حول تحديات تجديد الفكر القومي العربي.. (1-2)/ د.عزمي بشارة

حول تحديات تجديد الفكر القومي العربي.. (1-2)/ د.عزمي بشارة

بد بداية من تأكيد أن الفكر لا يُجَدد في ندوةٍ أو مؤتمر، وأن التجديد عملية يقوم بها أفراد على التقاطع بين مسار حاجات تنتجها العملية الاجتماعية التاريخية ومسار تاريخ الأفكار. لقد نشأت الحاجة الى مفكرين من نوع مفكري النصف الأول من القرن الماضي ليطرحوا الفكرة العربية. ولا بد أن تنجب الحاجة للتجديد مفكرين جددا. وكثرة المؤتمرات والمنتديات هي مجرد تعبير ذي دلالات عن مثل هذه الحاجة للتجديد وعن الاعتراف بضرورتها. ولكن مهمة التجديد الفكري في النهاية هي مهمة إبداع فردي.

وبما أن الفكر العربي الذي يحمِل أو يحمل صفة القومي ليس فكراً موحداً، فإن التجديد لن يكون موحدا أيضا، فالعناصر المشتركة التي تميزه عن غيره من التيارات الفكرية العربية قليلة جدا. وهذه العناصر المشتركة القليلة التي تجمع حاملي الفكرة العربية هي التي تصنع الفرق بينها وبين بقية التيارات. ولكن هذا الفرق بحد ذاته غير كافٍ لتأسيس فكر. فلا فكر جدياً يجمع بين الفكرة القومية إذا كانت ديمقراطية ليبرالية مع فكرة قومية فاشية، لأن القومية المشتركة هي بذاتها ليست فكرا، بل انتماء أو تسييس لانتماء.

ويمكننا ان نتصور حامل فكرة تسييس الانتماء القومي هذه كقاعدة للحركة المطالبة بالسيادة فاعلا ديمقراطيا كما يمكن تصوره فاعلا سياسيا فاشيا.

إذا تحولت الحركة القومية من إدراكٍ لهويةٍ ثقافيةٍ جامعةٍ تقيم جماعة متخيلة وتسيّسها إلى أيديولوجية صافية فهي في هذه الحالة لا يمكن إلا أن تكون شمولية وهزيلة في الوقت ذاته. سوف تكون شمولية، لأنها سوف تتوق إلى تحديد موقف من كل ظاهرة بناء على مبدأ واحد، وهزيلة لأنها سوف تفعل ذلك بناء على مبادئ محدودة وضامرة لا تحمل الكثير من الأجوبة.

فكرة تحول القومية الى السيادة عبر أمة ديمقراطية ذات سيادة هي فكرة حديثة، وكذلك الفكرة الفاشية، ولكنهما فكرتان متناقضتان.

ماذا يميز الفكر القومي العربي؟ أولا، الاعتراف بوجود قومية عربية لديها الحق بأن تصبح أمة ذات سيادة. وثانياً، الادعاء (الذي يجب أن يُبَرّر بالممارسة) أن منطلق التنظير وصياغة البرامج السياسية المشتقة عنه هو مجمل مصلحة الأمة، خلافاً للانطلاق من مصلحة جزء منها: طائفة، عشيرة، ناحية... الخ.

هذا يكفي للتميّز عمن لا يعترف بهوية قومية عربية أصلا. ولكن هذا طبعا لا يكفي برنامجا لإدارة بلد مثلا، أو لتحديد موقف من الديمقراطية أو حقوق المواطن أو السياسة التعليمية أو التأمين الصحي، ولذلك أيضاً تنوعت إجابات العروبيين على قضايا بلدانهم الملحة في فترة مبكرة.

وهذا هو بالضبط السبب الذي يدفع شخصاً مثلي للاعتقاد أن أفضل تعبير عن إرادة الأمة هو الديمقراطية، وأن الوجه الآخر لسيادة الأمة هو مبدأ المواطنة المتساوية وحقوق المواطنة، ويعتقد أن الحقوق الاجتماعية مثل التأمين الطبي والتعليم المجاني وحقوق العامل هي جزء من عملية بناء الأمة، وهذا ما قد يدفع شخصا آخر الى الاعتقاد أن ترجمة الفكرتين اللتين يتضمنهما الفكر القومي في أساسه يجب أن تجري بشكل مختلف.

ولأن الأشكال التي تجلى فيها هذا الفكر حتى الآن، أنظمة وحركات تبدو كما تبدو حاليا، فإن هنالك حاجة للتجديد.

وتتحجر الفكرة اذا هَمش حاملوها أنفسهم العملية السياسية والاجتماعية المعارضة خارج الحكم حيث لا يشاركون في الحكم، كما تتحجر إذا تحولت إلى مجرد أيديولوجية تبريرية لنظام حكم.

وإن العائق الأساسي أمام تطور الفكر السياسي المنطلق من وجود قومية عربية لها الحق أن تتحول إلى أمة ذات سيادة، هو ممارسات حاملي هذا الفكر في الحكم في دول مثل مصر وسوريا والعراق. وهذا عائق رئيسي يمس جوهر الفكرة ذاتها، أي فكرة الأمة ذات السيادة، وذلك لعدم تمكنهم من تحقيق وحدة حتى فيما بينهم عندما حكموا دولا متجاورة. وكل محاولة لإيجاد مبررات لعدم إنشاء الوحدة بين الدول في هذه الحالات تزيد من التورط في الفضيحة السياسية. كما أن تجربة القوميين في الحكم تشكل عائقا أمام التجديد في قضايا الديمقراطية وحقوق المواطن، لأن ممارسة القوميين العرب في الحكم في قضايا حقوق المواطن والرقابة الشعبية على السلطة والحريات المدنية تخدش مصداقية التجديد الفكري الذي يضطلع به غيرهم من العروبيين بهذا الشأن.

والعائق الثاني هو تهميش القوميين لأنفسهم في المجتمعات التي لا يشاركون فيها بالحكم، واكتفاؤهم في المعارضة بترديد فكرة الوحدة العربية ورفض التطبيع مع “إسرائيل” والعزوف عن طرح البديل الجدي الديمقراطي في كيفية إدارة المجتمع. لا يمكن أن يتطور الفكر خارج الإجابة عن التحديات التي تطرحها هموم المواطن العينية. ومن ضمن هذه التحديات قضية الحقوق الاجتماعية وحقوق المواطن والديمقراطية وقضية الهوية. لكي يطوروا فكرهم يجب أن يكون بوسع القوميين أن يقولوا كيف كانوا سيحكمون بلدا من البدان، وما هي إجاباتهم عن قضاياه الملحة.

ولا يمكن ان يشتق الموقف او البرنامج السياسي بشأن هذه القضايا مباشرة من الفكرة القومية بحد ذاتها، فهي لا تتضمن أجوبة عن هذا الأسئلة. وتقع مهمة تقديم الأجوبة على عاتق حملة الفكرة، وليس على عاتق القومية. وبقدر ما تكون لديهم برامج سياسية، وبقدر ما يقدمون إجاباتٍ عن هذه الأسئلة الملحة بقدر ما يطورون الفكر القومي. لا يتطور الفكر في هذه الحالة خارج القضايا العينية، كما لا يشتق الموقف من هذه القضايا استنباطيا من فكرة الأمة. وكما أسلفنا فإن كل محاولة كهذه هي محاولة أيديولوجية أولاً، وهي تؤدي إلى الفكر الشمولي ثانياً.

إن مهمة تطوير الفكر القومي العربي هي مهمة حسم الموقف الى جانب الديمقراطية وحقوق المواطن الاجتماعية والمدنية، وهي مهمة تتضح من خلال الممارسة، فالممارسة في تيار المجتمع والسياسة المركزي لا تطرح الأسئلة فقط بل تخفف من طوباوية الأجوبة النظرية التقريعية الغاضبة والتي تشكل الوجه الآخر للغة المتحجرة والخشبية. فكلتاهما لغة هامش بعيدة عن حياة الناس وحيوية العمل السياسي والاجتماعي.

شتم العرب والمجتمعات العربية والانسحاق تحت ارجل التجربة “الاسرائيلية” والإشادة عملياً بدور الاستعمار التنويري من دون نقده من جهة، والتعصب والتحجر دفاعا عن التجربة مع نقل التهمة الى المؤامرات الخارجية من جهة أخرى، هما وجهان لعملة واحدة.

سوف يضطر الفكر القومي إلى تجديد نفسه في الشأن الديمقراطي ومسألة المواطنة كعضوية في الدولة لا كعضوية في القومية. وعندها سوف يجد، 1- أن الطريق الى الوحدة العربية هي الديمقراطية، كما في حالة الاتحاد الاوروبي، بوجود أسس أمتن وعناصر مشتركة أكثر في حالة العرب لو كانت دولهم منصاعة لضرورات التعاون الاقتصادي القائمة ولو كانت ديمقراطية، و2- أن هذه ليست مسألة نظرية.

تماما كما سوف يجد الليبرالي العربي أن لغته متحجرة وخشبية ووعظية إذا بقيت مهمشة بعيدا عن العمل السياسي والاجتماعي المحلي ومرتبطة بالتدخل الخارجي، وقد تصل حد الإعجاب ب”الديمقراطية الإسرائيلية”. في حين أن الممارسة في الاوساط الشعبية تجعله لا يفكر الا في نبذ النموذج “الإسرائيلي” كنموذج كولونيالي، كما تدفعه الى رؤية منجزات القوميين العرب وليس مثالبهم فحسب.

وعندما يتعامل حامل الفكرة القومية، إذا كان ديمقراطيا ومنفتحا، مع حاجات الناس والشباب المباشرة فسوف يكتشف مصادر قوته ذاتها. فمثلا سوف يكتشف أن الهوية ليست مسألة نظرية بل هي شاغل أساسي وملح بالنسبة للناس والشباب مثل بقية حاجاتهم الاساسية، كما سوف يكتشف أن الجواب المتمثل بالهوية العربية المنفتحة غير الإقصائية في مقابل الطائفية والعشائرية هي أحد مصادر قوة التيار العروبي وفكره.

الفكرة القومية بعنصريها الأساسيين ليست فكرة تقليدية، بل فكرة حديثة. القومية جماعة متخيلة. ولكنها ليست متخيلة من لا شيء، بل من عناصر قائمة في الواقع مثل اللغة والثقافة وعناصر التاريخ المشترك (الإثنية هي تخيل أصل مشترك). والحداثة هي التي توفر الأدوات، من الطباعة ووسائل الاتصال وحتى نشوء الطبقة الوسطى، اللازمة لتحويل هذه العناصر الثقافية والتاريخية القائمة إلى جماعة متخيلة تسعى عبر الحركة والأيديولوجية القومية إلى التحول إلى أمة ذات سيادة.

والقومية العربية لا تختلف عن غيرها في حداثتها. القومية هي غير العروبة القائمة منذ ألفي عام. وهي بالتأكيد غير الإثنية العربية المتخيلة من أصل مشترك. وقد استوعبت في داخلها الكثير من غير العرب (بالتعريف الإثني” للعرب) عندما كانت عروبة مدنية قوامها مثقفون وطبقات وسطى صاعدة وضباط من الجيش العثماني وفئات تجارية. القومية العربية ليست رابطة دم ولا عرق. بل هي جماعة متخيلة بأدوات اللغة ووسائل الاتصال الحديثة تسعى لتصبح أمة ذات سيادة. والتبرير والتنظير لهذا السعي هما الأيديولوجية القومية العربية.

وقد راج هذا النوع من التنظير في حالات بلدان الرأسمالية المتأخرة التي نعرفها لأن السوق الرأسمالي المتطور لم يكن قائما فيها ليتولى عملية توحيد السوق والدولة بشكل طبيعي، ولا قامت بهذه المهمة دولة الملكية المطلقة. ولذلك نرى أن حالة الأيديولوجيات القومية الشهيرة ترتبت عن انهيار امبراطوريات وليس بناء على تطور “طبيعي” من دولة الملكية المطلقة إلى الدولة- الأمة: خذ مثلا حالة القومية التركية ثم العربية من رحم الامبراطورية العثمانية، وحالة القوميات المنبثقة من انهيار امبراطورية آل هبسبورغ، القوميات التي ما زالت تتبلور وتجد عنها تعبيرات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ولا شك أنها تتخذ تعبيرات عصبوية كلما ازدادت تأخرا ورغبة في تبرير ذاتها. ولكن ليست كل أيديولوجية قومية مبررة، ولا يوجد سبب في الدنيا لكي لا يعتبر القومي الديمقراطي العيش في دولة ديمقراطية متعددة القوميات أمرا محبذا. فقد كان ممكنا تحول يوغسلافيا إلى دولة ديمقراطية متعددة القوميات من هذا النوع مثلا، بدل سلسلة المذابح والتطهير العرقي نحو إقامة “دول ديمقراطية”. طرح “النقاء القومي” كحالة انفصالية، وكشرط لقيام الدولة تتلوه الديمقراطية، قد يؤدي ليس فقط إلى مذابح وترانسفير للآخر المختلف بل أيضا إلى أيديولوجية شمولية في أوساط القومية ذاتها.

ولذلك فعند حديثنا عن تجديد الفكر القومي العربي بشأن المواطنة علينا أن نذكر ايضاً أنه كما أن القومية العربية هي جماعة متخيلة كجماعة سياسية، كذلك فإن هنالك جماعات أخرى غير عربية تعيش في الأقطار العربية ولأعضائها ليس فقط حقوق مواطن في الدول العربية، بل يجب الاعتراف بحقوق جماعية للجماعات التي تصر على تعريف نفسها كغير عربية عبر حركاتها القومية ضمن الدول القائمة.

هذه بعض تحديات تجديد الفكر القومي. وكلها تحديات لا يمكن الاضطلاع بها دون إبداع في التعامل مع قضايا الناس، كما لا يمكن القيام بها دون التواضع اللازم المتجلي في التعامل باحترام لا يلغي النقد مع التراث الفكري والعملي الذي خلفته أجيال من القوميين العرب.

“القومية الرومانسية” في مقابل الواقعية الطائفية

رغم فشل الدول العربية في عملية بناء الأمة على أساس المواطنة أو على الأقل على أساس هوية محلية إثنية متخيلة مثلا يستمر اتهام دعاة القومية العربية بانشغالات رومانسية. والفشل باد بشكل خاص من انهيار الدولة مع انهيار النظام في العراق، والخوف المنبعث منذ الحرب على العراق من تحول الخلاف السياسي في كل دولة عربية الى احتراب طائفي أو الخوف المعاكس من تسييس الانتماءات الطائفية و”تذوتها” أو “استبطانها” وتحولها الى “مصلحة الطائفة” يتماهى معها الأفراد ويتبنونها كأنها مصالحهم فعلا ك”أبناء طائفة”. ومؤخرا تحول حتى الخوف من الحرب الخارجية والاحتلال إلى مجرد خوف من أن تؤدي إلى احتراب داخلي. لا يمكن الادعاء أن هذه الوقائع تقدم دليلا على نجاحٍ ما في تثبيت الهوية القطرية كهوية قومية. أين هي الهوية القطرية، الهوية الدولية في خضم هذه المخاوف في العراق والسودان ولبنان وفلسطين وسوريا والأردن ناهيك بالصومال.

لقد تحولت الأمة التي يفترض أن تُبنى على أساس الانتماء الى الدولة بحيث تعيد صياغتها برامج التدريس الرسمية وإعادة كتابة التاريخ كتاريخ مشترك والاقتصاد المشترك والتجربة المشتركة وغيرها. تحولت هذه الأمة إلى هوية قطرية فولكلورية ورومانسية الى حد بعيد بما فيها من محاولات لتجذيرها تاريخيا في مهرجانات بابلية وفينيقية وكنعانية وفرعونية بودر اليها من أعلى لتنفيذ مآرب سياسية وإعادة تشكيل الانتماء والولاءات على أساسها.

وربما لو نجحت الدولة القطرية في تشكيل أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية تشكل ضمانا مدنيا ضد الاستبداد، بدل أن تشكل العشيرة أو الطائفة مثل هذا الضمان، لنشأت إمكانية تحول هذه المواطنة إلى هوية وطنية فعلية. ولكان قد وقع، ربما، فصل محمود، مهما بدا غريبا، بين قومية عربية ثقافية ينتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمة سياسية قائمة على المواطنة في الدولة القطرية من جهة أخرى: هي مجتمع مدني نحو الداخل وأمة سياسية نحو الخارج. ولكن هذا لم يحصل.

وأحد الأسباب في رأينا هو وجود المسألة العربية غير محلولة. فقد بقيت احتمالات الانتماء قائمة بين قومية عربية ثقافية وسياسية في آن معا، وبين انتماءات سياسية عشائرية وطائفية بعضها عابر وبعضها غير عابر لحدود الدول.

في مثل هذا الظرف الذي تتجلى فيه واقعية الطوائف والعشائر وتشظي الدولة وعدم قدرتها على بناء أمة قطرية، لم يعد ممكنا التعاطي مع القومية العربية كرومانسية إلا كسوء نية سياسي يعبر عن موقف. نقول هذا رغم إدراكنا أن جزءًا من القوميين العرب وغير القوميين من الجيل الجديد نسبيا وجه نقدا لاذعا إلى التيارات القومية بصفتها رومانسية الطابع تستند الى افتراض ماضٍ عربيٍ موحدٍ ومجيد.

والحقيقة أنه رغم صحة هذا النقد، وهو صحيح في حالة كل القوميات، إلا أنه يكاد ينطلق في نقده من افتراض أن الأيديولوجية القومية نظرية علمية تحتاج الى تصحيح. وهذا هو نفس النهج الذي يتبعه نقاد الدين الإلحاديون، كأن الدين نظرية، تتميز بكونها نظرية خاطئة. ولكن القومية ليست نظرية. ويجب التمييز بين القومية ونظرية القومية. ولم توجد قومية في الشرق أو الغرب (بمفهوم قومية الدولة أو حتى القومية ضد الدولة) إلا وافترضت وحدة من هذا النوع وأسقطتها على ماض غابر. لا توجد أيديولوجية قومية دون عناصر رومانسية. وقد قامت هوليوود وصناعة الأفلام البريطانية بعمل مكثف في تأسيس أساطير الآباء المؤسسين لتلك الدول كما قام بذلك الأدب القومي في دول أوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. هنالك فرق بين القومية وتجلياتها كثقافة وسياسة وكظاهرة اجتماعية، وبين نظرية القومية التي تبحث في ماهية القومية بما في ذلك كشف الأساطير التي تقوم عليها.

والقومية العربية قبل الاستقلال وبداية مرحلة بناء أمة المواطنين هي في نظرنا حاجة عملية لتوحيد غالبية الشعب حتى في الدولة القطرية لكي لا ينهار الى طوائف، وهي من هذا المنظور ومن منظور نظرية القومية ايضا ليست مجرد “إثنية” مختلقة مركبة مصنوعة. فهي ليست مصنوعة أو متخيلة من لا شيء، بل هي جامع ثقافي من الدرجة الأولى يقوم على اللغة المشتركة، وجامع سياسي وتعبير عن تطلعات سياسية لها تاريخ حديث وقديم. الطموح السياسي لإقامة دولة والمصالح والثقافة المرتبطة به تصنع من هذه العناصر حالة قومية حديثة.

حتى بعناصرها الرومانسية، وهي قائمة طبعا فيها وفي غيرها، ليست القومية العربية مجرد حالة رومانسية بل حاجة عملية ماسة وبراجماتية في الوصول ليس فقط الى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، بل ايضا لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة تحيد غالبية الطوائف والعشائر، العربية على الأقل، عن التحكم بانتماء الفرد السياسي.

ورغم معرفتنا بالفرق المهم بين منظري القومية العربية في المشرق والمغرب العربيين في نظرتهم لأهمية الدولة القطرية العربية وشرعيتها وجذورها التاريخية بين التقسيم الاستعماري والتبرير التاريخي القائم نقول: إنه فوق ذلك وحتى لو لم تقم على أساسها دولة عربية واحدة فيدرالية أو غير فيدرالية، فإن الدول العربية القطرية لا تستطيع الاستغناء عن العروبة كقومية في عملية بناء أمة مواطنة للعرب وغير العرب. كما أنها تشكل أساسا لتعاون ووحدة دول عربية في المستقبل على نمط الاتحاد الأوروبي. وبين دولها من المشترك والموحد أكثر بكثير مما بين دُوَلِهِ التي لا تجمعها لغة قومية، ووقعت بينها في الماضي غير البعيد حروبٌ دينية وحروبٌ قومية وحروبٌ عالمية. كما أن وجود تيار عروبي فاعل يطرح المشترك ويلح عليه ويعارض التجزئة الطائفية ويطرح بدائل ديمقراطية ويندمج في الحركة الثقافية والجماهيرية في كل بلد على حدة هو ضمانة أكيدة ضد هيمنة الفكرة الطائفية أو الانتماءات التجزيئية الأخرى للأمة.

من أين يأتي انطباع الرومانسية هذا عن القومية والذي يجتره السطحيون من حلفاء المرحلة الأمريكية ويبصقونه بعدمية باتجاه القوميين وغيرهم من نقاد المرحلة؟ ونقول “العدميين” لأنهم لا يناهضون كل رومانسية. ولا نتحدث هنا عن تبنيهم رومانسية التنوير والكثير من الأساطير غير الصحيحة عن نشوئه ومؤسسيه كفكر لم يكن دائما متنوراً، فهم لا يتبنون التنوير أصلا، بل المقصود هو إعجابهم بالتطرف القومي والرومانسية القومية الإنجليزية وأساطيرها المؤسسة، أو اذا تجلت الرومانسية على نمط خطب بوش في كاتدرائية في واشنطن، أو إذا كررها اليسار “الإسرائيلي” في صراعه ضد حق العودة الفلسطيني ومع قانون العودة “الإسرائيلي” ومع يهودية الدولة بنبرة قومية لافتة يحترمها العدميون العرب، لأن اليسار الصهيوني يعتبر متنورا وليس رومانسيا. وفي الواقع لا تخلو الطقوس والخطب الامريكية و”الإسرائيلية” الرسمية من رومانسيات وأساطير قومية ودينية، بل تعج بها.

ربما هم لا يدرون عن جذور هذا الانطباع لديهم عن القومية، ولكننا ندري. ويجب أن ندري إذا أردنا أن نقيم تاريخ الفكر القومي العربي وغير العربي تقييما نقديا، فالقومية كتجاوز الانتماء المجرد إلى أيديولوجية رئيسية، وكتيار مركزي في المجتمع نشأت في الدول التي تأخرت في التطور الرأسمالي، وغالبا ما جاءها كتحديث قسري من أعلى. وحلت فيها القومية كرد فعل رومانسي على انحلال الجماعة العضوية ومحاولة إعادة تأليفها ك”جماعة متخيلة” ضد الفردية و”الانحلال” التي ميزت المجتمعات الرأسمالية المتقدمة وذلك في القومية القائمة على الثقافة او الانتماء الإثني.

طبعا هذا لا يعني أن هذه المظاهر لم تجد لها موطىء قدم في الدول الرأسمالية المبكرة حيث قام الشعور القومي تدريجيا على دول الملكية المطلقة التي تحولت مبكرا الى دول رأسمالية من دون دور توحيدي وحدوي للحركات القومية. ولكن ثقافتها وبرامجها التدريسية ومسرحها وصناعة السينما فيها تعج بالأدب الرومانسي وبالأساطير التي تتناول نشأة الأمة وتأسيسها ووحدتها من مراحل ما قبل التاريخ.

ومع هذه الرومانسية نشأت في الأيديولوجيات والحركات القومية في الدول المتأخرة رأسماليا مظاهر تقديسية للانتماء وللوطن وللجماعة، ثم للانضباط والطاعة والتنشئة على قيم قومية والرغبة في تنظيم التحول الاجتماعي بشكل شبه عسكري للتعويض عن التخلف والتأخر في التطور الرأسمالي وللتعويض عن ضعف قيم الحداثة في المجتمع بالتخطيط الصارم والهندسة الاجتماعية. وقد ولدت هذه الأفكار ما ولدت من عمليات تحديث في إيطاليا والمانيا وبولندا وروسيا، ولكنها أنجبت أيضا انظمة شمولية من أسوأ نوع.

لم تسنح الفرص للقومية العربية للوصول الى هذه المراحل من إقامة الأنظمة الشمولية، ولكن لوحظ عند مفكريها الرومانسييين مثل زكي الأرسوزي وحتى المحدثين والحداثيين بينهم من أمثال قسطنطين زريق وساطع الحصري تأثر شديد بالرومانسية القومية الألمانية والإيطالية. وقد اختلط في هذا التأثر الإعجاب بسرعة التوحيد والتنظيم والتحديث والضبط ونشر العلم والتصنيع في مجتمعات كانت حتى مرحلة قريبة مجزأة الى إمارات ومتخلفة، اختلط مع العداء للمستعمر الانجليزي والفرنسي فيما بعد.

ولكن في رأينا يجب عدم الخلط بين هذه الميول التي بقيت أيديولوجية وبين تشديد القوميين الاوائل على التربية والنهضة بالشباب والتثقيف القيمي والأخلاقي ومنح الشباب حلما وقيما ومعنى. فهذه ليست بالضرورة رومانسيات، وحتى لو تضمنت بعض الرومانسية إلا انها عبرت عن حاجة ماسة. ولذلك تولت عملية إعداد البرامج للتربية والتعليم نخب تلك المرحلة مثل ساطع الحصري بنفسه (وطه حسين بنفسه في حالة التثقيف في تصوره للقومية كوطنية مصرية). وأدى غياب مثل هذه النخب عن التربية والتعليم ليس فقط إلى انهيار التعليم بل ساهم ايضاً في مفاقمة الأزمة الأخلاقية التي تعيشها الثقافة والسياسة العربية في المرحلة الراهنة.

يذكر عزيز العظمة في كتابه عن المفكر العربي قسطنطين زريق سخرية رئيف خوري الماركسي من القيم التربوية المتضمنة في كتاب الوعي القومي لزريق، إذ يشبهها بالوعظ الكنسي الإنشائي.

ورئيف خوري ماركسي لامع، وكاتب مجيد. وقد ترك بعض الماركسيين العرب تحليلات جيدة جدا لحال المجتمعات العربية وحتى القضية الطائفية. ولكن سخرية الماركسيين عموماً وحتى الأخلاقيين من بينهم من القضية الأخلاقية والتربوية والقومية واعتمادهم نسبية الأخلاق، بدل نسبية العلم، والتساؤل الدائم حول اي مصلحة (طبقية؟!) تخدم القيمة الأخلاقية واتهام القومية بالرومانسية هي مثال على تهافت هذا النوع من النقد. فقد أدى الى ما أدى اليه في دول المنظومة الاشتراكية من هدم الإنسان فيما يتجاوز حتى آثار انهيار الديكتاتورية الشمولية. كما أدى الى إرساء الأساس لتحول بعض اليساريين العرب من اتهام القومية بالرومانسية من اليسار الى اتهامها بالرومانسية من موقع اليمين، أو من داخل المعسكر الامريكي “الاسرائيلي” الذي يعج بالقوميين الرومانسيين من المحافظين الجدد وحتى اليسار الصهيوني. هذا مثال فقط على ما تؤدي إليه نسبية الأخلاق من سهولة الانتقال من معسكر الى آخر دون المرور بالمرجعيات الأخلاقية للجماعة المحلية، ودون التوقف قليلا عند قيم العدالة والمساواة والإنصاف التي لا تتحقق بمجرد تبني العقل والمنطق، بل تحتاج الى قرار حر.

وأنصار تكريس الوضع القائم على أنواعهم يعتبرون النظر الى العالم من خرم إبرة مصالحهم الضيقة الطائفية او العشائرية أو غيرها هو الواقعية... وقد يثبت انها رومانسية مقلوبة كما هو حال العدمية دائما. وفي حالة هؤلاء فإنها رومانسية حول الدور التنويري للغرب في الشرق بعد رومانسية حول دور الطبقة العاملة والجماهير ناهيك عن الرومانسية السابقة في العلاقة مع روسيا، وحاليا الخطاب الخشبي المؤيد لتسوية غير عادلة مع “إسرائيل” دون توفر أي أساس واقعي لمثل هذه التسوية.