ملاحظتان حول الحالة../ د.عزمي بشارة

ملاحظتان حول الحالة../ د.عزمي بشارة

إذا تم التوصل إلى وفاق وطني فلسطيني عبر إعادة تشكيل وبناء م.ت.ف، وعبر حكومة وحدة وطنية فلماذا ولأي هدف تجرى الانتخابات الفلسطينية، وعلى ماذا، إذا كان الفلسطينيون دون دولة؟ فلتبق في مثل هذه الحالة حكومة الوحدة، ومنظمة التحرير لتديرا عمليتي البناء والمقاومة. الوحدة الوطنية المؤطرة، لا الانتخابات ولا الصراع على السلطة، هي الشكل الأرقى لحركات التحرر تحت الاحتلال وضد الاحتلال، وحتى في مراحل البناء الأولى.
أما إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، واستمر الشقاق الفلسطيني الحالي، فمن غير الممكن أصلا أن تجرى الانتخابات. وكيف ستجري؟ هل تجري انتخابات في غزة مثلا تحت إشراف سلطة حماس، وفي الضفة تحت إشراف سلطة فتح، أم ستجري بالبنادق؟

هناك من يعلك الانتخابات شعارا دون أدنى تفكير بمعناها ووظيفتها تحت الاحتلال، وفي غياب دولة، ودون اتفاق سياسي على أساس المتنافسين المشترك، وعلى سقفهم المشترك، والذي يحول دون تحول الانتخابات من تنافس على صياغة والتعبير عن نفس المصالح الوطنية إلى صراع وجود.

إذا جرت هذه الانتخابات بعد اتفاق فسوف تعيد الاحتراب، وإذا جرت رغم الشقاق فسوف تعمق الشقاق وتكون أقرب إلى الحرب الأهلية، فيصبح التعبير الأدق "نشبت" انتخابات فلسطينية في اليوم المذكور.

فأخيرا، وبعد التجربة الانتخابية الفلسطينية الأخيرة للمجلس التشريعي والتي سبح الناس بحمد ديمقراطيتها ونزاهتها، انتهى الأمر إلى الرهان على حصار خارجي لإثبات عدم قدرة من انتخب على النجاح في إدارة سلطة شؤون المناطق المحتلة في ظل اتفاقات مع إسرائيل لا يعترف بها الطرف الذي تم انتخابه. وليس هنالك ضمان أن يعترف الخاسر، أيا كان، بنتائج الانتخابات القادمة. ولا ضمان ألا تؤدي إلى ارتباك جديد لا ينتهي منه الشعب الفلسطيني. وهذا ما حصل في المرة السابقة، يضاف إليه تهميش قضية فلسطين، وتهميش الشتات، وتهميش كل شيء من كل الأجندات التي تعتبر رئيسية على جدول أعمال الفصيلين الرئيسيين حاليا، اللهم إلا الصراع على السلطة الفاقدة السيادة.

فالجريمة الكبرى منذ الانتخابات الفلسطينية الأخيرة لم تكن فقط عدم احترام الإرادة السياسية الفلسطينية، والرهان على الحصار الخارجي وعلى الاحتلال لكسرها ما يطمس الحدود بين ما هو وطني وغير وطني، بل في إشغال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وأصدقاء الشعب الفلسطيني في صراع فلسطيني داخلي وصل حد سفك الدماء والاعتقالات المتبادلة. لقد بلغ الأمر حد تسديد ضربة معنوية كبرى للقضية الفلسطينية، وضياع المعايير في التفريق بين خلاف أبناء الشعب الواقع تحت الاحتلال وبين الصراع مع الاحتلال ذاته. والله وحده يعلم أي صراع هو الأهم بالنسبة للبعض حاليا.

ولنتخيل انتخابات جديدة، تتخللها شقاقات وصراعات جديدة وسفك دماء، لا سمح الله ولا قدر، وعدم اعتراف بالنتائج وتهم بالتزوير، أو تهم بالاستفادة من حصار التجويع والتآمر مع الاحتلال، أو تهم بإقامة إمارة إسلامية... فسوف نكون في هذه الحالة قد راكمنا سنوات من التجارب السياسية الفلسطينية التي تشغل الرأي العام وتستـنـزف طاقة الشعب، والتي لا ذكر فيها للاحتلال والصراع مع الاحتلال... واحتفالات ثقافية لعاصمة الثقافة العربية في القدس دون ذكر الاحتلال من جهة، وتهم بإقامة أمارة إسلامية من جهة أخرى، والمستوطنون بلغوا حد منع الناس من الوصول إلى زيتونهم. وليس في الأفق إجابة على السؤال متى ستتفرغ قوى الشعب الفلسطيني السياسية لمسألة الاحتلال وأوضاع اللاجئين المأساوية في الشتات.

ونحن لا نسمع كلاما إلا عن حلول وسط لا تؤدي إلى شيء واضح سوى انتخابات جديدة. وما البنود المقترحة في كافة المبادرات حتى الآن إلا خطوات وآليات لمجرد تهيئة الأوضاع وتمرير للوقت لغرض عقد انتخابات مرة أخرى. لا حكومة الوحدة المقترحة هي حكومة وحدة فعلا، بل حكومة انتقالية لانتخابات، ولا الاتفاق السياسي يهدف لوضع أساس لبرنامج البناء النضال والمقاومة وحدود التفاوض، بل مسودات تدوَّرُ فيها الزوايا تدويرا، ولا يؤمن بها واضعوها، ولا تشكل إلا تهيئة لفظية للتوجه نحو الانتخابات. لدينا بنود لا يشكل أيا منها هدفا قائما بذاته أو وسيلة للوحدة، بل للوصول إلى الانتخابات بعد الحصار الطويل.

ولكن المطلوب هو تسوية الخلافات من أجل بناء وحدة وطنية يشارك في مؤسساتها جميع الفصائل في م ت ف، وأكثر من فصيلين في عملية تقاسم سلطة. وتقوم الوحدة في النضال السياسي على اتفاق حد أدنى سياسي مشترك. وإذا قامت مثل هذه الوحدة فلا حاجة لانتخابات قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية فعلا. أما إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق وحدوي، فسوف تكون الانتخابات حلقة أخرى في الصراع. ليس الحديث هنا عن تنافس في ظل اتفاق سياسي على مبادئ، بل صراع دون مبادئ مشتركة يكون كل شيء فيه متاحا. وكل هذا دون دولة، أي بدون سقف تنظيمي دستوري يضبط الصراع...

لا علاقة لهذا كله بالديمقراطية بل هو صراع أهلي على سلطة دون دولة. وحقيقةُ أنه يجري في ظل الاحتلال تضاعف من أبعاده اللا-أخلاقية وإسقاطاته على عالم قيم أجيال بكاملها. ولنتخيل معنى أن يربى جيل فلسطيني كامل في ظل هذه الصراعات سنوات أخرى. لن يبقي هذه الصراعات شيئا من القضية، ولن يذر، قبل مرور عقد إذا استمر على هذا الحال.

وليست المسألة مشروعية رئيس السلطة بعد كانون الثاني، ولا مشروعية المجلس التشريعي بعده بعام، فليس لأحد مشروعية إلا من خلال الموقف من الاحتلال والتحرير. ويتطلب التحرير حركة منظمة من كافة التيارات والمؤسسات تجتمع على هذا الهدف وتستقي شرعيتها من القضية الوطنية والالتفاف الشعبي حول الهدف، ومن وحدتها في خدمة هذا الهدف... وليس من الانتخابات.

ومن غرائب عالمنا العربي المعاصر أن الدول لا تجري انتخابات لتداول السلطة، أما الشعب تحت الاحتلال فيطلب منه أن ينتخب قيادته دون دولة تضمن نتائج الانتخابات. والمأساة الكبرى أن دولا لا تجري انتخابات بعد عقود على استقلالها تتحدث بهذه الطلاقة عن ضرورة إجراء الانتخابات لتداول السلطة عند شعب نصفه واقع تحت الاحتلال ونصفه الآخر مشرد في الشتات.

إذا تحققت الوحدة الوطنية، وهي حاليا الهدف، فليس هنالك حاجة لانتخابات، وإذا لم تتحقق فلن تكون الانتخابات ممكنة. فلتوجه الجهود إذا إلى الوفاق والوحدة وطنية.
كان الخطر الرئيسي في مبادرة السلام العربية ألا تحسن صورة السعودية في الغرب، وفي الرأي العام الأميركي (وقد كان هذا هدفها الحقيقي بعد 11 أيلول) من جهة، وأن تسقط ثوابت من الموقف العربي دون مقابل إسرائيلي من جهة ثانية.

ولن نطيل الحديث حول الشق الأول. أما بالنسبة للشق الثاني، ففي الحقيقة ذهبت التنازلات مجانا في مبادرة علاقات عامة لم تعرها إسرائيل اهتماما. وردت إسرائيل عمليا عبر شمعون بيرس بـ"برافو".. "برافو عليكم" هذا هو النهج الصحيح نأمل أن تقدموا مبادرات أخرى، وعبر شارون باجتياح رام الله ومحاصرة مقر عرفات.

وفيما عدا معارضة إسرائيل لبنود المبادرة من حيث المضمون فإنها ترفض نهج التفاوض مع العرب، وتصر على المسارات المنفصلة والسلام المنفرد. فهي لا تعترف بوجود عرب وأمة عربية أصلا. وهذا ما جرى حتى الآن: اتفاق سلام مع مصر في مسار منفرد، اتفاق مع الأردن، واتفاق مرحلي مع م ت ف. وقد فشل الأخير لأنه لا يوجد اتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل على أية قضية مهمة وجوهرية مما يسمى عادة بقضايا الحل الدائم، ولأن الاتفاق مع الفلسطينيين يستدعي الحالة العربية برمتها على الأقل في قضايا اللاجئين والقدس.
ولكن إسرائيل تريد من العرب مباركة التنازلات الفلسطينية وتسهيلها واستغلالها للتطبيع فحسب.

وترغب إسرائيل بتطبيع عربي كهدف قائم بذاته، فالتطبيع والاعتراف، هي أهداف المفاوضات بالنسبة لها، وليس هدفها المفاوضات حل القضية الفلسطينية. وإذا كان التطبيع ممكنا مقابل مجرد التفاوض مع الفلسطينيين كما حصل بعد أوسلو فتكون قد حققت بدل "الأجر" "أجرين".

أما العودة إلى التعاطي إيجابيا مع "المبادرة السعودية" فليس بريئا، وعلى كل حال لا براءة في السياسة، ناهيك بالسياسة الإسرائيلية، فكم بالحري في حالة شمعون بيرس.

الهدف هو تحقيق أحد المخاوف التي تحدثنا عنها سابقا إبان مناقشة ما يسمى تجديد مبادرة السلام العربية. ونحن نقصد تحويلها إلى أساس للتفاوض مقابل التطبيع. إن مجرد التأكيد على المبادرة بعد أن رفضتها إسرائيل هو خطأ، فهي مبادرة قدمت إلى إسرائيل، ورفضتها الأخيرة... وانتهى الأمر. وإبقاؤها معلقة قد يحولها إلى موضوع تفاوض، أي تواجه خطر أن تتحول إلى سقف جديد يتم التنازل منه.

المخرج الوحيد الممكن لمبادرة مثل مبادرة السلام العربية كادت تتنازل عن حق العودة (ومن هنا تأكيد بيرس على المبادرة السعودية قبل تعديلها في قمة بيروت بإدخال القرار194) هو قبولها كما هي، ثم التفاوض على كيفية تنفيذها، أما التفاوض عليها فينهيها، في حين تكسب دولة الاحتلال التطبيع.

ولكن دولة الاحتلال لا تبغي تحقيق هذا الهدف العام والهام فحسب، بل تضع نصب أعينها أهدافا أخرى حركت هذا "التعاطي الإيجابي الأخير": أولا، توثيق التحالف الإسرائيلي مع قوى "الاعتدال" العربية ضد قوى "التطرف" بسحب بساط القضية الفلسطينية من تحت الحواجز الحائلة دون المجاهرة بالتحالف في المنطقة. وثانيا، المساعدة على تجاوز التعثر في المسارات المنفردة إما باختلاق مسار جديد وافتتاح جديد لا يلبث أن يفرض عليه التقادم أيضا، كما حصل لمؤتمر مدريد، أو يحقق انضمام دول معتدلة إلى المفاوضات كغطاء لتسهيل التنازلات على القيادة الفلسطينية. والأهداف مشبوهة في الحالتين.

ولذلك لا بأس أن توضع إسرائيل مرة أخرى أمام أحد الخيارين: هذه مبادرة إما أن تقبل أو لا توجد. يجب ألا تمنح إسرائيل أي طريق التفافي حول مسائل مثل الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران على كافة الجبهات (بما فيها القدس الشرقية والجولان) وحق العودة للاجئين.