أعيدوا لنا كرة القدم!!

أعيدوا لنا كرة القدم!!

يربط مشجعو كرة القدم عام 1995 بالمعجزة الكروية التي حصلت في نهائي دوري الأبطال آنذاك، والتي واجه فيها أياكس أمستردام الهولندي نادي ميلان الإيطالي. مثل الفريقان نظريتين متناقضتين في عالم الكرة. فمن جهة نادي ميلان الإيطالي بقيادة المدرب فابيو كابيللو، النادي الغني وحامل اللقب المُدجج بالنجوم والأسماء العالمية أمثال باولو مالديني، مارسيل ديسائي، فرانكو باريزي، وغيرهم. ومن جهةٍ أخرى نادي أياكس الهولندي بقيادة لويس فان خال، صانع المواهب الشابة الذي أنهى لتوه موسمًا أسطوريا مع تشكيلةٍ جلها من اللاعبين الصغار خريجي أكاديمية النادي أمثال باتريك كلايفرت، كلارنس سيدورف، إدچار دافيدز، وغيرهم، والذين كان أكبرهم يبلغ آنذاك 21 عامًا.

كان ميلان بحكم تفوقه "على الورق" صاحب الحظ الأوفر للفوز، إلا أن أطفال أياكس شاءوا غير ذلك. وفي الدقيقة الخامسة والثمانين، أحرز باتريك كلايفرت، ابن الثامنة عشرة في حينه، هدف الفوز لصالح أياكس. كان هذا الإنجاز بمثابة زلزالٍ كروي، ويعتبره أغلب من عاصر تلك الفترة الحدث الأهم لذلك العام.

إلا أن حدثًا مهما آخر حصل في نفس العام: فوز اللاعب جان مارك بوسمان بالدعوى التي قدمها ضد ناديه السابق، ر.ف.س. لييج، والتي تسمح له بالانتقال إلى نادي دونكريك الفرنسي. ربح بوسمان الدعوى لكنه لم ينتقل بين الناديين، بل أنهى حياته الكروية كلاعبٍ مغمورٍ ينتقل بين فرقٍ صغيرةٍ.

بعضكم (أو معظمكم) لا يعرف جان مارك بوسمان، ولم يسمع عنه. قد تتساءلون إذًا كيف له أن يكون مهما، وكيف لدعوى ربحها عام 1995 أن تكون أهم من فوز نادي أياكس بدوري أبطال أوروبا؟

قانون بوسمان

جان مارك بوسمان كان لاعبًا بلجيكيا يلعب لصالح نادي ر.ف.س. لييج. في العام 1991 وبعد انتهاء عقده، قرر الانتقال إلى نادي دونكيرك الفرنسي. قواعد الانتقال في الكرة الأوروبية آنذاك كانت تقضي بأمرين مهمين: الأول هو منع أي لاعب من الانتقال من ناديه حتى وإن انتهى عقده، إلا بعد موافقة النادي على الانتقال. الثاني كان تحديد عدد الغرباء في كل نادي مهني إلى ثلاثة. وكان تعريف الغريب حسب القوانين اللاعب الذي لا يحمل جنسية نفس الدولة التي يأتي منها نادي معين.

قوبِل طلب بوسمان بالرفض من قبل نادي لييج، الذي طالب نادي دونكيرك بدفع مبلغ مالي مقابل خدمات اللاعب، الأمر الذي رفضه الأخير.

قام بوسمان برفع دعوى ضد نادي لييج عام 1991 مفادها أنه كلاعب كرة قدم، يجب أن يُعامل مثله مثل أي "موظف" أو "صاحب مهنة" آخر داخل حدود الاتحاد الأوروبي، وأن تُكفل له حرية الانتقال بين النوادي المختلفة دونما قيدٍ أو شرط، تمامًا كما تُكفل لغيره من أصحاب المهن والوظائف.

في تاريخ 15.12.1995 ربح بوسمان الدعوى، وأصبحت حرية انتقال لاعبي كرة القدم حاملي جواز السفر الأوروبي مكفولةً وحرةً بين نوادي الاتحاد. سُمي هذا القانون ب "قانون بوسمان".

للقانون انعكاسات كثيرة وطويلة من الصعب الخوض بها في مقالٍ واحدٍ. إلا أنه أتى بحقيقتين جديدتين: الأولى هي السماح للاعبين المنتهية عقودهم بالانتقال مجانيا ودون أي قيودٍ بين النوادي. والثانية أن كل لاعبٍ يحمل جواز سفرٍ أوروبي لم يعد يُعتبر غريبًا داخل حدود الاتحاد، أي أن القيود أزيلت فعليا عن عدد الغرباء الذي بإمكان أي نادي امتلاكه، ما دام هؤلاء من حملة جواز السفر الأوروبي.

النتائج الفورية: تفكك أياكس كمثال

عودةٌ إلى نادي أياكس، في العام الأول بعد صدور القانون، استطاع النادي الاحتفاظ بمعظم لاعبيه، مما مكنه من الوصول مرة أخرى إلى نهائي دوري الأبطال لعام 1996، الذي خسر فيه بالركلات الترجيحية في مواجهة يوفنتوس الإيطالي.

في العام الذي يليه، انتقل معظم لاعبي النادي إلى "النوادي الكبيرة" في أوروبا. قسم منهم انتقل مجانيا نتيجة انتهاء عقده في النادي ورفضهم تجديده، والآخر انتقل مقابل مبالغ مالية زهيدة نتيجة إزالة التقييدات عن عدد اللاعبين الغرباء. تفككت تشكيلة النادي التي كان بإمكانها مواصلة اللعب لسنين كثيرة وبناء سلالة كروية عريقة والسيطرة على أوروبا.

استمرت وتيرة الانتقالات في السنوات التالية على نفس المنوال: من الدوريات والنوادي التي عُرفت تاريخيا كـ"صغيرة" (هولندا، بلجيكا، سويسرا، شرق أوروبا، إلخ)، إلى الدوريات والنوادي التي عُرفت تاريخيا كـ"كبيرة" (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، إنجلترا وألمانيا).

خلقت هذه الانتقالات واقعًا جديدًا. فمن جهة، لم يعد بإمكان النوادي الصغيرة الحفاظ على اللاعبين الموهوبين لفترة طويلة، مما ضعف إنجازاتها ومواردها المالية. ومن جهة أخرى، الفرق الكبيرة استطاعت استقطاب اللاعبين الموهوبين إلى صفوفها مما ضاعف إنجازاتها ومواردها المالية.

مع مرور الوقت، ازدادت الفروقات بين نوادي الدول المختلفة واختل التوازن الرياضي الذي كان سائدًا لسنوات طويلة. نوادٍ مثل نوتينچهام فوريست، ستيوا بوخارست، سلتيك، وغيرها من نوادٍ "صغيرة" والتي حازت على دوري أبطال أوروبا في عصر ما قبل بوسمان، أصبحت ترضى بالفُتات وتكتفي بمشاركة محترمة في دوري الأبطال، في عصر ما بعد بوسمان.

من الممكن الادعاء أن تغيير طريقة اللعب من بطولة ذهاب وإياب إلى دوري مجموعات والتي دخلت حيزها عام 1992 هي السبب في عدم حصول مفاجآت. فالطريقة القديمة كانت تُعطي إمكانية أكبر لحصول مفاجآت، في حال حالف الحظ نادٍ معين ووفرت له القرعة طريقًا سهلة إلى النهائي. إلا أن هذا الادعاء يسقط عندما نُلقي نظرة إلى ما يحصل في دوري الأبطال نفسه في السنوات الأخيرة.

دورتموند، ليفربول، أو نابولي أبطالٌ لأوروبا؟؟

مع مرور الوقت، تحولت قوة النوادي الكبيرة إلى نفس الدوري: النوادي الكبيرة في كل دولة وبعد أن "شبعت" من المواهب الشابة التي أتت من دولٍ أخرى، أخذت بتعزيز سيطرتها على الدوري المحلي عن طريق شراء المواهب الشابة المحلية من النوادي المنافسة لها.

توسعت الفجوة مجددًا وأفرز الوضع الجديد مجموعة نوادي قمة مغلقة وغير معلنة: يوفنتوس، ريال مدريد وبرشلونة، بايرن ميونيخ، باريس سان جيرمان، وبضعة نوادٍ أخرى. تستفرد نوادي القمة هذه بالتنافس على معظم البطولات الموجودة، وأهمها دوري الأبطال، في حين ترضى باقي النوادي بالفُتات.

أصبحت مُعظم الدوريات محسومة قبل أن تبدأ، والنوادي المتأهلة من مجموعات دوري الأبطال معروفة منذ صدور القُرعة، والمُنافسة الوحيدة التي ما زال متوازنة إلى حد ما هي الدوري الأوروبي. غاب عُنصر المفاجأة عن المُباريات وأصبحت مشاهدة كرة القدم روتينية ومملة، اللهم إلا بالنسبة لمشجعي النوادي الكبيرة الموجودين بالجانب الفائز دائمًا.

حتى نوادٍ عريقة مثل ليفربول وبوروسيا دورتموند، والتي سبق لها وحازت على دوري الأبطال، أصبحت هي الأخرى تكتفي بالوصول إلى مراحل متقدمة من المسابقة في أحسن حال، وتعتز بإداءٍ مُشرف وإيجابي بعد خسارتها من ريال مدريد أو بايرن ميونيخ.

هل يمكنكم اليوم تخيل سيناريو يكون فيه نابولي مثلًا بطلًا لدوري الأبطال بعكس التوقعات، كما حصل في ليفربول عام 2005؟؟ بالتأكيد لا!! ذلك ضربٌ من ضروب الخيال في ظل الوضع الذي أفرزه قانون بوسمان، والهوة الآخذة بالاتساع بين النوادي الأوروبية. ليس فقط بين الدول المختلفة، بل أيضًا في نفس الدولة ونفس الدوري. الاستثناء الوحيد هو الدوري الإنجليزي الذي حافظ على ندية ومنافسة، والخوض في أسباب ذلك يحتاج لمقالٍ منفرد.

ماذا بعد؟؟

في ظل هذه الهوة وظل الوضع القائم الذي فرضه قانون بوسمان، تبدو كرة القدم في طريقها للتحول من "لعبة الملايين" إلى "لعبة المال"، لتفقد بذلك طابعها الشعبي والعاطفي، ولتغدو "مهنة" بحتة لا غير.

فلطالما كانت كرة القدم لعبة شعبية وعاطفية تحرك مشاعر الملايين عن طريق قصصٍ رائعةٍ يتلاحم معها الجمهور ويعيشها. قصصٌ عن لاعبين كبار أعلنوا ولاءهم لناديهم البيتي وكتبوا أسماءهم في التاريخ سوية، أو عن نوادٍ مثلت شعوبها في وجه طغاةٍ ودكتاتوريات، ونوادٍ أخرى صنعت مجدها بأيديها ولاعبيها البيتيين وعملها الشاق، وأمثلة أخرى عديدة لا مجال لذكرها هنا.

أما في عصر المال، تكاد تنعدم قصصٌ كهذه، أو في أحسن حال: أصبح بإمكان النوادي الكبيرة "شراء" أي قصة تريد، كما بإمكانها شراء أي لاعبٍ تريد، وقتل أي منافسةٍ أو أي قصة تريد.

إبتدأت مقالي بميلان وأياكس وبهما أنهيه. كنتُ فتىً في الحادية عشرة في ذلك النهائي، لكني كغيري من أصدقائي المشجعين الحياديين فضلت أياكس الشاب الحيوي على ميلان الغني والقوي. وهنا تكمن النقطة الأساس: يميل مشجع كرة القدم (الحقيقي، وليس المشجع المهووس لنادي معين) بالفِطرة للنوادي التي تمثل قصة أو فكرة أو حلمًا، ولا يميل لنوادي القوة والمال.

لم أشجع وقتها أياكس بقدر ما شجعتُ ما يمثله أياكس، ولم أبغض ميلان بقدر ما بغضتُ ما يمثله ميلان.

ولم أكتب مقالي هذا للدفاع عن أياكس، بل للدفاع عن ما كان يمثله أياكس وقتها، وما أصبحنا نفتقده اليوم شيئًا فشيئًا: كرة القدم الحقيقية، تلك اللعبة التي خرجت من شوارع وحارات المدن إلى الشهرة والنجاح، وجرفت خلفها ملايين البشر الذين لم يجمعهم إلا محبة خالصة، هدفٌ واحد، وروح الجماعة.

فهل من يُعيد لنا تلك اللعبة؟؟