** عودة إلى البحث عن معنى للنكبة (3/3)../ د.عزمي بشارة

** عودة إلى البحث عن معنى للنكبة (3/3)../ د.عزمي بشارة

هنالك من يؤمن بزوال إسرائيل إيمانا دينيا يدفعه. وهنالك من يرى أن إسرائيل زائلة إذا ما أحسن العرب استغلال تمسكها بكونها كيانا غريبا غير قادرة على التوصل الى سلام عادل لأنه يريد أن يهيمن ولا يريد أن يندمج. ولكن هنالك ما هو أغرب.
فقد أثيرت مؤخرا مقولة زوال إسرائيل الحتمي إما بسبب السلام ذاته فيصبح التطبيع مع إسرائيل هو أقوى سلاح ضدها، أو إذا هزمت مرة واحدة فقط. ولا يتوفر إثبات جدي على الأمرين حتى لو قال بن غوريون بأحدهما. ويتحول ترداد مقولات لا إثبات فعلي لها وهي في الوقت ذاته غير تعبوية إلى مخدر حقيقي للجماهير، وإلى بديل عن الإرادة وعن استراتيجية النضال والقتال واستغلال التناقضات الإسرائيلية الداخلية.

لم تكن التعددية في إطار الوحدة الصهيونية دليل ضعف يؤدي الى انهيار، بل دليل قوة. وتدل قدرة هذه التعددية على تنظيم ذاتها، على أساس قواعد لعبة ديمقراطية، على وجود ثوابت إجماع قومي. والطامة الكبرى أن أولئك الناس الذين وفدوا إلى بلادنا من مختلف أصقاع الارض لم ينحدروا من قومية واحدة أو من ثقافة ديمقراطية في دولهم، ولكنهم نجحوا في تشكيل رابطة قومية، أو سمها ما شئت، تصلح أساساً لتثبيت قواعد لعبة ديمقراطية أهلية لليهود دون ان ينهاروا الى قبائل وعشائر وطوائف. في حين لا تزال شعوب الأمة العربية التي تتكلم لغة واحدة والتي لاحت بوادر مشروعها القومي قبل ان تولد الصهيونية الاستعمارية، بعد ستين عاماً على النكبة، تخشى احترام قواعد لعبة ديمقراطية مخافة أن يؤدي ذلك إلى الإنحلال إلى فرق وشيع وقبائل وعشائر.

لن تفلح ذاكرة النكبة في إقامة نظام مؤسسات وديمقراطية في الوطن العربي ولا في تحقيق وحدة عربية، فالذاكرة التاريخية أيديولوجية يصيغها توحيد المصالح المختلفة أو هيمنة واحد عليها، وتصيغها المؤسسات المكونة للهوية، والأنظمة وكتب التدريس، وتعيد إنتاجها على شكلها وصورتها. لن تندرج هذه المهمات ضمن مواجهة النكبة أو النكسة وإنما ضمن مواجهة الديكتاتورية وانعدام سياسة القانون وشخصنة الحياة السياسية والظلم والفساد بمشروع سياسي بناء على أجندات وطنية يتجاوز الاحتجاح الى تقديم البدائل الواقعية. ولن يتم حل هذه المسائل إلا إذا تحولت إلى أهداف بحد ذاتها. ولكن ذاكرة النكبة ضرورية ضرورة الماء والهواء لهذه الأمة، إذ لا توجد هوية قومية من دون ذاكرة قومية جماعية. لا نقول النكبة بل ذاكرة النكبة. لانه بدون النكبة ذاتها كان يمكن ان يكون حال العرب أفضل، ولربما تمكنوا من تحقيق نوع من الاتحاد مثل باقي الشعوب. والنكبة مثل سايكس – بيكو وحرب حزيران محطات في تشكيل الهوية العربية الجماعية مقابل نقيضها. وتبقى النكبة هي المحطة الأكثر أهمية في تشكيل الهوية الفلسطينية الحديثة بإيجابياتها وسلبياتها.

ولذاكرة النكبة بعد سياسي قلما يتم تناوله والتحدث عنه في مرحلة "العملية السلمية" القائمة على أن القضية الفلسطينية قضية أراض محتلة عام 1967، وذلك رغم أنه البعد الأهم للعملية السياسية ذاتها. فحتى بمنطق التسوية وخطابها الخشبي المغترب عن الواقع والمأسور في التمنيات لا يمكن اعتبار الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذا كانت كاملة السيادة، لا يمكن اعتبارها حلاً وسطاً إلا إذا اعترف بأن المأساة الفلسطينية لم تبدأ في العام 67 وإنما في العام 48. وحتى الدولة الثنائية القومية هي حل وسط بهذا المنظور، إذ يسبقها الإعتراف بأن هذه البلاد كانت عربية قبل أن تتعرض إلى عملية سطو مسلح في وضح نهار القرن العشرين.

البدء في التأريخ لـ"القضية" باحتلال عام 67 هو إنكار لوجود قضية فلسطين. والإعتراف بالنكبة، أي الإعتراف بالغبن التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني عام 48، هو شرط البحث عن تحقيق العدالة النسبية لهذا الشعب، والعدالة النسبية (نسبة إلى ما حل بهذا الشعب عام 48) هي مبدأ غير خاضع للتفاوض. في مثل هذه الحالة تصبح مهمة المفاوضات أن تترجمه إلى نتائج عملية على الأرض. وإذا غاب المبدأ المشترك الذي تقوم عليه المفاوضات تبقى هذه فريسة موازين القوى التي تفرض حلاً إسرائيلياً. هكذا ترى إسرائيل المفاوضات، وهكذا رأتها دائما، ومن لا يقبل حلا إسرائيليا لا تعتبره شريكا.

وذاكرة النكبة ضرورية لأن أهم إفرازاتها، مسألة اللاجئين، لا تزال حية إلى يومنا تنتظر حلاً. وهناك من يحاول إسقاطها من جدول الأعمال الدولي والقومي والوطني على رغم أنها بدأت مسألة دولية حاز فيها الفلسطينيون على قرارات دولية في صالحهم كلاجئين قبل أن يعترف المجتمع الدولي بهم شعباً صاحب حق في تقرير المصير (غالبا ما يكرر هذا الكلام رغم أنه يجب ان يضاف له ان قرار التقسيم اعترف عمليا بهذا الحق مع انه برر سرقة نصف بلدهم).

واللاجئون الفلسطينيون ليسوا حالة نفسية يمكن أن تمارس في حالة من الترف الفكري والمادي كما قد يبدو لبعض الشعراء والأدباء. اللاجئون الفلسطينيون حالة قائمة من فقدان الوطن والمواطنة وفقدان الحقوق الأساسية وفقدان الأمل. واللاجئون الفلسطينيون حالة حقيقية من التناسي والنسيان لدى بعض النخب الفلسطينية التي فقدت الأمل بالنصر، فعكفت على حل مشاكلها الخاصة عبر السياسة.

في هذه الأثناء تحول المخيم الفلسطيني الى حالة متراكمة من البؤس والتعاسة خاصة في لبنان في غياب عودة قريبة في الأفق كانت تبرره وفي غياب خيار المقاومة من الخارج والتي حولته إلى مدرسة وطنية نضالية. ماذا يعني مخيم اللاجئين في دولة عرببة دون مقاومة، اي مع اقتصار المقاومة على الداخل، ودون عودة قريبة؟

لم يجر الانتباه إلى ما يعنيه واقع المخيم الفلسطيني بعد انهيار فصائل المقاومة كحالة كفاحية من الخارج الى الداخل. لقد بدأت حركة التحرر الوطني الفلسطيني طريقها كحركة لاجئين يخوضون الكفاح المسلح من الخارج الى الداخل. وكان المخيم مركز هذه الحركة. ولولا حركة الكفاح المسلح لما كان ممكنا الحفاظ عليه أصلا. فالمخيم هو إما حالة مؤقتة حتى يتحقق حق العودة، أو هو قاعدة ومدرسة ومجتمع للمقاومة. اما إذا بات لا هذا ولا ذاك، فهو حي فقر وتعاسة وبؤس. وهذه حالة تنتج شاكر العبسي وغيره، كما تنتج الجريمة والابتعاد عن التسييس، او حالة أهلية تسعى الى تطويره كما جرى لليرموك، أو الخروح منه كما جرى لعدد كبير من مخيمات لبنان. لكي يُحافَظ على المخيم كحالة تتجاوز التعاسة لا بد من مشروع وطني مقاوم يشكل المخيم مركزه. فمتى تم التفكير مؤخرا في هذا الموضوع مجددا ؟ ولا شك ان إهمال مصير اهالي نهر البارد ولاجئي العراق، وانفصال القيادة الفلسطينية الرسمية الحالي عن مصيرهم، يشكل مفصلا مؤلما يدعو للتفكير بهذه الأسئلة.

في بعض الدول العربية يتم تعليل معاملة اللاجئين الفلسطينيين معاملة غير إنسانية بذاكرة النكبة ذاتها، لكي لا ينسوا أنهم لاجئون. والحقيقة أن هذه المعاملة ليست تذكيراً بالنكبة بل استمراراً لها. إنها النكبة ذاتها. لا يستجدي الفلسطينيون مواطنة أو توطيناً في هذا البلد العربي أو ذاك، ولكنهم ليسوا بحاجة إلى الإضطهاد والتنكيل ليتذكروا قراهم ومدنهم إذ أنهم لا يزالون يتوارثون الأسماء ومفاتيح البيوت المهجورة وحالة الإنتظار والأمل واليأس.

وفي هذه الأثناء لم يؤد انتقال مركز ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية من الخارج الى الداخل ومن 1948 إلى 1967 إلى استراتيجية فلسطينية موحدة في الداخل على الأقل بل إلى شرخ يكاد يكون عموديا. وأخطر ما فيه انه ليس تعددية في إطار حركة تحرر، بل هو انقسام حول الاستراتيجية ذاتها. وهذا ما لا تحتمله أية حركة تحرر. إنه انقسام حول الأهداف والوسائل في الوقت ذاته وليس مجرد صراع على السلطة على قبح مثل هذا الصراع بحد ذاته.

ولا شك أن تحييد الأصل تحييد النكبة وقضية اللاجئين، وتحييد دور اللاجئين بأنفسهم كتجمعات سكانية يساهم في خلق هذا الاستقطاب داخل سلطة معدومة السيادة. في ذكرى النكبة نتذكر ان نتساءل حول دور الشتات الفلسطيني، وعن دور اللاجئين في إطار السياسة الفلسطينية حاليا وليس فقط عن حقهم.