العرب واسرائيل وتركيا../ د. عزمي بشارة

العرب واسرائيل وتركيا../ د. عزمي بشارة

يصعب الحديث في الفضاء العربي بموضوعية عن تعاظم الدور التركي السياسي في المنطقة، وعن التطور المشهود في الموقف التركي لصالح القضايا العربية، وعن إداء تركي يستحق أكثر من ثناء. ومصدر الصعوبة أنه منذ أكثر من عام تحولت تركيا إلى متنفس لإحباطات المجتمعات العربية، وإلى مشجب مريح تعلق عليها الأمنيات، وليس الآمال فحسب. ومرد هذا الى أسباب من بينها غياب الدولة العربية الفاعلة القائدة التي تمثل القضايا العربية على المستوى الدولي وفي مواجهة إسرائيل.

كذلك بروز حاجة لدى من نصبوا أنفسهم ممثلين عن هويات (أو عن انتماءات مستجدة ومتحولة إلى هويات) إلى دور "دولة سنيّة" (وكلها مصطلحات عربية راهنة لا علاقة لها بالواقع ولا بالتاريخ) في مقابل دور إيران المؤيد للمقاومة والقضية الفلسطينية، خاصة اإزاء فراغ خلّفه غياب مصر والسعودية أو دور محرج تقومان به في قضايا الأمة (وهو محرج إذا نظر إليها كـ"دول سنيّة"، وهو مصطلح مغلوط مرة أخرى) خاصة إبان الحرب على لبنان من العام 2006 والحرب على غزة والموقف من حصارها. كانت هنالك حاجة لدولة يمكن تقديمها كدولة مسلمة وسنيّة وتلعب دورا مشرّفا في هذه القضايا.

ومن هنا يُضخَّم دور تركيا إلى دولة عثمانية جديدة، أو حتى خلافة تقود الإسلام والمسلمين، كما يُضخَّم العداء التركي لإسرائيل إلى درجة أن البعض تساءل هل تهاجم تركيا إسرائيل بالسلاح بعد الهجوم على أسطول الحرية. ويجري التعامل مع أردوغان من خلال صورة البطل المخلص للأمة القائمة في الأذهان... فـ"صلاح الدين الأيوبي لم يكن عربيا" على رأي من يجادل. وكأنه كانت هنالك قوميات ودول قومية حديثة في عصر صلاح الدين.

ومن ناحية أخرى فإن أصحاب الموقف المؤيد للتسوية دون تحفظ، والذين تحوّلوا إلى مساعد تنفيذي للدور الأميركي، ولا يحلمون إلا بدور الـ"صاحب" أو المرافق المحلي للبطل الأميركي (موفد المخابرات البطل أو الصحفي أو المغامر المستكشِف في فيلم هوليوودي) يصابون بالإحراج تحديدا من مواقف تركيا الجريئة المنحازة للقضايا العربية والمعبَّر عنها مؤخرا. ويرغبون في تحجيمها، أو التقليل من شأنها، خاصة إزاء الإداء التركي الرصين والمجتمع مع الاحترام الذاتي، وخاصة أنه يترجم حالا على المستوى الشعبي إلى كرامة تركية مقابل ذل رسمي عربي. ويجري التشكيك بالموقف التركي بواسطة السخرية، وهي سلاح يفتك بصاحبه، خاصة إذا كانت تعبيرا عن مرارة أو حتى "غيرة شخصية" ( لا أشك بوجودها لدى بعض الحكام العرب إلا إذا نسينا أن الحكام بشر ودنيويون جدا). كما يجري التشكيك بوصف هذه المواقف مجرد تعبير عن مصلحة تركية، وكأنها لا تحمل جديدا سوى الرغبة التركية بالزعامة ولعب دور قيادي.

يثبت هذا الموقف المتبرم من الإداء التركي أن اعتراض هذه القوى العربية على المقاومة لم يكن في يوم من الأيام نابعا من كونها تؤيد الكفاح السلمي المدني، بل لأنها وضعت نفسها في موقع سياسي يعادي أي موقف كفاحي. واعتراض أصحاب هذه المواقف على القوى العربية المؤيدة للمقاومة ليس ناجما عن كونهم يؤيدون الديمقراطية وينفرون من الاستبداد، ولا حتى عن كونهم يؤيدون الواقعية ويرفضون السياسات المغامرة. فتركيا دولة ديمقراطية بمقاييس منطقتنا بالتأكيد. ونحن نجازف بالذهاب حد القول أنه حين تتحقق الديمقراطية في الدولة العربية فسوف يصعب أن تبدو أفضل من التركية، وسوف يشقّ عليها أن تكون أكثر علمانية من تركيا الحالية. وخلافا لما يحلم به بعض المثقفين العرب سوف يلعب الدين في أحزابها الديمقراطية، إذا نشأت وخاضت تحدي الحكم، دورا لا يقل أهمية عن دوره في حزب العدالة والتنمية. وهو بالمناسبة ليس حزبا دينيا ولا إسلاميا بموجب تعريفه لذاته. وهذا التعريف الذاتي ليس "تقية"، كما يدعي (بتحبب!!) بعض الأخوة الإسلاميين الذي يحملّون الحزب بعضا من أمنياتهم. فحزب العدالة والتنمية هو حزب إسلامي إذا أخذنا رؤيته للإسلام كهوية ثقافية حضارية يريدها لبلاده كي تستعيد توازنها وتحقق طاقاتها الكامنة. وتركيا هي أيضا دولة حليف للولايات المتحدة، وعضو في حلف الناتو. والواقعة الأخيرة، واقعة الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية المدعوم من تركيا، والتي أدت إلى التصعيد، هي عبارة عن عدوان إسرائيلي على نضال سلمي مدني كلاسيكي، وليس على عملية مسلحة.

كنا نعرف الجواب على هذه الحيرة. فنقّاد المقاومة عربيا غالبا ما يتشدقون بالديمقراطية سياسيا، ولكنهم في الواقع ليسوا ديمقراطيين. ويتشدقون بالنضال السلمي، ولكن النضال السلمي الفعلي يحرجهم، والواقع أنهم ضد أي نضال، بما في ذلك الخروج في مظاهرة حقيقية ( اقصد مظاهرة وليس "بيكنيك" مصور للعلاقات العامة) أو انتفاضة شعبية ضد إسرائيل. وإلا لكانت تعممت نماذج قرى بلعين ونعلين النضالية بين مروجي التسوية. مؤيدو التسوية المناهضون لمقاومة الاحتلال ينفرون أيضا من أي خلاف مع الولايات المتحدة حتى لو جاء من موقع الحليف، فالنموذج الذي يريدونه هو التبعية الكاملة. كنا نعرف ذلك. ولكن الأحداث تعود لتؤكده.

باختصار لدينا أمة بلا قيادة، تسقط إحباطتها وخيباتها وأمانيها على الدور التركي، وقيادات عربية رسمية لا علاقة بها بمنطق الدول. وتشكّك بأي دولة تتصرف كدولة أو تقدم نموذجا مختلفا لطريقة ومنطق الأسر الحاكمة في التعامل مع القضايا.

يترك هذا الوضع القائم على مستوى التعامل مع الرأي العام العربي تحديدا، مجالا ضيقا للتحليل العلمي للدور التركي. ومع ذلك سوف نحاول في هذا الطرح القصير تحليلا عقلانيا للدور التركي الحالي في سياق الصراع العربي الاسرائيلي.


في العالم 1949 كانت تركيا أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل. ووصل بها خيار التحالف مع الغرب أن أرسلت بضع وحداتها إلى كوريا رمزيا الى جانب الولايات المتحدة (التي حاربت بعلم الأمم المتحدة في حينه)، كما كان واضحا أنها جزء من التحالفات المحيطة بالعرب والمعادية لحركتهم القومية... وقد نشطت دول المحيط هذه: باكستان وإيران وتركيا في إقامة حلف السنتو في الخمسينيات.

وتحولت فعلا الى قوى متعاونة مع إسرائيل (ربما لا ينطبق هذا التعميم على باكستان، ولكنه انطبق على أثيوبيا على التخوم الجنوبية الغربية للأمة).

وقد شملت العلاقات تعاونا ثقافيا واقتصاديا وعسكريا. وما زالت هنالك في شرق تركيا نقاط مراقبة وتنصت مخابراتية إسرائيلية على إيران حتى يومنا (حسب الصحف الإسرائيلية)... وقد كانت العلاقات التركية السورية متوترة دائما على خلفية الصراع التاريخي على بلاد الشام، وباحتلال وضم إقليم الاسكندرون من قبل تركيا، وبالموقف التركي من الوحدة السورية المصرية وتهديدات تركيا المستمرة لسوريا، ودعم سوريا لحزب العمال الديمقراطي الكردستاني الذي انتهى بتهديدات تركية حربجية مؤثرة في نهاية فترة حكم الرئيس حافظ الأسد. كما أدى التدخل التركي المتكرر في شمال العراق في ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبناء السدود على دجلة والفرات الى توترات مع العراق وسوريا في التسعينيات.

ومؤخرا نشر بالتفصيل أن الطائرات الإسرائيلية التي قصفت موقع دير الزور السوري في سبتمبر ايلول 2007 بادعاء أن فيه تجري محاولة إقامة مفاعل نووي قد حلّقت عبر الأجواء التركية، وما ذلك الا من بقايا العلاقة العسكرية التركية الاسرائيلية التي توّجها اتفاق التعاون الاستراتيجي من العام 1996. وأشك في هذه الحالة أن يكون الجيش التركي قد أعلم السياسيين من حزب العدالة والتنمية، بإتاحته استخدام الأجواء التركية للطائرات الاسرائيلية، هذا إذا كان قد سمح بذلك فعلا.

عندما وصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم بعد فشل تجربة الرفاه وأعاد تعريف ذاته، كان أول امتحان له هو احتماء حكومته بأغلبيتها البرلمانية من طلب الولايات المتحدة عام 2003 استخدام الاراضي التركية للهجوم على العراق. لقد تمكن من رفض هذا الطلب الأميركي محتميا بإجراء ديمقراطي حقيقي وقواعد شعبية فعلية. هذا السلوك الجديد لحليف مشرقي للولايات المتحدة سوف يشكل عينة تمثيلية عن سلوكه السياسي، إنه يستخدم الديمقراطية كتعبير عن الإرادة السيادية لرفض التبعية للولايات المتحدة. وربما كان ذلك أهم ما يجدر بالرأي العام العربي الاستفادة منه في هذه التجربة التركية المشرقية الرائدة.

بعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي نُظِّم بقيادة جمعيات أهلية تركية وبدعم من القوى الإسلامية من قواعد حزبي "العدالة والتنمية" و"السعادة" في تركيا واستشهاد 9 من النشطاء الأتراك على السفينة مرمرة، شهدت المنطقة والعالم على مستوى مجلس الأمن تسارعا في تدهور العلاقة التركية الإسرائيلية. ولا شك أن هذا التصعيد قد واصل تفاقما أزمة تشوب العلاقة بين الطرفين. ومن هنا تسربت الى التحليلات العربية نزعة لقراءة هذا التدهور كخط متصاعد ومستمر منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم عام 2002. وغالبا ما تعدد الوقائع التالية في هذه القراءة:

1. تصريحات أردوغان منذ بداية فترته الثانية والتي تكرر ربط تطوير العلاقة التركية مع إسرائيل بمدى إحراز تقدم في عملية السلام. وتعليقا على هذا الدليل الذي يُجلَب لإثبات كون التدهور قديم نقول: صحيح أن هذه التصريحات أغضبت إسرائيل. ولكنها أتت في سياق البحث عن دور تركي سياسي يتلاءم مع إدراك تركيا لدورها الجديد بوجود حزب العدالة والتنمية في الحكم، وهو دور يتطلب موقفا أكثر توازنا بين العرب وإسرائيل بدل الانحياز للموقف الإسرائيلي، والتسليم بأن عملية السلام هي احتكار أميركي.

2. تطوّر العلاقات التركية السورية بشكل لافت. وقد تحوّل الدور من محاولة تركية فعلية للوساطة. وهو ما شجعته إسرائيل والولايات المتحدة بتمكين تركيا من لعبه رغبة منها بوجود قائد معتدل ذي مصداقية للعالم الإسلامي، ولإبعاد سوريا عن إيران. ولكن دور تركيا فُهِم على أنه ينحاز بالتدريج إلى الموقف السوري، وفي الوقت ذاته لا ينجح، وربما في الواقع لا يرغب بإبعاد سوريا عن إيران.

3. استقبال مجموعة من قيادات حماس بعد فوزها بالانتخابات التشريعية وتشكيل (الحكومة الفلسطينية) في عام 2006. وهو استقبال لم تعقبه اجتماعات على أعلى مستوى، وتوقفت الدعوات منذ أحداث غزة وانهيار حكومة الوحدة الوطنية. وكان واضحا أنه بالاتصال مع حماس استثمرت تركيا رمزيا وجود حزب ذي طابع إسلامي على الأقل في الحكم. وراهنت على إمكانية أن تلعب دور الوسيط في المستقبل. فهي حاولت علنا إقناع الغرب وحماس في الوقت ذاته بضرورة إشراك ومشاركة حماس في ما يسمى بـ"عملية السلام".

4. واقعة الصدام بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس في نهاية كانون الثاني 2010 حين حاول الأخير تبرير العدوان الإسرائيلي على غزة أمام رئيس حكومة تركي شعر بالإهانة والخداع لأن رئيس الحكومة الإسرائيلي إيهود أولمرت زاره في أنقرة في 22 كانون الأول ديسمبر 2008 قبل يوم واحد من العدوان على غزة دون أن يطلعه على الأمر، وقد شعر أنه طعن في ظهره لأنه الوسيط المتورط في عملية تفاوض جارية مع سوريا، إذ لا بد أن يفشلها هذا العدوان. هذه الواقعة مهمة طبعا ليس بحد ذاتها بل لأنها أول مؤشر على حصول تحوّل حقيقي. فمنذ العدوان الإسرائيلي على غزة تتطورت ديناميكية سلبية في العلاقات بين الطرفين. ولا نعتقد أن هذه الديناميكية كانت خيارا تركيا واعيا منذ البداية. لم يكن هذا تطورا حتميا للأمور، بل كانت له علاقة مباشرة بالغطرسة الإسرائيلية، وبعدم قدرة قباطنة الكيان الصهيوني على فهم ما يجري في دولة حقيقية من جدلية بين القواعد الشعبية لحزب حقيقي، وبين قيادة الحزب من جهة، وتطور العلاقة مع العالم العربي من جهة أخرى.

من هنا استمرت إسرائيل في نهجها عبر ما تعرّض له السفير التركي في إسرائيل حين استدعاه نائب وزير الخارجية إلى مبنى الوزارة، حيث تعامل معه بطريقة مسيئة وخارجة عن الأعراف الدبلوماسية. كانت هذه حماقة ناجمة عن الغرور وفرصة جديدة لأردوغان ليس فقط لتمثيل الخيار الإسلامي الشرقي على مستوى هوية تركيا، بل أيضا الكبرياء القومي التركي، ما وسع قاعدته الشعبية وأدى لإحراج أحزاب اليمين العلمانية التركية المؤيدة لعلاقة أوثق مع إسرائيل... لقد اضطرت جميعها أن تدين السلوك الإسرائيلي من منطلق كرامة تركيا.

وبعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية ألقى أردوغان خطابا في مجلس الشعب التركي اعتبر فيه الجريمة الإسرائيلية وقتل 9 من الأتراك كـ "عمل دنيء وغير مقبول" وأن عليها دفع ثمن ذلك، كما اعتبر رئيس تركيا عبد الله غول أن العلاقات التركية الإسرائيلية لن تعود الى ما كانت عليه قبل هذا الاعتداء. واستدعت تركيا سفيرها من إسرائيل، وألغت مناورات عسكرية كان من المقرر إجراؤها. ومن الجدير ذكره أن لسحب السفير التركي من تل ابيب سوابق. ففي عام 1982 سحبت تركيا سفيرها احتجاجا على الحرب على لبنان، وقد احتاج الأمر عشر سنوات لإعادته. لقد حصل تدهور جدي في العلاقات. وارتفعت النبرة الرسمية التركية الناقدة لإسرائيل، ورافقتها عملية تعبئة للرأي العام التركي قامت بها قواعد الحزب.

قراءة التدهور في العلاقات كأنه تعبير عن خيار إيديولوجي سابق ومعد سلفا ويبحث عن فرص للتصعيد هو برأينا تعبير عن فهم إيديولوجي عربي محمّل بالأمنيات، أو ما أسميه "خطاب التمني". وفيما عدا تجاهلهم سياقات الأحداث المنفردة (التي حاولنا وضع الوقائع أعلاه في إطارها، في محاولة لفهم الوقائع التي تكرر خارج السياق كإثبات لموقف إيديولوجي وليس فرضية بحثية) فإن أصحاب هذه القراءة للموقف التركي كأنه استعادة لأمجاد الامبراطورية العثمانية يتجاهلون وقائع أخرى حدثت منذ تولي العدالة والتنمية الحكم بجدارة وكفاءة في تركيا. وهي وقائع تؤكد نظرية ازدياد أهمية ووزن تركيا، وتنامي الوعي السياسي لهذه الأهمية في عهد العدالة والتنمية. كما تؤكد برأينا أنه في البداية رغب حزب العدالة والتنمية في ترتيب العلاقات مع إسرائيل لا تخريبها. فنظرية تصفير المشاكل مع الجيران، التي جاء بها وزير الخارجية الحالي أحمد داوود أوغلو لتمكين تركيا من تظهير طاقتها وإمكانياتها الحقيقية، تشمل فيما تشمل أرمينيا واليونان وسوريا واسرائيل، ودول آسيا الوسطى طبعا.

لقد رغبت تركيا العدالة والتنمية بتطوير العلاقات مع إسرائيل ومع العالم العربي لتتمكن من لعب دور سياسي يتلاءم مع حجمها ومع تمثيلها لخيار سياسي شعبي. وهذا الخيار السياسي الشعبي يتضمن رغبة بمواقف سيادية تركية غير تابعة لأميركا، وغاضبة على أوروبا، وليست في جيب إسرائيل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقة مع العرب.

لقد تضاعف حجم التبادل التجاري مع إسرائيل في عهد أردوغان، كما وقعت العديد من اتفاقيات التعاون العسكري والاقتصادي بين الطرفين. ولكن التبادل التجاري مع العرب تضاعف عدة مرات أيضا.

وبحسب مركز الاحصاءات التركي، فان حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل والعرب هو على الشكل الاتي:

* في العام 2002 بلغ حجم التبادل التجاري مع إسرائيل1.33 مليار، ومع العرب 5 مليار
* في العام 2008 بلغ حجم التبادل التجاري مع إسرائيل 1.9 مليار، ومع العرب 37 مليار
* في العام 2009 بلغ حجم التبادل التجاري مع إسرائيل2.58 مليار، ومع العرب 30 مليار

يوجد حاليا 200 شركة عربية في تركيا يبلغ حجم استثماراتها في تركيا 6.2 مليار دولار.

في صيف عام 2005 استضافت تركيا أول اتصالات علنية رسمية بين باكستان وإسرائيل. (وزير الخارجية الباكستاني خورشيد قصوري مع وزير الخارجية سيلفان شالوم). لقد رتب اردوغان الموضوع شخصيا بناء على طلب حاكم باكستان في حينه الجنرال مشرف بعد أن وفّر الانسحاب الإسرائيلي من غزة حجة لمشرف للقيام بذلك.

وفي بداية العهد الثاني للعدالة والتنمية ، في تشرين الثاني 2007، ألقى شمعون بيرس خطابا بالعبرية في البرلمان التركي، هو أول خطاب لرئيس إسرائيلي أمام برلمان دولة ذات غالبية مسلمة.

ومع تجديد المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية في اسطنبول في العام 2008 بدا أن تركيا تستثمر علاقاتها مع الجميع بمنتهى الذكاء للعب دور سياسي وسيط وعظيم الأهمية. وقد برز وزن تركيا الجديد في اختيار أوباما برلمانها منصة لإلقاء خطاب يوم 6 نيسان 2009 ( ما أثار حفيظة النظام في مصر طبعا. وقد تجلى له فجأة أن الدور التركي الأكثر استقلالية عن أميركا يحظى باحترام أميركي أكبر. كما أنه من الأكثر منطقية أن يلقي الرئيس الأميركي كلمته في برلمان دولة إسلامية يسود فيها نموذج ديمقراطي برلماني كما يعرفه الغرب. وبعد شهرين خاطب أوباما العالم الإسلامي، حسب الصورة التي رغبت الدعاية الأميركية انتاجها للخطاب، من القاهرة في حزيران 2009.).


لا شك أن الهجوم الإسرائيلي على غزة بعد أقل من يوم من زيارة أولمرت الى تركيا قد شكَّل نقطة تحول. وقد سبقها توثق في العلاقات السورية التركية أيضا. ومع انهيار سياسة المحافظين الجدد في المنطقة وأزمة عكاكيز النظام الأميركي العربية تجلت مساحة واسعة فارغة للعب دور أقوى على الساحة العربية ما تطلب أخذ مسافة أبعد من إسرائيل، وما أدى الى حساسية الدول العربية التي لا ترغب بقواعد لعبة جديدة يفرضها مشارك جديد قوي ويحظى باحترام الولايات المتحدة ويحظى بشعبية في الشارع العربي والإسلامي.

إضافة إلى ذلك فقد وقع ما كانت تخشاه تركيا، وهو تنامي الدور الذي يلعبة إقليم كردستان شبه المستقل في العراق، ما وسَّع من مساحة الهموم المشتركة مع إيران وسوريا، فهذه الدول تخشى من دور كردي فيها تتحكم فيه عوامل دولية، خاصة وأن إسرائيل تدعم بشكل واضح أحزاب كردية تعمل في إيران، كما أن هنالك شبكة علاقات واسعة لإسرائيل وأجهزتها الأمنية في إقليم كردستان العراق.

ولكن العامل الرئيسي برأينا والذي لم يفهمه الإسرائيليون أن حزب العدالة والتنمية هو ليس فقط حزبا بالمعنى الحديث للكلمة، لديه قواعده ورأية العام الخاص به من ضمن الرأي العام التركي، بل هو الحزب التركي الأكثر قربا لمفهوم الحزب والأكثر اعتمادا على رأيه العام من بين الأحزاب التركية الحاكمة جميعا. فهو ما زال غير قادر على الاعتماد على مصادر قوة متجذرة في جهاز الدولة. وما زال جهاز الدولة مسرح صراع بالنسبة له حيث يواصل مكافحة الفساد منذ قدَّم كل من مسعود يلماظ وطانسو تشيلر للمحاكمة بتهم الفساد، وحيث يواصل مجابهته الفريدة والتدريجية مع الجهاز العسكري ومع جهاز القضاء حامي حمى النظام الأتاتوركي، والذي يعترض على قوانين تسنّها غالبيته البرلمانية،. ويتراوح موقف الجهازين من وجود العدالة والتنمية في السلطة بين التحفظ والعداء.

والحزب مضطر أكثر من أي حزب آخر للاعتماد على الرأي العام وعلى قوته في المجتمع المدني بالمعنى التقليدي للكلمة، أي بمعنى اقتصاد السوق والمجتمع الذي يعيد إنتاج نفسه خارج علاقات القسر الدولتية.

لقد بدأ خيار الانفتاح على الشرق من قبل نظام السوق التركي في الثمانينات، ولكنه ترسّخ في فترة تورغوت أوزال الذي مثّل طموح رأس المال التركي للاستثمار والتوسع بشكل براغماتي الى درجة محاولة التخفف من الإيديولوجيات بما فيها العلمانية المغالية. وقد فاز حزب أوزال، "حزب الوطن" بأغلبية الأصوات عام 1987، وقد شمل لبراليين وقوميين وعلمانيين وإسلاميين. وكانت تلك هي المرحلة التي سبقت الأزمة التي أدت الى تحالف اربكان (حزب الرفاه) مع تشيلر، ثم قبول تشيلر بعد أزمة الفساد التي لاحقتها بأربكان رئيسا للحكومة. وبعدها قام الجيش بحل البرلمان. وفي العام 1994 فاز الحزب بـ19% من الأصوات في الانتخابات المحلية بما في ذلك رئاسة بلدية اسطنبول. وعرف حينها الشاب رجب طيب اردوغان. الذي تابع الرهان بعد منع حزب الرفاه، وإقامة العدالة والتنمية وانتخابه رئيسا للحكومة عام 2002. وقد وطّد حكمه طيلة العقد الأول من هذا القرن.

لقد حققت سياسة الحزب الاقتصادية إنجازات كبرى على مستوى النمو ومكافحة التضخم وارتفاع دخل الفرد وعلى مستوى جباية الضرائب ما مكّنه من اتباع سياسة اجتماعية في دعم الفئات الفقيرة في تركيا. و في عهده تحول الاقتصاد التركي من اقتصاد فاشل الى اقتصاد متطور (الثالث بعد الصين والهند في نسب النمو) وتغلب على التضخم المريع، وجرت مكافحة الفساد بمثابرة وتم تقليص الديون للخارج وارتفعت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار..
لقد أكسبت النجاحات الاقتصادية الحزب حلفاء جدد على مستوى الطبقات التي غالبا ما دعمت الأحزاب العلمانية المتشددة، خاصة لقدرته على الجمع بين توسيع الحريات المدنية وارتفاع مستوى المعيشة والنمو الاقتصادي بشكل عام واتباع سياسة سلمية منفتحة داخليا تشمل الاهتمام بالمناطق الكردية، والسماح للأكراد باستخدام لغتهم لغرض احتوائهم وعزل العنف السياسي.

ولكن بالإضافة إلى هذه المنجزات علينا ان نرى أن القاعدة الاجتماعية للحزب هي أيضا صاحبة خيار على مستوى الهوية، هوية تركيا.

وقد شكلت سياسة الحزب حالة توفيقية من قبول قواعد اللعبة التي وضعت في عهد أتاتورك والمتعلقة بالوطنية التركية، وفصل الدين عن الدولة أو تحييد الدولة دينيا من جهة وبين خيار شرقي إسلامي على مستوى الهوية التركية. وهو خيار متعايش مع الحريات المدنية ويحترمها، ومتعايش مع علمانية النظام. وتظهر الاستطلاعات موقفا حادا من السياسات الاميركية مع تمسك بالديمقراطية، وغالبية تؤيد السماح بالحجاب في الجامعات، ولكن نفس هذه الغالبية تؤيد استمرار تحييد الدولة في الشأن الديني، ولا تتحسس من السفور. ولا شك أن تعبيراتِ تَمَيُّزِه لا بد أن تظهر على مستوى الهوية الشرقية الإسلامية لتركيا. خاصة بعد اتضاح حقيقة الموقف الأوروبي من ضم تركيا الى الاتحاد.

وهكذا نرى أن غالبية خلافات تركيا الأخيرة مع إسرائيل بدأت على مستوى الرأي العام في قواعد الحزب الاجتماعية، إن كان ذلك على مستوى التضامن مع غزة أثناء الحرب، أو الغضب الشعبي على كيفية تعامل إسرائيل مع السفير التركي، وأخيرا المبادرات الأهلية لتسيير سفن كسر الحصار.

لم تصبح خيارات حزب العدالة والتنمية الداخلية والخارجية خيارات دولة بعد. فهي ما زالت خيارات حزب سياسي في الحكم. أي لم تصبح من القضايا المسلم بها من قبل جهاز الدولة. وكمثال على خيارات الدولة، فإن المسلمات التي يعمل على أساسها الحزب الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة والمتعلقة بالأمن القومي الأميركي والنظام الرأسمالي والليبرالية السياسية هي خيارات دولة. وكذلك التسليم من قبل كافة الأحزاب التركية بما فيها حزب العدالة والتنمية بعلمانية الدولة، هي دليل على أن العلمانية هي خيار دولة ويسعى حزب العدالة والتنمية الى تخفيف حدتها، بنجاح برأينا حتى الآن... أما الإضافة التي يجلبها حزب العدالة لناحية أن تولي تركيا وجهها شرقا، وأن تعمل كدولة وطنية مستقلة الإرادة في القضايا الإقليمية بما فيها العراق وفلسطين وإيران، فما زالت خيارات حزب حاكم. ولم تصبح بعد خيار الدولة. ومن الواضح أن فئات اجتماعية اوسع اصبحت قادرة على تقبلها، وأن جهاز الدولة نفسه يتغيّر تدريجيا لصالحها كلما طالت مدة الحزب في الحكم. ولنتخيل كيف سيبدو الجيش وجهاز القضاء بعد فترة أخرى أو اثنتين من حكم الحزب.

من هنا فإن السياسة الخارجية التركية بما في ذلك تجاه العرب وقضية فلسطين ترتكز الى موقف الأكثرية في بلد ديمقراطي. وهذا يعني:

أ. مصداقية الموقف التركي المنطلق من تصور لمصلحة تركيا وهويتها على قاعدة رأي عام وقواعد شعبية فاعلة في انتخابات مقبلة كما فعلت في انتخابات سابقة. ولا بد أن يقنعها الحزب الحاكم أن مواقفه تتلاءم ليس فقط مع برنامجه الذي انتخب على أساسه، بل أيضا مع مصالحها ومع مصالح تركيا العليا.

ب. تولد موقف تركي معارض لهذه المواقف ناجم إما عن التنافس الحزبي وإما عن اختلاف تعريف هوية ومصالح تركيا، أو عن كليهما.

ج. اضطرار الحزب للتوفيق بين موقفه وقدرة الدولة على الاستيعاب وأيضا قدرة الرأي العام التركي والعملية الديمقراطية على استيعاب الموقف، فهما مصادر قوة الحزب الرئيسية. وهو في النهاية حزب سياسي في دولة وطنية. وهو لا يحاول أن يتحول إلى حزب قائد يستند إلى توافقات بين إثنيات وطوائف في امبراطورية، ولا أن يكون حزبا قائدا في العالم العربي. وهو يمثّل الرأي العام التركي ويسعى لأن تصبح خياراته الرئيسية خيارات دولة، خيارات إجماع، كما قَبِل هو قواعد لعبة الدولة الديمقراطية العلمانية وانتخب على أساسها.
ونختم من حيث بدأنا. الأصل في العلاقة العربية التركية من الزاوية العربية هو ليس ما تريده تركيا، فهذا أمر يمكن ارتكاب أخطاء طفيفة بشأنه لو استمع المرء للمسؤولين الأتراك مع بعض المعلومات التاريخية ومع إعمال العقل قليلا. فهنالك دولة تركيا، لها مواقف ومصالح، ويجري فيها صراع واضح المعالم. ولكن المشكلة في معرفة ماذا يريد العرب. إذ لا توجد دولة عربية ولا كيان سياسي عربي موحد يعبر عن إرادة عربية أو حتى عن خلافات وصراع عربي واضح المعالم، وهنالك كمية من الخيبات والإحباطات تشوش الرؤية العربية لحقيقة الموقف التركي أيضا.

وبرأينا سوف يلحق هذا الأمر الضرر ليس فقط بالعرب بل أيضا بقضية تقدم وتطوير الموقف التركي. وهنالك اصلا مشكلة تواجه تركيا حتى عندما ترغب برفع سقف مطالبها ونبرة خطابها بشأن حصار غزة، أن دولا عربية تعارض ذلك، وكأنها تطلب من تركيا أن لا تكلف نفسها عناء التدخل وأن تكف عنهم تدخلها لصالح العرب. وطبعا لا يستبعد المرء بناء على التجربة أن تشكو بعض الدولة العربية الموقف التركي للمعلم الأميركي لأنه يحرجها أمام شعوبها.

وتستجد ثانيا مشكلة أخرى مع من يريد أن يزعِّم تركيا عربيا. وهذا مخالف لرغبتها. لا ترغب تركيا أن تقود محور ممانعة ومقاومة، والتعامل معها على هذا الأساس يخلق لحزب العدالة والتنمية مشكلة فعلية في مواجهة الأحزاب الأخرى وجهاز الدولة، ويسهِّل عليها اتهامه أنه يبعد الدولة عن أجنداتها، وأنه يجر دولة وطنية لأن تكون عربية أكثر مما يريد بعض العرب ان يكونوا.

وثالثا وأخيرا. تبرز مشكلة مع من يقلِّد دور تركيا فيتراجع بذلك في حين تقدمت هي. نموذج الخلاف التركي الإسرائيلي بما فيه صراع المجتمع التركي بالطرق السلمية ضد إسرائيل، هو خلاف وصراع يليقان بدولة في حالة سلام مع إسرائيل. وهو مؤثر لانه يدور في هذا الإطار. هذه خصوصيته. أما إذا اتبعت هذه اللغة وهذا الأسلوب دول وحركات هي في حالة حرب مع إسرائيل، أو هكذا يفترض أن تكون، فإنه لن يؤثر. فوسائل تأثيره حركات (المقاومة والدول) في حالة الحرب هي وسائل مختلفة تماما، وعليها أن تمارسها، أو تصبر إلى أن تمارسها. أما تقليد الخطاب والأسلوب التركيين فيعتبر تراجعا بالنسبة لها، وسوف يقودها في النهاية الى تراجعات حتى على مستوى الخطاب.

لا بد من رؤية أهمية التحالف مع تركيا، مع فهم خصوصيتها. ولكن التحالف لا يعني أن نفرض على تركيا فهمنا وتصورنا لها، بل ان نتركها تدير صراعاتها كما ترى، وأن نقدم المشورة حين تطلب منا. وان نعبر عن كلمة وتقدير وعرفان حتى حين لا يطلب ذلك.