائيل عليها ، ولكن إذا لم توافق عليها فمن المفروض أن نعود لمواقفنا الأصلية.

العالم الآن ينتظر منا مبادرة سلام جديدة بناءً على هذا الموقف ، ولذلك فالتمسك بمبادرة السلام بهذا الشكل ، حتى لو ظهر وكأنه تشدد عربي وعدم تنازل ، هو في واقع الحال تراجع في بنيته لأنه حول مبادرة السلام إلى موقف عربي جديد لم يكن في السابق. مثلاً الحديث الذي كان ممكنا أن يكون باتفاق ، وعند التوقيع تضع مثل هذا الكلام بالاعتبار مثل (حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً بموجب القرار 194) هل هذا هو الموقف العربي، عندما تفاوض هذا ممكن أن يكون الحل الوسط وكذلك عندما تأتي للتوقيع ، لكن الموقف العربي هو حق العودة ، وليس حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً.

هذا وارد في مبادرة السلام العربية ، ولا يوجد ذكر لحق العودة ، بل قيل فيها (حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً بموجب القرار 194). وإذا كانت اسرائيل ترفض ذلك ، هل أتمسك به وأحوله لموقف عربي، وأخشى أن تكون الخطوة القادمة التنازل. لذلك أردت أن أورد بعض الملاحظات حول هذا الخداع الذاتي والخداع القادم الذي أعتقد أنه قادم بناء على أجندات وليس بالصدفة. فمن الضروري فتح هذا الموضوع ومن الضروري كشفه لأننا محقون فيه ، لكن لا يوجد حد أدنى توافق إسرائيل عليه ، فيما نحن نواصل الخداع الشامل لشعوبنا ، ونصل إلى درجة الخلاف وتبادل إطلاق النار. طرف يريد أن يفرض شيئا وطرف يريد أن يفشل هذا الشيء والاثنان واهمان.

د. نبيل الشريف: نشكر المناضل الدكتور عزمي بشارة على هذه المقدمة ، وسنأخذ الآن مداخلات وأسئلة بالإضافة إلى الأسئلة المكتوبة.

كامل الشريف: أود أن أشكر الأخ الكريم الدكتور عزمي بشارة على هذه المحاضرة القيمة ، وأثني على موقفه الصامد القومي في هذه القضية المهمة.. الدكتور بشاره طرح عدة قضايا ، ومن الصعب تناول فرع منها ، لكن ألا يرى الدكتور عزمي أن هذه القضية ، كما ذكر هو ، خرجت عن مسارها الحقيقي ، لأن الحقيقة أن هذه المنطقة (فلسطين) ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها للعدوان ، فقد تعرضت في الماضي ، وكانت دائماً معاركها مستمرة حتى ينتهي العدو ، ففي السابق كان باستمرار عندما يقع عدوان في منطقة فالأمة كلها تنتفض في حالة ضعف بداية ، تغزى ، ....... العدو أهم مراكزها ، لكن مع الزمن تستمر حركة النضال ، هذه القضية وقع فيها تعطيل لمسيرة التاريخ ، وأحياناً تعطيل بخداع ، فأحياناً قيل انها قضية فلسطينية فقط ، والذين قالوها أحبوا أن يذيعوا هذه النغمة أن الفلسطينيين هم رأس الرمح لكي يؤيدهم العرب ، وبات العرب كلهم محايدين أو وسطاء ولم يعد هناك شعور بالانتماء للقضية. لحسن الحظ أنه رغم كل ما حصل لا تزال هناك بؤر مقاومة حتى الآن في لبنان وفي غزة وفي غيرها.. وقلت مرة في الماضي خصوصاً لإخواننا الفلسطينيين الذين يأتون من الداخل والذين صار لديهم شعور واضح بأنه لا يمكن لإسرائيل ان تقبل السلام ، فمحصلة كل الكلام أن إسرائيل رافضة للسلام ، إذن لماذا لا نقول بوضوح ، علينا أن ندعم بؤر المقاومة وأن تعود القضية من جديد وتأخذ مسارها الحقيقي ، القضية في مقاومة العدوان ، يجب أن يستمر النضال ، فيجب أن تدعم بؤر المقاومة وبالتالي نعيد القضية إلى مسارها الأساسي.
مصطفى خرمة: كونك كنت في إسرائيل وتعلم أن 95 بالمائة من الشعب الإسرائيلي ضد أي تنازل عن أي شبر من فلسطين ، وإذن كل القيادات الإسرائيلية لا تستطيع أن توافق على أي أمر لا المبادرة العربية ولا قرارات الأمم المتحدة بما أن الشعب الإسرائيلي بهذه الصلابة.. لكن ما الذي جعل الشعب الإسرائيلي بهذه الصلابة؟

السبب بسيط جداً لكل شخص ، فكل الحدود الإسرائيلية آمنة وبالقوات العربية ابتداءً من سوريا النضال ، وانتهاءً بمصر أم العروبة ، وانتهت الآن بحراسة القوات الدولية على الحدود اللبنانية ، ولذلك هذا الشعب الآمن بالإضافة إلى هذا التضييق على الفلسطينيين من تجويعهم وخنقهم وتمويتهم ومنع أي سلاح أن يدخل ليدافعوا عن أنفسهم ، وبالتالي الشعب الإسرائيلي أي حكومة ستتنازل سيتم قتلها كما قتل رابين إذن لا يستطيعون ، إذن قمنا نحن بإعطاء الشعب الإسرائيلي كل القوة حتى يدافع عن كل شبر في فلسطين ، ويمكن في المستقبل من ضمن مخططاتهم طرد كل الفلسطينيين وسنرى ماذا ستقوم به الأمة العربية حينها، "..الوحدة الوطنية مردها ليس فلسطينياً ، الوحدة الوطنية مردها عوامل خارجة عن الدولة الفلسطينية ، ففي أثناء الثورة الجزائرية فرضت حركة التحرير الجزائرية نفسها وكل من كان يخالف جبهة التحرير كان يتم تسليط المدفعية على القرية ويدك هذه القرية الجزائرية ، حتى انتصرت الثورة الجزائرية.

الثورة الفيتنامية ، هناك قضيتان.. القضية السياسية والقضية العسكرية لا يمكن لأي من الفصائل المشتركة في جبهة التحرير الفيتنامي التدخل فيها ، فهي من حقوق حزب العمل الفيتنامي..".

السيدة غيداء درويش: أشكرك على هذا التحليل ، فأنا معك ، فلو أشعلنا الشموع العشرة لإسرائيل فلن تقبل بأي سلام ، وكل من رفض أوسلو في البدايات كان يعي هذه النتيجة ، لكن مما زاد الطين بلة هذه الخلافات بين حماس وفتح ، بالفعل لقد أهدينا إسرائيل هدايا لم تكن تحلم بها ، وهي الآن في حالة نشوة ، وتقول في نفسها: لماذا ألطخ يدي بقتلهم ، فليس عليّ إلا أن أماطل تحت مسميات متعددة ، مبادرات سلام ، حق عودة ، قضية القدس ..الخ ، ما تريده اليوم إسرائيل هو الأمن وليس غيره.. سؤالي: رُب ضارة نافعة ، ما دامت كل الطرق مسدودة إلى الدولة ، ألا يعيد العرب حساباتهم برأيك ويدعمون المقاومة بكل أشكالها ، فلا سبيل إلا استعادة حركة التحرر ، لكن من يدعمهم ، شعوب خرساء أم أنظمة تابعة ، فمن أين يأتي الحل؟

وهدان: كنت أتمنى أن تعرف قليلاً عن موضوع استقالتك من الكنيسيت ، حيث في الآونة الأخيرة تابعنا خلطاً ولغطاً كثيراً ومنهم من يطالبك بالعودة وتسليم نفسك لإسرائيل ، فهناك خلاف ، فأقول لك ونيابة عن الكثيرين من المشغولين بالهم الوطني: لا تعد ، ولا تسلم نفسك لهذا العدو الغادر فنحن بحاجة إليك والمنابر هنا كثيرة ومتعددة وتستطيع أن تستمر في نضالك دون أن تسلم نفسك لهذا العدو ولا تصغ إلى هذه المزاودات.
د. أحمد نوفل: هناك فكرة عرضت من قبل ، فهل تؤيد إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين؟ وأيضاً هناك مؤتمر عقد في الفترة الأخيرة في بيروت لبعض الشخصيات الفلسطينية من أجل إعادة تنظيم منظمة التحرير الفلسطينية هل ترى أن هذا السلوك جيد وبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية؟

عبدالحفيظ علاوي: ما مدى صحة الفرضية التي تقول ان من يسعى للسلام عليه أن يستعد للحرب؟ وما مدى صحة الفرضية التي تقول ان السلام هي خيار الضعفاء؟ وهل هناك سابقة في التاريخ أن يعامل المحتل كطرف مقابل لمن احتلت أرضه؟ من باب الصراحة ، هل العرب وسطاء أم مع الطرف الآخر؟ أيضاً هل فعلاً الخلاف في غزة خلاف على السلطة أم خلاف بين منهجين ، وهل ترى أن ما يكتب عن هذا الأمر في الإعلام العربي صحيح ودقيق وتحليل لهذا الأمر؟ لماذا لا تفك الحكومات العربية الحصار عن الشعب الفلسطيني ، وإذا كانت الحكومات لا تستطيع لأنها تريد أمراً من رايس فلماذا مؤسساتنا الاقتصادية ونحن من أبناء القدس وأبناء العرب والأرض المحتلة ، فلماذا نحن نساهم في هذا الحصار حتى نحافظ على الملايين؟

هنائي الدجاني: أولاً: لماذا همشت العائلات العريقة في فلسطين؟ ثانياً: ستة ملايين أو أكثر من ستة ملايين فلسطيني موجودون في الخارج ، لماذا همشوا أيضاً؟

د. نبيل الشريف: هناك أيضاً عدة أسئلة مكتوبة ، تدور معظمها حول موضوع استقالة الدكتور عزمي من الكنيسيت وخروجه ، فهناك سؤال يقول: ألا ترى أن وجودك في فلسطين أهم للقضية الفلسطينية؟ سؤال آخر: تتهمك إسرائيل بتقديم معلومات لحزب الله أثناء حرب لبنان الأخيرة ، فهل تعتز بهذا حتى لو لم يكن صحيحاً؟

سؤال آخر: أرجو أن يتفضل المناضل الدكتور عزمي بشاره أن يحدثنا عن تجربته كعضو في الكنيسيت ، بعض الصحف تناولت إعطاءك جنسية عربية هنا أو هناك ، فما رأيك في ذلك؟ هل تود العودة لفلسطين لمواجهة ما قيل عنك من قبل الحكومة الإسرائيلية؟ وهناك أيضاً اسئلة أخرى لا تتعلق بموضوع الكنيسيت منها: لماذا نتحدث فقط حول حركة التحرر الوطني ونحملها المسؤولية ، ألا ترى أن هناك بالتوازي مع ذلك سيناريو آخر واضحا لتصفية القضية الفلسطينية والدليل على ذلك ، حسب ما يقول السائل ، أنه ما إن توقف القتال في غزة حتى اندلعت معركة نهر البارد ، هل سوف يصمد اتفاق مكة في ظل تكرار خرق هذا الاتفاق؟

د. عزمي بشاره: من الصعب الإجابة على كل الأسئلة ، وأشكركم على النقاشات ، والفرصة أتيحت لتوضيح بعض الأمور ما دام هناك أسئلة حول موضوع الملاحقة الجارية في إسرائيل لموقفي الذي أمثله.. لم أكن أحب أن أقضي الكثير من الوقت على هذا الموضوع ، رغم أن هناك أناسا يعتقدون أنه سياسياً مهم ، بغض النظر عن الأمر الشخصي ، فمن الواضح أن القضية الشخصية هي الأقل أهمية لأن هناك من يعانون أكثر مني بكثير ، إن كان بالمنفى أو بالسجن ، لكن لان هناك أناسا في غزة معرضين للاغتيال ، اجتمعوا وقرروا التضامن معي ، وهم بحاجة لمن يتضامن معهم ، فهذا يؤكد أن هناك من يرى أهمية سياسية للموضوع وليس لأني الأكثر معاناة في هذا الظرف ، فهناك قضايا لها أهمية سياسية تفرض ذاتها أحياناً وأنا أعتقد أن البعد الذي تمثله القضية الأخيرة هو البعد الذي إلى حد بعيد كان مفقوداً ، ليس فقط قضية وجود عرب الداخل ، وهي ليست قضية بقاء فردي بل بقاء جماعي ، وإنما أيضاً أضيف الصراع مع الصهيونية التي بمكان ما بالطريق وقعت وسقطت مع إسقاط قرار الأمم المتحدة بأن الصهيونية عنصرية ، نحن كنا تجسيدا لكون الصهيونية عنصرية وتابعنا موضوع الصراع مع الصهيونية في الوقت الذي أصبح فيه الصراع مع الصهيونية صراع تسوية أو رفض تسوية ، ولكن يهودية الدولة لم تطرح للنقاش ، أي مع من هذه التسوية تجري ، فأعتقد أن هذه الشعلة نحن من رفعها في العشر سنوات الأخيرة وهي عدم نسيان الطابع الكولونيالي الاستعماري لإسرائيل والطابع الاستيطاني لإسرائيل ورفض مقولة أن هذه الدولة هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ، وعقد النقص التي نشرت أمامها ، تقريباً في عام 1967 وبشكل خاص في العقدين الأخيرين ، لدرجة أن مثقفين عربا كانوا يقولون لي: ستشتاق لكونك في إسرائيل.. أي أنهم معولون على حرية الكلام ، لكن هذا الجيل مهزوم تماماً فأنا لست مشتاقاً لإسرائيل ، ولا كنت أحب الجلوس في الكنيسيت ، فقد كنت أعتقد أن الجلوس في الكنيسيت هو تضحية وهو حلول وسط ومجموعة من التسويات الهائلة التي صنعتها مع نفسي.كان مهماً لمناقشة هذا الموضوع مسألة طرح كولونيالية إسرائيل وأنها ليست الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ، وأنها ليست ديمقراطية ليبرالية بل هي ديمقراطية كولونيالية وديمقراطية استيطانية مثل البيض في جنوب إفريقيا نظموا شؤونهم كبيض بشكل ديمقراطي ، فليس أكثر من ذلك إطلاقاً ، مع الفرق أن الفلسطينيين أقلية والسود أغلبية وهذا ناتج عن عملية تشريد ، بمعنى ان المستوطنين عموماً ينظمون حياتهم السياسية بشكل ديمقراطي ، عندما يكون السكان الأصليون أقلية ممكن أن يشاركوا في هذه العملية الديمقراطية وتمنيهم باستمرار بهذا ، أما أن نصل إلى أن يحسدنا مثقفون عرب على هذه الديمقراطية فهذا يوصلنا إلى الهزيمة الذاتية إلى حد بعيد ، أنهم أخذوا البلد كله وأعطونا حق الكلام، أي أن هذه صفقة ممتازة ،
ويجب أن أفرح لها وأشيد بالديمقراطية الإسرائيلية حتى أرضي بعض النيوليبراليين العرب.. فمرة في الكنيسيت ، وهي من الأمور التي يسجلها علي الإسرائيليين كأسباب للحقد الشامل علي من اليسار واليمين والذي يشارك به بعض النيوليبراليين العرب بأنه كيف أقوم بإغضاب إسرائيل وأتحدث عنها كثيراً ، فيريدون مني أن أشيد بإسرائيل وبالمحاكم الإسرائيلية ، وصار يجب أن أثبت براءتي أمام محكمة إسرائيلية حتى يرضى بعض العرب ، فهذا أمر غريب... على كل حال ، ما يراد أن يقال هنا قيل في الكنيسيت في جملة واحدة ، تعاد وتكرر من يوم أن بدأت قضيتي. ففي أحد الأيام ، ومن ضمن الهستيريا لديهم ، قالوا لي: هل تستطيع أن تتحدث هكذا في الأردن أو في سوريا أو لبنان أو في مصر؟ لكنك هنا في إسرائيل فقط تستطيع التحدث بهذا الكلام لأنها الديمقراطية الوحيدة، فقلت لهم: أرجعوا لنا فلسطين وخذوا ديمقراطيتكم.. فهذه الجملة مسجلة لديهم وما زالوا يعيدونها ، فعندما قلت هذه الجملة كنت جاداً وأشعر بذلك ، وهم يعلمون بأنني أشعر بذلك ، وأن لدي كبرياء السكان الأصليين واحتقار للمستوطنين ، فلا أسمح لنفسي أن أعجب بثقافة المستوطنين ، فأنا مستعد للإعجاب بإنجلترا أو بهولندا ، لكن إذا أردت أن أعجب بديمقراطية فأفتش عن ديمقراطية غير الإسرائيلية لأعجب بها. فلكي يمارسوا هذه الديمقراطية هناك ثلاثة أنواع للإقصاء يمارسونها ، فهذه الديمقراطية على جثتنا.

بالنسبة للقضية ، فأنا من عام 2000 وأنا أُحاكم ، فهذه ثالث قضية ، ووقفت أمام المحاكم لكن ولا مرة تراجعت مثلما تراجع غيري في المحاكم وقام بعمل صفقات ، في المحاكم أقول: نعم ، أنا قلت حق الشعوب في مقاومة الاحتلال ، نعم أقول ان إسرائيل لا يجب أن تكون دولة يهودية بل يجب أن تكون دولة لجميع المواطنين إذا أرادت أن تكون ديمقراطية.. فهذا ما أقوله ، وأنا حوكمت على هذه المواقف لسنوات ، ونزعت حصانتي ، وتم تهديدي بالقتل ولم أخرج.. فلو أنني لست نائباً في الكنيسيت لكان قد تم القبض علي لمواصلة التحقيق ، لكن الصدفة أنني نائب ، والنائب أدرك حيث تغيرت قواعد اللعبة وخرج من البلاد لأنه يعرف أن هناك محكمة.

نريد الآن التحدث من ناحية نفسية لكي تفهموا الحالة المعنوية قبل أن أشرح البعد السياسي. هناك قيادات فلسطينية نحب أن تبقى على الأرض ، فكنا نقول يموت القيادي أفضل من أن يتم إمساكه وإلقاء القبض عليه. لكنهم لا يريدون أن يحاكمونا محاكمة سياسية بأنني قلت كذا وكذا ويقرروا مثلما حصل في المحاكمات السابقة التي كنت أنتصر فيها بتضامن دولي هائل ، لكن لا ، فهنا سيسألون مثلاً من هو فلان الذي تحدثت معه عبر الهاتف، أي يقومون بتصغيرنا ، فالمحكمة الأمنية لها قواعدها التي لا يمكن أن تنتصر بها ، فلم يحدث أن إسرائيل خسرت قضية أمنية ، فمثلاً عندما يقولون ان مصادرنا الأمنية تقول انني اجتمعت في بيروت مع فلان وفلان ، فهذه بالنسبة للمحكمة بينة ، لكن في قضية جنائية هذه ليست بينة وفي القضية المدنية ليست بينة ، ولكن في القضية الأمنية تقرير المخابرات هو البينة ، فالمحكمة الأمنية الإسرائيلية تعتمد في بيناتها على المخابرات.
عندما قلت "تغيرت قواعد اللعبة" كنت أعرف ما أقول ، أنهم لاحقوني عشر سنوات ونحن صامدون ، فالحزب موجود ، الحزب ليس عزمي بشاره ، فهناك حزب اسمه التجمع الوطني الديمقراطي وهو تيار صامد ، ولكن عندما يغيرون قواعد اللعبة فنحن نغير حينها قواعد اللعبة.. مقاييس حركات التحرر والمناضلين الذين أعرفهم في حركات التحرر وفي اليسار والذي أرضى بهذه القيم أنه إرباك للخصم ولا يجب تسليم نفسك ، وأعتقد بأنني أربكتهم جداً ، وإذا تم الإمساك بك فلا يجب الاعتراف.. كانوا يتوقعون على الأقل عندما يبدأ الكنيسيت تبدأ مناقشة حصانة النائب عزمي بشاره بأنه هارب في الخارج ، فذهبت واستقلت بالسفارة الإسرائيلية في مصر ، فالإخوة الوطنيون المصريون قالوا ان السفارة الإسرائيلية في مصر يكون لها استخدام إيجابي.. فوضعت الاستقالة في السفارة الإسرائيلية في مصر وبدلاً من أن يناقشوا حصانة عزمي بشارة ويقوموا بعمل المهرجان الكرنفالي العادي الحقير اضطروا لأن يسمعوا دخول نائب ثالث للتجمع مكان عزمي بشاره ، لكني لو أنا مكانهم فسأجن ، فالقضية ليست شخصا ، فهناك حزب ومؤسسات ، فهناك حالات من عرب الداخل خرجوا من البلد بقرار منهم ، فمحاولة التفلت من قبضتهم أكدت نضالي ضمن المعركة معهم ، فمع الخصم لا يجب أن تسلم نفسك ، فأنا لم أستسلم ، لكن الناس تطالبني بأن أستسلم عندما يطلبون مني العودة إلى إسرائيل ، فهذه معركة وأتصور بأنهم سيجنون من هذا الأمر.. أنا متفاجئ من حجم الاحتضان الموجود ومن التفاعل الذي تم وفهم الصورة بأن هذه معركة مفتوحة ، ولذلك لم أختر المنفى ، فهناك قرار بالتصفية ، القرار على أعلى المستويات وأولمرت خصص نصف خطابه له ، فهناك قرار بالتصفية ، وهذا القرار تم الصرف عليه ، من أجهزة تحقق لمدة عامين لتخرج بملف ، فهناك قرار بالتصفية ، حيث يأتي رئيس الشاباك ويقول: أخذنا قرارا بإنهاء الظاهرة التي اسمها فلان.. فهذه معركة يجب أن تفتحها وتخوضها ، لكننا لسنا قادرين عليها ، ولكن سنقاوم قدر استطاعتنا ، فالحزب في الداخل يقاوم وأنا أقاوم بطريقتي.
الاستقالة من الكنيسيت يجب أن تفصل عن هذا الأمر ، فأنا منذ عامين أقول بأنني سأستقيل من الكنيسيت ، فليس لها علاقة.. حتى لو أننا حزب انتخابي ، ونحن لسنا حزبا انتخابيا ، وحتى لو أننا حزب برلماني ونحن لسنا مجرد حزب برلماني ، فنحن تيار قومي دخل مضطراً لأسباب ناتجة عن أوسلو ، وانتشار الانتهازية على الساحة العربية في الداخل التي بينت بالتصويت لرابين ، ولم يكن ممكنا للتيار القومي أن يبقى عازلاً نفسه ، وواقعية وبرامجاتيكية نزلنا حيث كانت غالبيتنا تقاطع الانتخابات ، فنزلنا وفرضنا خطابا سياسيا ومزاودة وتنافسا سياسيا آخر على الساحة العربية ، لكن اسم عزمي بشاره ارتبط بالكنيسيت ، فحتى في الفضائيات لم أعد أحب أن أقدم كنائب عربي ، بل العضو العربي في الكنيسيت الإسرائيلي، ومشت هذه الموضة ، هناك مرحلة تصل فيها أنك لا تريد هذا اللقب وبأنك تعبت وحتى لو كنت في عز نشاطك وتريد هذا اللقب فالأحزاب يجب أن تغير ويجب أن يدخل أحد آخر مكانك ، فأفضل شيء حصل للتجمع أنني خرجت وظهرت وجوه أخرى للتجمع ، فلا يوجد علاقة بين الاستقالة وبين القرار بالخروج ، فقرار الخروج هو قرار نضالي له علاقة بكيفية إدارة المعركة ، والقرار بالاستقالة هو قرار قديم ولكن تزامن مع هذا الأمر وهم بطبيعة الحال كانوا سينزعون الحصانة ، وأعتقد أنني سبقتهم بخطوتين عندما استقلت.
بالنسبة للموضوعات الأخرى ، أولاً لدي تعاطف كبير من الإخوان الذين يحبون أن يرفعوا المسؤولية عن الحركة الوطنية الفلسطينية وعن الشعب الفلسطيني ، فلدي تعاطف كبير معهم.
أولاً أحسب نفسي مع الشعب الفلسطيني ومع حركته التحررية وأن الوضع العربي كذا وكذا ، فهذا صحيح عن الوضع العربي والتوازن الدولي وانهيار الاتحاد السوفيتي فكله صحيح ، لكنه ليس جميعه مسؤولية الفلسطينيين ، وتعقيدات المسألة اليهودية أن من كل تعقيدات الدنيا وقعت علينا تعقيدات المسألة اليهودية ، فلا يوجد شعب في العالم الثالث وقعت عليه تعقيدات مسألة من هذا النوع أن كل العالم متورط معه ، ولكن هناك مرحلة يتوقف هذا الحساب ، ولا يبقى الحساب هكذا ، وهي المرحلة أن القيادة تختار من الخيارات الكثيرة ليس مصلحة الشعب الفلسطيني ، الاستراتيجية على المدى البعيد ، وإنما تعتبر إنقاذ نفسها كقيادة للشعب الفلسطيني بعد مراحل تاريخية صعبة ليست هي المذنبة فيها تعتبره الأساس ، مثلما حصل أيام أوسلو ، فأعتقد هنا انه حصل خيار تاريخي حقيقي الذي حصل فيه خطؤه ، فمثلاً تفضيل أن يصير صفقة شاملة مع قيادة الشعب الفلسطيني في أوسلو ، بدلاً من تسوية جزئية مع قيادة الضفة الغربية وقطاع غزة لا يتحمل عبئها كل الشعب الفلسطيني وعرقلة هذه من أجل تلك أعتقد أنه خيار تاريخي ، فقد عمل بقرار والذين قاموا بعمله يريدون أن يروا إلى أين وصل.

أيضاً أنا لا أعتبر ، مع تعاطفي الشديد جداً جداً مع حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي أعتبر نفسي ابناً لها ، لا أعتبر أنه كان هناك فرص كبرى أيام رابين ، فلا أرى ذلك ، فأعتقد أن رابين بالمجمل ما كان يستعد أن يطرحه هو بالضبط ما أتى باراك وطرحه برزمة كاملة في كامب ديفيد ولم يستطع ياسر أن يقبله ، فما كان في بال رابين في أوسلو ، كقبوله لأوسلو ، فيما عدا قضية الانتفاضة الأولى وخوفه من نتائجها وتبعاتها وأن اللحظة التاريخية مواتية لعمل صفقة بالشروط الإسرائيلية بعد بيروت وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبعد حرب الكويت ...الخ ، أن الفرصة الآن مواتية واختلف مع كسينجر عليها ، لماذا ترمي لهم عجل النجاة ، فهذه القيادة آفلة لماذا تنقذهم ، فقال: أنقذهم لأنهم الوحيدون القادرون على التوقيع على ما أريد تاريخياً.. وتم تغيير الميثاق وحصلت أمور هامة ، ولكن بالمجمل وبتصوره لحل دائم ، وأعتقد ان باراك صادق في ذلك ، فأنتم تعلمون موقفي كم هو حاد من باراك ، فكنت ضد أن يصوت له العرب حتى لو أن البديل نتنياهو.. باراك قال عملياً الإجماع الإسرائيلي لا يأتي بأكثر من ذلك ، بمعنى لا للعودة لحدود الـ 67 ولا لحق العودة والقدس الموحدة تبقى والكتل الاستيطانية الأساسية تبقى ، هذا ليس كمرحلة انتقالية بل كرزمة شاملة ، أي تقام دولة فلسطينية وتزال منها المستوطنات التي في العمق ، ولكن الكتل الاستيطانية الأساسية تبقى والقدس تبقى مع إسرائيل ولا يوجد حق عودة ، فهذه هي الصفقة الشاملة التي تطرحها ليفني ويطرحها باراك والتي نعود لها كل مرة ، هذا هو الإجماع القومي الإسرائيلي الذي أوصله له رابين والذي اعتبر إنجازاً كبيراً أن رابين أوصله واعتقد رابين أنه لا يوجد طرف فلسطيني ممكن أن يمضي له عليه غير الطرف الذي لديه شرعية تاريخية وهو منظمة التحرير وهذا سبب اعترافه بها ، فهي القادرة على القيام بهكذا صفقة. الغالبية الاسرائيلية مع الحرب على العراق.. وايران.

ثبت في كامب ديفيد ليس أنها غير قادرة ، الآن هناك فلسطينيون معنيون لأن يثبتوا ... ، برأيي أنهم يخطئون في حسابات كبيرة جداً ويضحون بوحدة الشعب الفلسطيني من أجل أمور غير واضحة.. بالنسبة للإجماع الإسرائيلي ومسألة السلام التي طرحت من عدة زملاء ، آخر استطلاع مهم كثيراً لإسرائيل ، غالبية إسرائيل ترى أن حرب أميركا على العراق كانت صحيحة ، وغالبية إسرائيل مع الحرب الآن على إيران ، لا يوجد اي رأي عام في العالم لديه هاتان الغالبيتان ، ولا الأميركي ولا الإنجليزي ولا الفرنسي ، لا توجد دولة في العالم فيها أغلبية تقول ان حرب أميركا على العراق كانت صحيحة وان الغالبية الآن مع توجيه ضربة عسكرية لإيران ، فهذه تحتاج إلى وقفة ، لا نريد التحدث عن التسوية وضد التسوية ولومهم إسرائيل حول الفشل في لبنان والتسوية في الضفة الغربية وقطاع غزة التي فشلت ومن المسؤول ، فهذه تتغير فيها الأكثريات ، مع التفاوض مع منظمة التحرير أغلبية وأغلبية مع التراجع عن غالبية الأراضي المحتلة عام 67 فهذا كله نجده ، أما هاتان الأغلبيتان اللتان تحدثت عنهما فهذا مؤشر أساسي ، أن كل الأغلبيات التي نتحدث عنها سابقاً ليست قائمة على رغبة إسرائيلية بالسلام والاندماج في المنطقة ، بل نتيجة لتغير موازين القوى من حين لآخر يتعدل الرأي العام الإسرائيلي لأنه غاضب على قيادته بأنها لا تستطيع جلب انتصار له ، فالغضب الآن على القيادة الإسرائيلية في لبنان ليس لأنها قامت بحرب ضد لبنان ، فنحن نخطئ عندما نعتقد أنه صار هناك رأي عام ديمقراطي وأن غالبية الإسرائيليين غاضبون على قيادتهم لأنها قامت بالحرب على لبنان ، لا ، فالغالبية الإسرائيلية غاضبة على قيادتها لأن القيادة وعدتها بالنصر ولم تأت به ، فهذا هو الصحيح ، وهذا أساسي.. لكن رجال دولة ، وقد رأيت قسما منهم ، وبغض النظر عن موقفهم ، يسألون: هل الرغبة الإسرائيلية في السلام أكيدة ويريدون تحليلا.. فهذا ما يقصدونه ، أن المجتمع الإسرائيلي يريد أن يعيش في المنطقة بسلام مع العرب؟ بالطبع لا ، فهاتان الأغلبيتان اللتان تحدثت عنهما مهمتان كثيراً ، بأنه مضطر في لبنان لأن يلوم قيادته بسبب عدم جلب انتصار ، وفشل فك الارتباط وهو غاضب على فك الارتباط وغاضب على كل ما يمثله أولمرت.

بالنسبة للسؤال المتعلق بما هو الحل وما هي التغييرات البنيوية وماذا أقترح ، وأيضاً ملاحظة الأستاذ كامل الشريف ، فبالمجمل إذا حسمنا مسألة أن القضية عربية ، فأنا حسمت بأن القضية عربية ، ولكن ما أقوله أنه ليست القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع العربي الإسرائيلي ، الصراع العربي الإسرائيلي هو جوهر القضية الفلسطينية ، ولدي قناعة عميقة بذلك وأستطيع التحدث عن هذا الامر لساعات ، وأن إسرائيل تستطيع التعايش مع كل شيء إلا مفهوم أمة عربية فلا تستطيع إسرائيل التعايش معه ، فأكثر شيء تستطيع أن تتعايش مع طوائف ، فإذا جئناها طوائف فتصبح هي أكبر طائفة ، وتصبح أكثر طائفة منظمة في المنطقة ، إذا جئناها كشيعة وسنة ومسيحيين فتتحول هي إلى أكبر طائفة في المنطقة ، لكن مفهوم الأمة العربية لا تستطيع أن تفهمه ولا تستطيع أن تتعامل معه ، لذلك نحن متفقون على ذلك.. السؤال التالي ، لا أقصد بأن هناك تحريرا غداً ، وأنني عندما أقول رفض مبادرة ، بل عدم التقدم بمبادرات أكثر وعدم التوجه أكثر لتسويات تؤدي إلى صراعات ، فلا أقصد هذا معناه لأن برأيي التحرير غداً ممكن ، فأنا لست ساذجاً ، ولكن لأني أعتقد أن هذه الاستراتيجية تؤدي إلى دمار فلسطيني وعربي ولا تؤدي في النهاية إلى السلام مثلما حصل فينا أننا فقدنا مواقع حركة التحرر الوطني ، ولم نصبح دولة ، أيضاً في هذه الحالة ، حالة الاستمرار في هذا النهج ، تفسخ فلسطيني وعربي دون التوصل إلى تسوية ، فلا يوجد تسوية واقعية قريبة لا تترتب عليها حروب أهلية عنيفة ، وفي النهاية ما سيفرض لن يكون له شرعية فلسطينية ولا عربية ، لكن فقط يعمق الجرح والنقمة والإحباط العربي الموجود من الحالة الفلسطينية.
أقترح شيئا بسيطا جداً ولكن يحتاج إلى مسؤولية ، لدينا حكومة وحدة وطنية فلسطينية فأنا مع تقويتها ولكن أن تدرك ما هي مهمتها ، فمهمتها هي أن تدير شؤون الشعب الفلسطيني ، أما ليس من المعقول أن يحصل للشعب الفلسطيني ما يحصل في غزة ، بإمكانياتنا الحالية على المدى البعيد أن نبني شيئا شبيها بالاقتصاد وشيئا شبيها بالتعليم وشبيها بالصحة فهذه هي مهمتهم وترك المهام الكبرى المتعلقة بالسياسة إعادة بناء إطار منظمة التحرير بحيث تتبع استراتيجية طويلة المدى تجمع بين المقاومة والسياسة دون تسويات قريبة ودون تحرير قريب ، فما أقوله لماذا لا ننتصر بشكل منظم بأن يكون هناك صحة وتعليم واقتصاد ومقاومة ونهج سياسي لا نتنازل عنه ولا نقبل بالتسويات القائمة.. استراتيجية الصمود كانت تعني بأن نصمد ونرتب أمورنا وإذا دخلنا في تسويات ندخل في تسويات جزئية لا تلزم الشعب الفلسطيني وإنما لتعزيز الصمود في الداخل ، مثلاً لماذا كان حيدر عبدالشافي ، وأنا معه ، يتحدث عن وقف الاستيطان ، فأنا مستعد لأجل هذا الأمر أن أعمل الكثير من الأمور ، لكن لا تدخلونا في أمور كبيرة تلزم كل الشعب الفلسطيني بالتنازل عن الميثاق والتنازل عن حق العودة وغيرها ، فعندما يقول البعض بأن الوقت ليس في صالحنا فإسرائيل تبني مستوطنات ، فلماذا لا نركز على الاستيطان ونترك كل القضايا الثانية ، والجدار أيضاً ، فهذه معارك نربحها ولسنا بحاجة لتقديم كل الثوابت الوطنية من أجلها ، نستطيع أن نربح معركة الجدار ، لكن كيف سنربح معركة الجدار إذا لم نستطع التنسيق بين أساليب المقاومة والمطلب السياسي، فيجب التنسيق ، ويجب الفرض على حماس وفتح أن ينسقوا بين النضال السياسي وبين أساليب المقاومة فبدون ذلك لن نربح قضية الجدار ، فهناك معارك جزئية لم نخضها أصلاً لكي نربحها وبالإمكان ربحها. ما أقوله بأن هذه الطريق تؤدي إلى التهلكة واتباع استراتيجية مقاومة طويلة المدى تخلط بنسب مختلفة بين أساليب هذه المقاومة وأساليب المقاومة تلك ، ولكن يكون لديك معيار والمعيار هو الذي يستطيع أن يحمله الشعب الفلسطيني ويصمد على المدى البعيد ، فهذا يتطلب شيئا أخيرا ، عندما تكون لدي هذه الملاحظة وهذه الاستراتيجية فلن نصل إلى وضع بأن لا أدافع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين مدنياً حتى يصمدوا ولا يتنازلوا عن حق العودة ، أصل إلى نتيجة مفادها أنه عدم وجود حقوق مدنية للاجئين الفلسطينيين ليعيشوا لكي يستطيعوا الصمود والتمسك بحق العودة يؤدي في النهاية لتوطين لكن باسكندنافيا ، هذا التوطين لا أحد يتحدث عنه ، بأن تأخذ جوازا دنماركيا فهذا ليس عيباً ، أو نرويجيا ، فهذه لا أحد يتحدث عنها ، فلا يكون هذا توطينا ، التوطين فقط عند العرب ، لكن في أوروبا فليس هناك توطين..
لو ندافع عن الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين حتى يصمدوا ، دون أن يأخذوا مواطنة في الدول العربية التي نتحدث عنها ، فنحافظ على حق العودة فهذا هو نوع الاستراتيجية التي أتحدث عنها ، أنك تحتاج إلى خطة استراتيجية تضعها حركات التحرر بحيث تكون موحدة ، فأنا لدي فرصة تاريخية اسمها حكومة وحدة وطنية ، عندما تدرك حكومة الوحدة الوطنية أن وظيفتها ليست صناعة تسوية مع إسرائيل أو تفشل تسوية مع إسرائيل ، بل وظيفتها أن تفكر في هذه الأمور لأنه لا توجد تسوية ، فنتحدث عن مهام ليست كبيرة.. وأشكركم على حسن استماعكم.
وكان د. نبيل الشريف رئيس التحرير المسؤول قد القى كلمة رحب فيها بالدكتور بشارة قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم ، أسعد الله مساءكم جميعاً بكل الخير ، وأهلاً وسهلاً بكم في دار الدستور ، وفي منتداها الثقافي. ويطيب لي أن أرحب باسمكم بالمناضل العربي الفلسطيني الدكتور عزمي بشاره ، ضيف منتدى الدستور لهذا المساء.

وقد عرفنا جميعاً الدكتور بشاره منذ سنوات ، وأكبرنا فيه تلك الروح المعرفية المثابرة ، فقد تجاوز الصعاب وشق طريقه بنجاح باهر ، وأخذ موقعه اللائق به على الساحة العربية كمفكر عربي تنويري ذي رؤية ثاقبة ونظرة تحليلية عميقة لشؤون العرب وأحوال العالم. كما عرفنا الدكتور عزمي بشاره مناضلاً فلسطينياً أصيلاً لا تأخذه في الحق لومة لائم ، ولا يثنيه شيء عن تقديم الغالي والرخيص خدمة لقضية شعبه الفلسطيني ، خصوصاً تلك الفئة التي اختارت الصمود على أرضها في فلسطين المحتلة منذ عام 1948.

ورغم إغراء الحديث في مناقب هذا المناضل المفكر الأصيل ، إلا أنني سأفسح له المجال كي يحدثكم عن تجربته ، وخصوصاً ظروف ملاحقته في إسرائيل واستقالته من الكنيسيت مؤخراً.. وأود أن أشير إلى أن لقاءنا اليوم سيأخذ منحى مختلفاً بعض الشيء عما ألفناه في اللقاءات السابقة ، إذ لن يقدم الضيف العزيز محاضرة بالمعنى الأكاديمي للكلمة ، بل سيبدأ بمقدمة عامة ، ثم سيفتح باب النقاش لأسئلتكم ومداخلاتكم.

وكان بشارة قد أعرب عن شكره للدكتور نبيل الشريف ، وجريدة الدستور على "الجهد الذي بذل ، وعموماً على الاحتضان الذي كان طيلة الأشهر ، خصوصاً خلال الأشهر السابقة وأيضاً السنوات السابقة ، فلم تتصرف فقط كصحيفة إعلام مستشرقة أو غربية ، بل تعاملت مع الموضوع من منطلق وطني ، وبهذه المناسبة أوجه للدستور الشكر على هذا الاحتضان الذي كان وما زال مستمراً إلى اليوم".

..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018