يجري في إسرائيل الآن..

يجري في إسرائيل الآن..

لم يستقل رئيس الأركان الإسرائيلي دان حلوتس بسبب مقولاته العنصرية والفاشية حول شعور الطيار الإسرائيلي عند إلقاء قنبلة بوزن طن على بناية سكنية تسببت بمذبحة في غزة، تموز 2002. في حينه أجاب رئيس الأركان، قائد سلاح الطيران في ذلك الوقت على سؤال عن شعور الطيار الذي يتسبب بمذبحة كهذه: "يشعر الطيار في هذه الحالة برعشة في طرف جناح الطائرة الخلفي". هذا كل شيء. لم يستقل حلوتس، ولم يحاكم على تلك الجريمة ولا على غيرها، بل لم تمنع تفوهاته هذه ترقيته إلى منصب رئيس الأركان.

وقد استقال حالياً ليس لأنه قتل أو حارب، أو دفع إلى الحرب، بل بمعنى ما لأنه لم يقتل أو يقاتل كفاية، أي لأنه عرَّض جنوده للقتل في الحرب. وكان يفترض بموجب العقلية السائدة منذ حرب 67 أن يحارب دون أن يفقد جنوداً. لم تؤد المذابح من الدوير وحتى قانا وغيرها من الضيع والبلدات اللبنانية إلى استقالته، بل كون هذه المذابح لم تكف لتقويض دفاعات المقاومة التي فاجأتهم بعدها بأدائها القتالي الباسل.

لم يكن لدي أدنى شك أنه سوف تتم التضحية بحلوتس. وقد كتبت ذلك عندما ثارت ضجة حول لجان التحقيق هنا. وكما في الماضي سهلت التضحية بالمستوى العسكري الذي يجب أن يجلب النصر. ولم يكن النقد الذي انطلق على عدوان تموز على لبنان مباشرة بعد أن هدأت هستيريا قرع طبول الحرب نقداً سياسياً حول عملية صنع القرار بالخروج إلى الحرب بهذه السهولة بسبب حادثة حدودية، ولا على العقلية العنصرية التي افترضت سهولة الانتصار على حزب الله، ولا على سهولة الانجرار لرغبات أميركية متعلقة بتصفية المقاومة كقوة سياسية داخلية في لبنان.

لقد استقال حلوتس لأن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ما زالت تؤمن بقوة الردع وضرورة صيانتها، بما في ذلك محاسبة الضباط الذين لم يتقنوا الردع. ولا تشكل استقالته تغييرا، بل إصرارا على نفس النهج، فالاستقالة عبارة عن اعتراف ضمني بمسؤولية عسكرية عن فشل إدارة الردع وليس فشل نظرية الردع. ولكن الأهم من ذلك هو عدم محاسبة صناع القرار وعملية صنع القرار بشأن شن الحرب دون "سبب كاف" للحرب، ولا حتى بخصوص سياسات غير متعلقة بالأخلاقيات والجرائم، مثل التدخل في الشأن اللبناني الداخلي للقضاء على المقاومة كطرف سياسي داخل لبنان، ولا بخصوص المسؤولية عن فشل المفاوضات مع سوريا، ولا حتى بشأن إساءة تقدير قوة المقاومة.

لقد التقى اليسار واليمين في حملة التحريض لشن الحرب على لبنان، كما التقيا في تفاؤلهما بخصوص النتائج، ثم عادا والتقيا فور الفشل في تركيز الجهود على مطلب لجنة تحقيق في الفشل العسكري، لأن اليسار واليمين يجتمعان على ترسيخ إمكانية وفكرة، بل عقيدة، الانتصار. استقال دان حلوتس، أو "استقيل"، بسبب عدم قدرته على تحقيق الانتصار الذي جهزوا جمهورهما له، وقد اتهم حلوتس إما بالاستخفاف بالقوات البرية ودورها أو بعدم زجها في المعركة أو دفعها إلى الميدان في الوقت المناسب، وباختصار بأنه "دخل الحرب من غير عدة".

***
في نفس أسبوع استقالة حلوتس وفي محكمة عسكرية منسية اتخذ قرار آخر أكثر تعبيرا عن العقلية السائدة في المؤسسة العسكرية وعن سعي مثابر في المؤسسة الإسرائيلية برمتها للحفاظ على هذه العقلية. وأقصد عدم المس بقوة الردع وذلك بواسطة الامتناع عن معاقبة جنود (وفي حالات عديدة مكافأتهم) على قتل العرب. يوم 15 كانون الثاني الجاري أعلن أن الادعاء العام قد عقد صفقة مع جنود الاحتلال الذين قتلوا أربعة صبية وتسببوا بعاهة دائمة لخمسة في جنين وخرجوا دون عقوبة بل بأحكام مع وقف التنفيذ. ونشرت الصحف تصريحا لضابط يؤكد أن مجرد عقد المحكمة شكل شهادة شرف لإسرائيل. بتاريخ 21.06.2002، حوالي الساعة 11:30 صباحاً، في أوج حملة "السور الواقي" أعلن الجيش لسكان جنين أن بإمكانهم الخروج من منازلهم للتزوّد بحاجاتهم البيتية لبضع ساعات.

وقد سمح يوسف أبو عزيز... لأولاده الثلاثة؛ التوأم جميل وأحمد (13 عام) وأخيهم طارق للخروج إلى الدكان القريب لشراء بعض الحلوى....
عند عودتهم... قام مصوّر هاوٍ بتصوير مسرح الجريمة من سطح البيوت بكاميرا فيديو.. حيث يظهر الأولاد الثلاثة وهم على دّراجاتهم ...
امرأة تصرخ بكلمات غير واضحة... تحذرهم من دبابة كانت خلفهم، تظهر الدبابة من طرف الشارع... يسرع الأولاد هاربين، وفجأة يسمع صوت انفجار كبير...وبعده يظهر مشهد الأشلاء المتناثرة لأطفال ودراجات هوائيه مكسرة... وشوكولا ومخلفات البوظه."
ً وقد قامت الـ BBC لاحقا بعرض الشريط عبر شاشاتها، وتقدمت العائلة بشكوى قضائيه مطالبة بفتح ملف تحقيق في حيثيات الحادث.

ويوم 10.08.03 قدمت لائحة اتهام ضد قائد كتيبة الدبابات التي تسببت بالحادث، الملازم "ل"... ولاحقاً لذلك في 18.03.04 تم تقديم لائحة اتهام أخرى ضد قائد الكتيبة العسكرية الذي أعطى الأمر بإطلاق النار ..."ش"...أما قائد اللواء موشيه تمير فقد اكتفت السلطات بتقديمه لمحكمة تأديبية، وأفادت صحيفة هآرتس لاحقاً أن قائد سلاح البحرية المتقاعد العميد يديديا ياعاري قد برّأه من التهم المنسوبة إليه.

أعلمت النيابة العسكرية يوم 07.01.07 وكيل العائلة أنها، ونظراً للصعوبات في إثبات مسؤولية المتهمين عن مقتل الشهداء وجرح المصابين، أنها توصلت إلى صفقة مع المتهمين وان المحكمة العسكرية الخاصة قد صادقت على هذه الصفقة. وذلك بعد إجراءات توفيقية قام بها رئيس المحكمة العسكرية. وبناءً على هذه الصفقة فقد تم تغيير التهم المنسوبة للمتهمين، وتم فرض عقوبة تأديبيّة وسجن مع وقف التنفيذ على المقدم "ش"، قائد كتيبة الدبابات. أما الملازم "ل" فقد تم تخفيض رتبته العسكرية وفرض عليه سجن مع وقف التنفيذ. وحظرت المحكمة نشر أية معلومة عن هوية المتهمين" (انظر مقال محامي العائلة الغاضب حسين أبو حسين في موقع عرب 48)..

ولكن كما في بقية القضايا ثبت أن احتجاج اليسار ضد هذه الجريمة وانجرار الإعلام خاصة إزاء توفر الصور عن الجريمة وارتباك اليمين، ثم التحقيق والمحاكمة ثم الزمن والزمن والزمن... كلها تتحول إلى وسائل لامتصاص عنصر الإثارة ومعه أي احتجاج غير أخلاقي على جريمة وتنقل أية فضيحة من صفحات الصحف الأولى وبرامج الأخبار ومجلاتها التلفزيونية والندوات وغيرها إلى سطر واحد في صفحة داخلية في أفضل الحالات. ويبقى الحفاظ على قوة الردع، لكي لا يخشى الجنود في المستقبل أو يترددوا في إطلاق النار على العرب.

***
نفس الصحيفة التي تقبل أن تتزعزع من حجم جريمة فاضحة لأي لبرالي صامت، وغالبية الجرائم لا تحظى بهذه المنزلة ثم تتجاهل تبرئة المتهمين، نفس الصحيفة التي طالبت بشن الحرب على لبنان وجندت أقلامها بحماس لغرض تمجيد الإرادة التي تأخرت في تحقيق الانتصار على لبنان، نفس هذه الصحيفة كرست صفحتها الأولى يوم 15 كانون الثاني لتزف بشرى التوصل إلى اتفاق مبادئ بين إسرائيل وسوريا.

وبرأينا فإن العقلية ذاتها التي حكمت سلوك اللوبي الإعلامي الإسرائيلي في التحريض لشن العدوان على لبنان ونشر الآراء المسبقة والأوهام حول المقاومة وحول الوضع الداخلي في لبنان، وأحكمت الحصار الإعلامي على دان حلوتس ليس بسبب عنصريته بل فشله في تحقيق آمالها، والتي نشرت أخبار الجريمة في جنين ثم اختارت عدم التعامل إطلاقا مع تبرئة المجرمين وإعفائهم من المسؤولية عن ممارسات الاحتلال وقتل العرب، نفس العقلية التي حرضت لتوسيع نطاق الحرب لتشمل سوريا، هي التي تحكم حالياً نشر الأوهام حول إمكانية التوصل إلى سلام مع سوريا دون الأخذ بعين الاعتبار ما تم التوصل إليه في مفاوضات مباشرة بين سوريا وإسرائيل.

لقد توصلت وفود رسمية سورية وإسرائيلية في مفاوضات علنية إلى اتفاق يشمل تفاصيل التفاصيل أجّل توقيعه قرار رابين ثم قرار باراك السياسي.
ومن توصل إلى تفاهمات تفصيلية علنية تضمن انسحاب إلى حدود الرابع من حزيران وتكافؤ المناطق المنزوعة السلاح وغيرها لا ينجر للبحث سرا في اتفاق مبادئ عام وغير رسمي من هذا النوع.

ولكن نفس القوى التي نشرت وهم إمكانية التوصل إلى اتفاق مع عرفات بشروط كلينتون ثم خاب أملها في كامب ديفيد الذي تبعه الانهيار فشنت حملة تحريض على عرفات، تقوم حالياً بنشر الأوهام حول إمكانية التوصل إلى سلام مع سوريا بشروط "قوى السلام" الإسرائيلية.

لم يكن النشر في "هآرتس" يوم 15 كانون الثاني 2007، حول اتفاق مبادئ مفصل مفترض مجرد تأكيد على سبق صحفي. فلا مضمون الخبر ولا أهميته تبرران الضجة حول حوارات مع سوري من أصل أميركي يدير حواراً غير رسمي حتى لو كان بعلم السلطات السورية (ونحن لا نعرف إذا كان الاتفاق بعلمها، ونعرف انه لم يتم بموافقتها). ما يبرر الضجة الصحفية هو رغبة هذه الأوساط في هآرتس للتأثير على الأجندة السياسية للدولة والمجتمع في إسرائيل.

وكانت هذه الأوساط قد اقترحت توسيع الحرب لتشمل سوريا أيضا. وهي بعد فشل نظريتها بالانتصار على المقاومة في لبنان وحده، تحاول بقوة وإلحاح طرح موضوع المفاوضات مع سوريا على جدول الأعمال. ولا شك أن لديها قراراً للتأكيد على إمكانية السلام مع سوريا بشروط إسرائيلية خاصة إزاء ما تقرره هي كحاجة سورية بعد اغتيال الحريري والانسحاب من لبنان تبرر محاولة مراجعة الموقف السوري في هذه الأثناء. وهي تلح لأنها تصطدم بالموقف الأمريكي من المفاوضات مع سوريا وتحاول على نمط أوسلو أن تضع الولايات المتحدة أمام حقائق جاهزة في مفاوضات سرية، وأن تصعق الرأي العام الإسرائيلي بتفاهمات باليد بنفس منطق وثيقة جنيف وغيرها. ولكن التجربة أثبتت أن هذا الأسلوب لا يفيد على مستوى الرأي العام الإسرائيلي ولا على المستوى الرسمي.

لا تقبل سوريا بالتفاوض السري لأن التفاوض العلني أنجز ما أنجز، والتنازل عن العلنية إلى السرية قد يوحي بتنازل. وليس من سبب يدفعها للتنازل، وهي تدرك أن إسرائيل تعرف شروط السلام مع سوريا، ولا حاجة حتى للتفاوض حولها، يحتاج الأمر قرارا سياسيا إسرائيليا لا توفره اتصالات سرية، بل تفاهما إسرائيليا أميركيا ورغبة إسرائيلية بتحقيق هذا السلام. وأية محاولة لإغراء إسرائيل بتنازلات تقدم سوف يؤدي إلى طلب المزيد بنفس منطق أوسلو. وسوريا خير من يعرف ذلك.

أمام إسرائيل بديلان فيما يتعلق بسوريا. ويتمثل بديل التفاوض إما بالإمساك بمبادرة السلام العربية كفرصة تاريخية وكإعلان مبادئ علني وإما العودة إلى التفاهمات الذي تم التوصل إليه رسمياً بين سوريا وإسرائيل في جولتين تفاوضيتين. أما البديل غير التفاوضي فهو لا يقود إلى مفاوضات سرية، بل إلى التصعيد وتمسك سوريا بخيار المقاومة وتبنيه رسمياً كدولة أيضا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018