حول تناقض مزعوم..

حول تناقض مزعوم..


يشغل الشأن السوري، أو شأن المسار التفاوضي المعطل مع سوريا، الرأي العام الإسرائيلي بشكل غير مسبوق منذ أن توقفت تلك المفاوضات في اجتماع الرئيس حافظ الأسد بكلينتون في جنيف، نتيجة لتنكر باراك لعهوده ولعهود غيره ممن سبقوه في رئاسة الحكومة.

ولا شك أن لعودة الاهتمام علاقة بهزيمة إسرائيل وفشلها في تحقيق أهدافها في الحرب على لبنان، وقناعة فئات واسعة أن إسرائيل فوتت فرصة عام 1999، وأنها انكشفت في الحرب لتفكير سوري متعلق بالمقاومة كاستراتيجية دولة. ولا شك أن سوريا التي لم تتفاجأ من أداء المقاومة قد درست الأداء الإسرائيلي في العدوان الأخير على لبنان. إضافة إلى ذلك فإن الخطاب السوري الرسمي المتجسد في تصريحات وخطابات رئيس الجمهورية بعد الحرب يؤكد على الرغبة في السلام وعلى خيار المقاومة في حالة رفض السلام العادل. واضح أنه يخير إسرائيل إذا. ومهما ادعت إسرائيل وجود تناقض في هذه التصريحات، فإنها ليست متناقضة بل متكاملة. وبالعكس، لقد كمن التناقض في دعوة دولة مثل إسرائيل إلى خيار السلام مع إعلان العجز العربي عن تحقيقه، أي دون التسلح ببدائل للتوصل إلى نفس الهدف. هذا التخيير بين السلام وبدائل أخرى هو الدافع إلى الاهتمام الإسرائيلي الحالي غير المسبوق حول ضرورة التفاوض مع سوريا.

ويعير بعض المعلقين العرب اهتماما زائدا للتناقض في التصريحات بين قيادة الاستخبارات العسكرية والموساد والخارجية الإسرائيلية وغيرها. ومرة أخرى لا تناقض، بل غياب للقرار السياسي لبدء مفاوضات مع سوريا. فالحكومة الإسرائيلية الضعيفة الحالية غير قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية من نوع تفكيك مستوطنات الجولان، وهي تتذرع علنا بأن الملف السوري بيد أميركا، وهذا صحيح. ولو رغبت إسرائيل بتغييرٍ في هذا السياق تحديدا لسهل عليها إقناع أميركا.
ولكنها تفضل الهمس بين وزرائها أن الملف بيد أميركا منذ أن رفضت سوريا شروط كولن باول للحوار، ومنذ ان عارضت بشدة الحرب الأميركية البريطانية على العراق. وهذا مريح لإسرائيل تتذرع به حين ترغب، وتحمل أميركا المسؤولية حين ترغب.
وأميركا حاليا ترى تناقضا بين فتح مفاوضات ذات معنى مع سوريا، وبين استمرار محاولاتها لعزل سوريا وابتزاز نظامها للعب دور "بناء" في العراق ولبنان وفلسطين، بما في ذلك التسليم بنقل لبنان إلى الحظيرة الأميركية، والتسليم بتحويله إلى منصة دولية للتآمر والتدخل في شؤون سوريا.

ولا شك أن تقرير بيكر هاملتون قد أفاد سوريا في هذا السياق على مستوى الرأي العام وحتى الكونجرس، ولكن ما زالت الإدارة الأميركية الحالية تسابق الزمن لحسم صراعات مفتوحة في لبنان وفلسطين، وكلها تتطلب برأيها محاصرة سوريا وابتزازها. والأدوات لذلك معروفة، ولكن ما يزعج أميركا وإسرائيل أن الفعالية السياسية الهجومية ومحاولة كسر الحصار والنبرة العالية باتت استراتيجية الصمود السورية في وجه هذه الأدوات... ومنذ اعتماد تلك الاستراتيجية وسوريا تحقق تقدما في كسر الحصار.

أولمرت وبلير وبوش، سوية وكل على حدة، بحاجة إلى مسار تفاوضي في المنطقة بعد الورطة في العراق ولبنان، وليس الى حل. ولذلك يتم "تفعيل" و"تنشيط" المسار الفلسطيني... وهذا هو أيضا سبب التصعيد الداخلي الحالي ضد الحكومة الفلسطينية. أما المسار السوري فليس مادة للتنشيط والتفعيل، ولا يفتح دون حل، ولا يوجد مدمنو مفاوضات مع إسرائيل في الجانب السوري يحتاجون الى جرعة تفاوضية كل بضعة أشهر. ومن ناحية إسرائيل فإن فتح المسار التفاوضي مع سوريا يتناقض مع مخططات أخرى ضد سوريا.

وفي غياب القرار السياسي في إسرائيل لا يبقى إلا سيرك اللجان البرلمانية يبحث الصحافيون فيها عن تصريح هنا وتصريح هناك لهيئات ترصد وتقدم تقارير ولا تصنع القرار. ويبدو أنه عندما يرصد الإسرائيليون سوريا اليوم فإنهم يجدون فعلا الأمرين معا، شقي المعادلة المطروحة مؤخرا. وهذا ليس تناقضا بل توافقا بين القول والفعل. وصانع القرار الإسرائيلي لا يرى هنا عدم جدية، ونعتقد أن صناع القرار في إسرائيل محرجون لأنهم يعرفون أن الأمر جدي، إذ يرى الراصد أن هنالك تحركاً رسمياً سورياً إعلامياً غير مسبوق على أعلى مستوى ترافقه حركة دبلوماسية. ولا شك أن هنالك أيضا من يرصد تطورا سوريا في التسلح والإعداد بعد عزل عصابة ثلاثية عطلت بناء الجيش والحياة العامة وانشغلت بالفساد والإفساد في سوريا ولبنان لمدة سنوات، وقاومت الإصلاح في كليهما.

يعرف الإسرائيليون إذا أن الكلام عن السلام العادل على أساس استرجاع الأرض التي احتلت عام 1967 "كلام جد"، والكلام عن المقاومة جدي أيضا.

والكلام هو عن تفاوض يتم على أساس استكمال مفاوضات بدأت وتوقفت، وليس عودة إلى خانة الصفر، وهذا، أي استكمال المفاوضات، هو ما تعتبره سوريا أمرا طبيعيا وليس شروطا. وقد تخلت عن كلمة شروط في خطابها الإعلامي، ولكنها لم تتخل عن الأساس لأية تسوية... (فلنسمه أساس التفاوض بدل شرط التفاوض. وهذه تسمية أقوى من شرط، لأن الأساس أمر مفروغ منه) وهو استرجاع الأراضي التي احتلت عام 1967 كاملة غير منقوصة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018