حين يقضي دهاء الطليان على حلم الريمونتادا/ رأفت شعبان

حين يقضي دهاء الطليان على حلم الريمونتادا/ رأفت شعبان
لاعبو يوفنتوس يحتفلون بالتأهل (أ ف ب)

جميعنا نعلم أنَّ 70 بالمئة من تأهُّل اليوفي حُسم منذ إطلاق صافرة النِّهاية لمباراة الذَّهاب، حيث أنَّ برشلونة قدَّم مباراة سيِّئة في الذهاب، قابلها أداء رائع لكتيبة أليغري، الأمر الذي جعل برشلونة يندم إيابًا، عرف من خلالها إنريكي ولاعبوه أنَّ كلمة ريمونتادا ممكن أن تحصل في كلِّ زمان ومكان لكن ليس ضدّ اليوفي.

استراتيجيَّة أليغري في مباراة الإياب

اعتمد أليغري استراتيجيَّتان مهمَّتان قادتا فريقه للتأهل إلى الدور نصف النهائي، فقد كان يعي أنَّه حين تنقضي السّاعة الأولى دون تلقّي هدف، فإن المباراة ستُحسم لمصلحته والتَّأهُّل سيكون من نصيبه كونه يعلم كما يعلم الجميع أنَّ الجهد البدني الذي سيبذله برشلونة خلال السّاعة الأولى لن يكن قادرًا على بذل جهد مماثل له في النِّصف ساعة الأخيرة، خصوصًا بسبب هشاشة خياراته على الدَّكَّة، كما كان يعي أيضًا أنَّ كل دقيقة تمضي دون تلقّي هدف ستكون بمثابة خطوة إضافيَّة أخرى بالنِّسبة له للتأهل إلى نصف النِّهائي.

الاستراتيجيَّة الأولى: بداية المباراة

الاستراتيجيَّة الأولى التي اعتمدها أليغري كانت خلال العشر دقائق الأولى من عمر المباراة، حيث استحوذ اليوفي خلال هذه الدَّقائق على 60 بالمئة من اللعب، وسدَّد أكثر من برشلونة على المرمى، وظهر كأنَّه سيلعب مباراة مفتوحة.

كسب أليغري من هذه البداية أمرين مهمّين، أولا نزع الخوف من قلوب لاعبيه، إذ كان يعي تمامًا أنَّه إذا هاجم لن يتلقى أهداف على الأرجح، بينما إذا دافع منذ البداية فاحتمال كبير أن يسجِّل برشلونة.

ثانيا، العشر دقائق الأولى الَّتي هاجم بها اليوفي كانت كفيلة بأن يتأقلم الدِّفاع سريعًا وأن يدخل مباشرةً في أجواء المباراة.

الاستراتيجيَّة الثانية: الخطة الدفاعية

الاستراتيجيَّة الدِّفاعيَّة التي اعتمدها أليغري لم تكن أقل حنكةً وذكاءً من الاستراتيجيَّة الأولى، فكان يعي تمامًا أنَّه في حال بقي يدافع بنفس الطَّريقة فإن هجوم برشلونة سيجد في مرحلة معيَّنة الحل لتفكيك هذا الدِّفاع، ما يتطلب منه تغيير طريقة دفاعه بين مرحلة وأخرى.

التَّغيير الأساسي كان بين ضغط عالي واحتواء، ففي الشَّوط الأوَّل ضغط اليوفي ضغطا عاليا على عدَّة فترات، وكان لهذا الضَّغط نتيجة مهمَّة جدًا وهي تقليل سرعة صعود الكرة أثناء عمليَّة بناء الهجمة بالنِّسبة لبرشلونة، وبالتّالي يؤدّي ذلك إلى ضياع الوقت، وعندما تصعد الكرة إلى وسط أو هجوم برشلونة فإنَّهم يصطدمون بـ7 او 8 مدافعين امامهم وهذا بحد ذاته شكَّل زيادة عدديَّة بالنسبة للاعبي اليوفي.

هذا الضغط كان من المستحيل أن يستمر 70 أو 80 دقيقة، لذا كان على أليغري إيجاد طريقة أخرى للدِّفاع وهي الاحتواء.

في عمليَّة الاحتواء أصبح اليوفي يلعب وفق خطة 4-4-2 لاحتواء هجوم برشلونة واستقبال اللَّعب، هنا كان الدَّور الأساسي لهيغوايين، فقد كان دور غونزالو الأساسي بدون كرة أكثر من دوره مع كرة، فكان يعرف أين عليه أن يقف حين يشعر أنَّ الكرة ستُفتك من هجوم برشلونة، فيستقبل الكرة ويشرع في بناء الهجمة المرتدَّة ويمرِّرها في أغلب الأوقات إلى كوادرادو السَّريع على الجبهة اليمنى، كما إلى ماندزوكيتش القوي بدنيًا من الناحية اليسرى أو إلى ديبالا المهاري في العمق.

في بعض الأوقات عندما كان يفتك دفاع اليوفي الكرة كان يرسلها مباشرةً إلى منطقة جزاء برشلونة وفي هذه الحالة هناك إمكانيَّتين، إمّا أن يسجِّل اليوفي أو أن يبدأ برشلونة بناء الهجمة البطيئة من البداية وهذا كله يصب في مصلحة اليوفي عن طريق تضييع الوقت.

كلّ هذه الأمور افتقدها باريس سان جيرمان في مباراته ضد برشلونة، وكانت سبب خسارته وتحقيق برشلونة للريمونتادا، باعتبار أن لاعبي الفريق الباريسي دخلوا خائفين إلى أرضيَّة الميدان، ولم يتعاملوا مع الدِّفاع باستراتيجيّات مختلفة، كما لم يضغطوا بالشكل المطلوب على دفاع برشلونة، وهذا الشَّيء يُحسب لأليغري الَّذي استطاع أن يدير اللِّقاء بهذا الشَّكل.

هجوم برشلونة

حاول لاعبو برشلونة أن يتعاملوا مع دفاع اليوفي بمهارات فرديَّة وفي كل مرَّة كانوا يصطدمون بدفاع فولاذي لليوفي، عندها أيقنوا أنَّ المهارات الفرديَّة لن تجدي نفعًا مع دفاعٍ كهذا، على أثر ذلك تحوَّلوا للَّعب الجماعي الذي أسفر عن فرصتين ضائعتين عن طريق جوردي ألبا وليونيل ميسي.

عندها، لاحظ أليغري أن عليه إغلاق المساحات أكثر، فطلب من بيانيتش وخضيرة تبديل مكانهما، كما طلب من ديبالا مساندة الجهة اليمنى لدفاع اليوفي ولو للزِّيادة العدديَّة فقط، فهنا الكثرة تغلب الشَّجاعة.

رجل المباراة

من وجهة نظري فإن ميراليم بيانيتش كان رجل المباراة وأكثر من لمع فيها، فقد برز في كيفية الصُّعود بالكرة وعمليَّة بناء الهجمة، كما برز ايضًا دفاعيًا لا سيما وأننا نتحدَّث عن لاعب قطع أكثر من 12 كرة خلال المباراة، ونتحدَّث أيضًا عن لاعب وظيفته ليست قطع كرات بالأساس، لكنَّه تطوَّر من هذه النّاحية مع اليوفي منذ تحوُّل اليوفي إلى خطَّة 4-2-3-1. وهذه ايضًا تُحسب لأليغري.

لقد تواجد في كل مكان على أرضية الملعب مع إنييستا ونيمار وسواريز، حيث كان يستشعر أماكن الخطر ويقوم بالضَّغط على حامل الكرة.

الشَّوط الثاني

في الدَّقيقة 56 أقحم إنريكي لاعبه ألكاسير في الهجوم وأصبح يلعب بأربعة مهاجمين، وعلى أثر ذلك تدارك أليغري خطورة الأمر سريعًا وقام بإقحام بارزاغلي ليحل مكان ديبالا كقلب دفاع ثالث، وهنا فرض اليوفي على برشلونة اللَّعب على الأطراف عن طريق التَّوزيعات الهوائيَّة، ودفاع اليوفي كعادته صلب وطبعًا أطول من مهاجمي برشلونة.

نقطة ضوء بالنِّسبة لأليغري ولاعبيه

رأينا انَّ اليوفي قدَّم مباراة تكتيكيَّة، دفاعيَّة، ايطاليَّة أسطوريَّة، خلال الـ90 دقيقة بل الـ180 دقيقة لم يرتكب رباعي دفاع اليوفي خطأ واحدا، رافقته مساندة دفاعيَّة شجاعة من كافة لاعبي الفريق، دراسة المدرِّب لبرشلونة، خطَّته، لاعبيه ومدربه دراسة عميقة مفصَّلة لكلّ التَّفاصيل، الصَّغيرة قبل الكبيرة، والتَّحكُّم بالمباراة بكل حنكة، ذكاء، دهاء وخبث كروي، وكان لامتصاص خوف لاعبي اليوفي في بداية المباراة الدَّور الأساسي في المستوى الَذي قدَّموه.

نقطة ضوء بالنِّسبة لإنريكي ولاعبيه

بالنِّسبة لانريكي لا اعتقد أنَّه توجد نقطة ضوء يمكن مدحه بها سوى بإبعاد ماثيو عن التَّشكيلة، أما بالنِّسبة للاعبي برشلونة ما يُحسب لهم هو محاولاتهم المتكرِّرة للتَّسجيل واختراق دفاع اليوفي حتّى آخر رمق من عمر المباراة.

متفرقات

أولا، حاول إنريكي ولاعبوه شنّ حربا إعلاميَّة نفسيَّة على مدار أسبوع كامل حتّى خلال سيرورة المباراة، لكن هذا لم يضعف من شأن وعزيمة لاعبي اليوفي، ولعلَّ إنريكي ولاعبوه يدركون ويعون بعد الآن أنَّ الحرب النَّفسية والرّيمونتادا لا يمكن أن تُستعمل ضدّ الطِّليان.

ثانيا، حكم المباراة يمكن منحه 9 من أصل 10 نقاط في هذا اللِّقاء، حيث لاحظنا أنه لم يوقف المباراة في كل مرَّة يتزحلق فيها لاعب في غرفة تبديل الملابس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن 90 بالمئة من قراراته كانت صحيحة، وفي المقابل فإن النسبة المتبقية لم تؤثِّر على نتيجة المباراة.

ثالثا، هذه المباراة كانت بمثابة رسالة لكافة أندية أوروبا بشكل عام واليويفا بشكل خاص بأن اليوفي بالفعل قد عاد، وأصبح قوَّة لا يمكن لأحد أن يستهين بها، لا سيما وأن جميعنا نعلم أنه حين يأتي وقت توزيع الجوائز الفرديَّة فإنَّهم سيختارون نوير ليكون أفضل حارس وبيكيه وراموس أفضل مدافعين وسواريز أفضل مهاجم وزيدان افضل مدرِّب، إلا أن جميعهم يعلمون بأن كيلليني وبونوتشي وبارزاغلي أفضل من راموس وبيكيه بدرجات، كما أن بوفون أفضل حارس في التّاريخ، وديبالا افضل مهاجم وأليغري افضل مدرِّب واليوفي هو اليوفي.

حلموا بالريمونتادا فشربوا الليمونادا، هذا جزاء من يستهين بالطليان.. نلتقي في نصف النِّهائي.

ملف خاص | العودة إلى المدارس


حين يقضي دهاء الطليان على حلم الريمونتادا/ رأفت شعبان