وهم التعامل مع الدين والتدين كأداة../ د.عزمي بشارة

وهم التعامل مع الدين والتدين كأداة../ د.عزمي بشارة

أحيانا تثبت التجرية التاريخية ما كان يمكن التوصل اليه بالعقل وحده حتى دون تجربة تاريخية: ان استخدام الدين، والأهم من ذلك استخدام المتدينين،كمجرد أداة هو وهم، بل قد يتحول وهما قاتلا. فالدين، والأهم من ذلك، التدين، وخاصة التدين السياسي، ليس أداة، وبالتأكيد ليس أداة للاستخدام من وجهة نظر المتدين.

تؤمن الحركات الإيديولوجية الشمولية علمانية كانت أم دينية بوحدة التنظيم والإيديولوجية، والنظرية والممارسة، والهدف والوسيلة... ويجب أن تقدم أي خطوة لأتباعها كأنها أداة وهدف في الوقت ذاته. وإذا فرض الواقع فرقا بين النظرية والممارسة، وبين القول والفعل الخ، فهي لا تعتبر ذلك مصدر حرج، ولا حالة يجب تصحيحها وتبريرها، فالوحدة قائمة بأثر قبلي، وهي مؤدلجة أصلا... ولا حاجة لبذل جهد فالتابع لإيديولوجية من هذا النوع يبرر أي فجوة كهذه بوجود مؤامرة لدى الخصم، أو حكمة مخفية لدى قيادته هو. ولا تفهم الفجوة بين القول والفعل القائمة في التعامل مع قوى تكفرها هذه الحركة ولا تقدم كأنها فعل اضطرار، فالحركة التي تطلب التضحية بكل شيء لا تخضع فجأة للاضطرار، بل تطرح الخطوة مهما بدت غريبة كأنها مقصودة تأتي ضمن خطة، ولكن هذا الغرض وهذه الخطة مكنونة في التاريخ أو في نفس الزعيم أو الأمير بحكمته.
خذ مثلا تلقي هذه الحركة دعما ماليا ولوجستيا من قوى تختلف معها!

لا يصعب على قوة سياسية براغماتية، دولة مثلا، أن تبرر دعمها لحركة كهذه لنفسها، ولكن يصعب عليها تبرير مثل هذا الدعم لجمهورها كمجرد أداة وليس هدفاً. وهو أداة لهدف أسمى منفصل عن طبيعة تلك الحركات مثل منع التمدد السوفييتي في حينه، أو إبعاد حركة الشيوعية، أو إضعاف هيمنة أميركا، أو حتى إضعاف خصوم النظام الجديين بواسطة تقديم المعونة والدعم لقوى غير جدية في تهديدها للنظام، ولكن يمكن ان تكون جدية في تهديد خصومه... مثلا دعم القاعدة من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرهما ضد النفوذ السوفييتي في أفغانستان، ثم دعم طالبان من قبل باكستان والسعودية في أفغانستان، ودعم الجماعات الإسلامية في مصر من قبل نظام السادات مباشرة ضد القوميين واليساريين في مصر... أو من الناحية الأخرى دعم السوفييت لقوى قومية متطرفة ومعادية للشيوعية ذاتها للوصول الى الحكم ضد قوى تقليدية ولكنها حليفة لأميركا، أو دعم أنظمة علمانية ويسارية لقوى دينية أصولية في بلدان مجاورة ضد نظام خصم... تعتبر القوى السياسية البراغماتية أو القوى الحاكمة المسألة مسألة نظام يدافع عن نفسه ومصالحه، وهو يفعل هذا سرا، لان مثل هذا التبرير ليس من الفضائل والمناقب المعتد بها، وهو بحاجة أن يبرر نفسه بحرج إذ يعتبر هذا العمل فضيحة عند من يقبض طبيعة النظام او طبيعة القوة السياسية العلمانية أواللبرالية او القومية مثلا بجدية.

ويسهل ذلك على أنظمة براغماتية إذا كانت تتصرف كأنها إيديولوجية، خاصة عندما تكون القوى المدعومة قريبة من إيديولوجية النظام المدعاة، كما في دعم الصين مثلا نظام الخمير الحمر الأسطوري في استعداده لإبادة شعبه في كمبوديا، ودعم طالبان والقاعدة من قبل دولة براغماتية في الدفاع عن مصالحها ولكن تقدم نفسها كصاحبة إيديولوجية قريبة منهما، ويبقى الحرج والفضيحة من نصيب دول تطرح ذاتها كديمقراطية لبرالية ولكنها تتورط في جهد كهذا باستمرار.

على كل حال يبقى الموقف استخدام الآخر كوسيلة مصدر حرج يحتاج الى تبرير وشرح حتى لو عرف الجميع ان هذا التبرير هو مجرد ضريبة تدفع، فلا احد يفاخر بحساباته الباردة وبانعدام الروادع لديه إلى درجة التواطؤ في دعم قوى لا تخضع لقوانينه ومعاييره التي يعممها في دولته عند استخدامها للعنف ضد دول أخرى وضد المدنيين مثلا.

يختلف الموقف تماما من زاوية من يتم استخدامه كأداة. فالحركات التي تستخدم كأداة، إذا كانت شمولية الإيديولوجية، لا ترى اي حق أو حقيقة في سلوك حزب أو نظام أو شخص آخر، ولأنها تعتبر الحقيقة المطلقة في حوزتها فإنها قد ترفض التعاون مع أي طرف، وقد تقبل التعاون مع أي طرف، الأمر سيان، فلا فرق بين هذه الأطراف بالنسبة لها. لا فرق بين قومي ويساري وديني طالما الحقيقة كلها عندها. وبالعكس هي تعتبر عادة الأقرب لها هو الأخطر والأسوأ، وذلك ليس لأنه ينافسها على نفس الجمهور، كما يجري عادة تفسير سلوك قوى متنافسة في عملية انتخابية، بل لأنه ينافسها على نفس الإيديولوجية وعلى نفس الحقيقة وتكمن خطورته في أنه يشوه ويلوث هذه الحقيقة، ولذلك فهي غالبا ما تشتبك بشكل أعنف مع القوى الأقرب لها حتى لو دعمتها في الماضي.

وهي إن تلقت الدعم من طرف لا تتفق معه، فهي تدرك تماما أنه لا يدعمها عن حسن نية أو لأنه يتفق معها، ولذلك فهي تبقى محصنة من التأثر بهذا الدعم. وهي تتلقاه طالما تعتبر انه لصالحها، وطالما كان بالإمكان تفسيره في خدمة الهدف. فمثلا تلقي السلاح من نظام تعتبره عميلا أو تكفره ليس عارا، بل يصب في خدمة هدفها.

كل من يعتقد أنه يستغل حركة إيديولوجية شمولية كأداة لتحقيق أهدافة، مصيره أن يفهم أنهه هو الأداة في يدها. وهي التي تستخدمه وتستخدم دعمه لأهدافها، وهي لن تتورع عن الاصطدام معه إذا لزم. فمن استخدمه السادات لإضعاف القوى التاريخية التي انقلب عليها انقلب عليه عندما اصلب عوده إلى درجة قتله.

ليس صحيحا أن الأنظمة تفتعل مثل هذه الحركات بالمال، فالإيديولوجية لا تُفتعل ولا الإيمان، ولمثل هذه الحركات عادة قواعد اجتماعية او عقيدة أو تاريخ تستند اليه، أو كل هذه العناصر مجتمعة، وهي عناصر لا تشترى ولا تصنع. وهي تستعصي على الاستخدام المحض، حتى لو اعتبرها النظام الذي يستخدمها مجرد وسيلة. ولكن العقل يثبت قبل التاريخ، والتجرية التاريخية تثبت أن هذا الاعتقاد هو ضرب من الغباء. فبنظر من يؤمن بهذه العقيدة أو الإيدلويجية الشمولية ثمة تناقض كامل بين الإيمان ومجرد تسخيره كوسيلة، وهي من طرفها تعتبر مجرد قبولها بدعم نظام تخوِّنه او تكفره مجرد وسيلة لتقوية ذاتها وأهدافها السامية والتي لا يفهمها هؤلاء الذين يقدمون لها الدعم.

هكذا وجدت أميركا نفسها في حرب شاملة مع من اعتقدت انهم يشكلون خصما غير جدي لا ضرر في دعمه ضد خصوم جديين من نوع القومية العربية والأنظمة التحديثية وغيرها من القوى التي تحالفت مع السوفييت في حينه.

في لبنان تكررت هذه اللعبة عشرات المرات ومن قبل قوى ومحاور دولية ودول عربية اتخدت من لبنان حلبة لصراعاتها، أو من قبل قوى طائفية محلية غير أصولية.

ففي إطار سعيها لتجييش طوائفها في الصراع ضد طوائف أخرى وجدت قوى طائفية غير دينية الطابع نفسها تعزز وتشجع حركات أصولية داخل طوائفها. أما الحركات الأصولية فلا تعتبر دعم هذه القوى العلمانية لها الا وسيلة لتقوية ذاتها في الطريق الى تكفير حتى من دعمها، بل أولا من دعمها، لأنها تعتبره منافسا على تفسير نفس الحقيقة التي يشوهها في نظرها.

من قرر ان يحول جمهورا كان يعتبر نفسه مؤلفا من عدة طوائف، او لا يعتبر نفسه طائفة أصلا إلى طائفة واحدة منظمة في مواجهة طوائف أخرى، أو في تعاون معها، لا بد ان يدرك أنه في النهاية سوف يحتاج الى تبرير ديني جامع لها على مستوى الإيديولوجية، وسوف يحتاج الى تنظيمات دينية على مستوى الممارسة، وان هذه الحركات وهذه الإيديولوجية ليست أداة وترفض ان تكون مجرد أداة في يده.

لكي نريح القارئ ونوفر عليه التساؤل نقول: ليس ما ورد آنفا من وحي نهر البارد، ولا هو الدرس الأساسي من الجريمة التي ارتكبت ضد الجيش ثم الكارثة في نهر البارد، بل هو فكرة نقترح الاحتفاظ بها كأداة تحليلية لسياقات مختلفة. فالعبرة الرئيسية من نهر البارد لا تكمن هنا، بل في توريط الدولة، وفي انجلاء السجال الطائفي ليتجلى الفرق بين سلوك حركات المقاومة الوطنية ولو كانت دينية والمسؤولية التي تتحلى بها تجاه الدولة من جهة، وسلوك مليشيا طائفية أو حركات تكفيرية أصولية غير وطنية من جهة أخرى. وهذا الفرق هو ما يريد الطائفيون طمسه بادعاء ان المقاومة هي في الواقع مليشيا أو مجرد حركة أصولية... ولكن هذا موضوع لمقال آخر لا نريد ان نكتبه.